
أنت من تختار أن تكون قوياً أو ضعيفاً في الحياة..
أنت صاحب القرار..
آل باتشينو
❈-❈-❈
نظرت في ساعة الحائط فوجدتها تخطت الواحدة ظهرا؛ فحملت رضيعتها والتفتت تحدث تلك الحنون التي تداعب صغيرها:
-داده، انا يا دوب اجهز عشان اروح للدكتوره، بس هكلم نرمو تيجي تقعد معاكي بالولاد، اكيد مش هتقدري عليهم لوحدك. استحسنت حنان الفكرة ولكنها قالت بترو:
-اظن شيرين اقرب يا بنتي، كلميها هي تيجي ولا چنى…… قاطعتها موضحة:
-بس شيري تعبانه من الحمل وكمان…
صمتت فهي تعلم بمشكلتها مع زوجها ولم ترد أن تظهر أمامها بالمعرفة بعد تنبيه فارس لها بهذا الشكل الصارم، ففكرت بمهاتفة چنى ولكنها عادت وتذكرت اخبارها لها أمس بخروجها للمصفف من أجل اﻻحتفال مع مازن بأمر خاص لم ترد إخبار أحدا به فلم تجد سواها، اختها ورفيقتها الروحية التي لا تشعر بالاكتمال سوى معها ففسرت رغبتها قائلة:
-محدش فاضي غير نرمو يا داده، انا هكلمها وابعت لها السواق على ما اجهز.
امسكت هاتفها واتصلت بها فردت اﻻخيرة بتعب:
-الو. تعجبت ياسمين من نبرتها فسألتها بلهفة:
-مالك؟ انتي كويسه؟ ردت عليها بصعوبة:
-ايوه الحمد لله، كنت تعبانه الصبح شوية بس بقيت أحسن. سألتها متلهفة لسماع ردها:
-كان مالك؟ ايه اللي حصلك فهميني؟ اجابت بتوضيح:
-شوية تعب يا سو متقلقيش، انا حتى كلمتك الصبح بس فارس رد وقالي انك نايمه. زفرت انفاسها بضيق وعقبت:
-چاسمين مش بتنيمني خالص. ضحكت نرمين:
-ولسه ياما هتشوفي.
ابتسمت وهي ترد:
-بكره افرح فيكي إن شاء الله. لم تعقب على حديثها واطرقت رأسها لاسفل بحزن حاولت اخفاءه، فهي لا تشعر السعادة في حياتها ولكنها آثرت الصمت كعادتها، وعندما طال صمتها هتفت ياسمين بقلق:
-انتي فيكي ايه؟ انا رايحه للدكتورة وهعدي عليكي وانا راجعه. رفضت مبررة:
-ملوش لازمه تتعبي نفسك وانتي لسه تعبانه، وكده كده ماما هنا من بدري. اتسعت حدقتيها وهي تسألها بخوف:
-طنط عندك! يبقى انتي تعبانه ومش عايزه تقوليلي.
حاولت تهدأتها وقالت موضحة:
-يا حبيبتي انا كويسه والله، شوية دوخه وراحوا لحالهم. ابتسمت ياسمين من حديثها وقالت مازحة:
-باااس، تبقي حامل. اغرورقت عينها بالعبرات وطغى الحزن على وجهها وردت مؤكدة:
-لا مش حامل، انا متأكدة. حاولت إقناعها فقالت معقبة:
-طيب ما تيجي معايا للدكتورة عشان تتأكدي! زفرت وتحدثت بحدة خرجت منها رغما عنها:
-بقولك مش حامل يا ياسمين، متضايقنيش بقى. تعجبت من حدتها فقالت بصوت خافت:
-خلاص اهدي، روحي ارتاحي وهبقى اكلمك لما ارجع.
اغلقت معها وجلست على فراشها تبكي بحزن وهي تشعر بالوحدة والوحشة من وقت زواجها، فبالرغم من لهفته عليها في البداية ولكن فترت علاقتهما سريعا بعد الزواج، فهو دائم التحجج بعمله القاسي الذي يشغل اغلب وقته، وهي لم تكن لتتذمر أو تشتكي إﻻ لتلك اﻻسباب التي تخفيها عن الجميع وتريد إخفائها حتى عن نفسها. ❈-❈-❈
ظل ينتفض بين أيدي رجال اﻷمن حتى صاح بهم رب عملهم فتركوه؛ فوقف يهندم ملابسه الباهظة واعتدل بجسده رامقا اياهما بنظرة ممتعضة؛ فتحرك فارس بخطوات ثقيلة متجها نحوه ومد ساعده هاتفا بصوت هادئ ورزين:
-حمدالله على السلامه، وصلت مصر امتى؟
لم يبادله المصافحة ورفع حاجبه هاتفا بضيق:
-مش مستني ترحيبك. اقترب مازن مندفعا نحوه وهو يصرخ به بحدة اجفلته:
-ما تتلم يا واد أنت واتكلم مع عدل. لاح اﻻفق بشجار حتمي انتبه له فارس على الفور، فأمسك مازن من ذراعه وقال بصوت منخفض:
-اهدى. صاح مازن بغضب:
-ما أنت لو سكتله هيسوق فيها. ربت على كتفه وهمس له:
-الجرح لسه صاحي يا مازن، سيبه يهدى ويفهم. التفت هاتفا بقوته المعهودة وقال بصوت حاد:
-تعالي يا يزن نطلع مكتبي فوق عشان نتكلم بهدوء.
