روايات

الفصل التاسع من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل التاسع روضتنى الجزء الثالث

❈-❈-❈
من يمر من أمام تلك المنطقة الصناعية والتي بها العديد من المصانع والشركات لقال أنه يوم الحشر وأن القيامة قد جاءت، أصوات صراخ ولهيب بكل مكان والجرحى والمــ,,ـــــوتي بكل مكان، فلم يسلم أحدا ممن كانوا بالقرب من المصنع من رجال اطفاء أو شرطة أو حتى مراسلين الصحافة ورجال اﻻسعاف؛ فالانفجار كان مدويا وطال كل شيئ تقريبا.
وصلت السنة اللهب والدخان عنان السماء لدرجه أن رآها فارس ومن يلحقه من على أبواب المدينة الصناعية من بعيد؛

ففتح فارس النافذة وأخرج رأسه ينظر للسماء الملبدة بالدخان الكثيف وهو يشعر بغصة ألم تجتاح صدـ,,ـــره، فتجهم وجهه واعتدل بجسده فلاحظ مازن حالته فأمسكه من ذراعه وقال مؤازرا:
-كل حاجه تتعوض يا فارس، فكر في مراتك وولادك.
أومأ له وعبرات اﻷلم المحبوسة بمقلتيه تتحول لجمرات نــ,,ـــــار كتلك التي تحــ,,ـــــرق أمواله ومجهود سنين عمره، وصلوا للموقع فنزلوا جميعا بلهفة وهم ينظرون لحطام المصنع الذي كان بيومه يعتبر أكبر مصنع لصناعة اﻻجهزة المنزلية بعد مصنع الفهد الذي يبعد عنه بضع كيلومترات بالمدينة الصناعية المجاورة.
مسح لحيته بقسوة ونظر حوله وتكلم بصيغة آمرة لرجاله:

-شوفولي مين المسئول هنا عشان اتكلم معاه.
لحظات وحضر مدير اﻷمن بنفسه وانحنى باحترام لفارس وقال بلباقة:
-ربنا يعوض عليك يا فارس بيه.
لم يرد أو يحرك ساكنا ولكنه التفت وسأله بعملية شديدة:
-عايز اعرف وصلتوا لايه؟ العمال اللي كانوا جوه اهم من أي حاجه.
زم مدير اﻵمن شفتيه ورد موضحا:
-في الوقت الحالي حصر عدد المصابين أو المــ,,ـــــوتى هيكون صعب، لحد اﻻنفجار مكانش في حد جوه المصنع نقدر نقول عليه ممكن يخرج حي، وبعد اﻻنفجار زاد عليهم كمان من اللي كانوا بره فالعدد كبير للأسف.
سأل بتوتر:
-سامي مدير المصنع فين؟

رفع كتفاه علامة على جهله بمكانه فالتفت ينظر لمازن وهدر به:
-خليهم يدوروا عليه يا مازن، جوز أختي فين؟
شعر مازن بتأجج الحــ,,ـــــريق بداخله ليصل لنفس حدة حــ,,ـــــريق المصنع فتحرك سريعا دون مراجعته او مناقشته بشيئ تحاشيا لاغضابه، وبدأ بالبحث عن سامي هو ومن معه من رجال الحراسات.
نظر فارس أمامه وتنهد بعمق وتمتم بداخله:
-انا آسف يا بابا، مقدرتش احافظ على تعبك ومشروع عمرك.
شعر بدوار خفيف فأستند على سطح السيارة؛ فهرع زين صوبه واسنده وهمس له حتى لا يلحظ أحدا حالته:
-باشا، تعالى خليك في العربيه.

نظر له بعيون زائغة ومشوشة ووقف منتصبا رغم اﻻعياء الظاهر عليه وقال بصوت قوي:
-أنا كويس، روح شوف ساجد ومازن بيعملوا ايه؟
وافقه رغما عنه وتحرك من أمامه، فعاد فارس يتكئ على سطح سيارته واغلق عينه محاولا استرجاع انفاسه ولكن دون جدوى.
بحث بجيب سترته عن دواءه ولكنه لم يجده فتذكر انه خرج بتعجل ولم يتناوله، وعندما شعر بوهنه اﻻكيد رفض أن يسقط هكذا أمام الجميع؛ فخبط مرات متتاليه على سطح سيارته فانتبه له سائقه الذي نزل بسرعه متوجها لرب عمله وسأله باحترام:
-اؤمرني يا باشا.

وضع