تحرك ثلاثتهم صوب المصعد وصعدوا للطابق الموجود به مكتب فارس، ووقف أمام مساعدته وأمرها بصوت جاد:
-الغي مواعيدي انهارده، ومتدخليش حد علينا ولا تستقبلي مكالمات. أومأت له باحترام معقبة:
-تحت أمرك يا باشا. دلف ثلاثتهم، التف فارس ليجلس على مقعد مكتبه الوثير وأشار له بالجلوس فجلس وجلس أمامه مازن الذي ينظر لها بامتعاض، فاستهل فارس حديثه متسائلا:
-اخوك عامل ايه؟ رد متحفزا:
-كويس، ورجع معايا عشان نرجع حقنا اللي لهفته يا باشا.
أنهى كلماته باستهزاء فتجهم وجه مازن وحاول التهدث؛ فنظر له فارس محذرا:
-سيبه يقول اللي في نفسه. أخرج ضحكه ساخرة ومازن يعقب عليه:
-لسه فاكر يرجع دلوقتي! مشفناهوش وقت عزا ابوه. قضم فارس جانب فمه من الداخل واطرق رأسه محاولا كبح غضبه ورد معقبا:
-اسكت يا مازن لما اشوفه جاي عايز إيه بالظبط؟. صرخ يزن بصوت عال ومحتد:
-عايز حقي أنا واخويا، عايز ورثنا وفلوسنا اللي لهفتهم يا فارس، ولا مكفاكش أنك اتسببت في مــ,,ـــــوت بابا……
انتفض فارس بعد أن فقد هدوءه الزائف وصرخ به معترضا:
-انا لا اتسببت في مــ,,ـــــوت حد، ولا أخدت فلوس حد، وخد بالك من كلامك، أنا عارف ان حرجك لسه صاحي ومش عايز اقسى عليك. وقف مازن بدوره مستهزئا به:
-جرح ايه بس يا فارس؟ وهو لو هامه اصلا كان جه على اﻻقل حضر عزا ابوه، مش جاي بعد قد ايه عشان بس الفلوس. اقترب يزن منه ووقف أمامه مترصدا، وتحدث بصوت غاضب وخشن:
-انا لو زي ما أنت بتفكر كده كنت جيت من وقتها وطالبت بحقي.
سأله ممتعضا:
-وايه سبب أنك مجتش وجاي دلوقتي؟ أجابه موضحا بضيق:
-السبب كانت امي، هي اللي منعتنا أنا وآسر اننا نطالب بفلوسنا وانتوا عارفين كويس أنها بعدت من زمان. سأله بحيرة:
-وايه اللي غير رأيها دلوقتي؟ رمقه بنظرة حزينه رد:
-لانها ماتت من شهر، خلاص اللي كانت منعانا عنكم راحت ومفيش قوه على اﻻرض هتمنعني اطالب بحقي. مسد فارس لحيته الكثيفة ورمقه بنظرة قوية وتحدث بصوت أجش وقوي مؤكدا على مخارج حروفه:
-حقك أنت واخوك في الحفظ والصون وهتاخده على داير المليم، عايز تفضل مستمر في الشركه أو عايز تصفي اسهمك براحتك.
صر يزن على اسنانه وتكلم بعصبية:
-اسهمي!؟ بس اللي ليا عندك هي اسهمي؟ أومأ له معقبا بتأكيد:
_ايوه ملكوش عندي غير اﻻسهم. تهجم يزن عليه وحاول امساكه من تلابيه ولكن حال مازن دون ذلك؛ فوقف له بالمرصاد وابعده عن فارس الذي لم يحرك ساكنا بل ظل واقفا بشموخ ووقار جعل اﻻخر ينتفض من الغل وهو يصيح بشراسة:
-ورصيد بابا اللي في البنك وكان فوق المليار؟ والفيلا بتاعته؟ ولا دول بقوا ملكية خاصة؟



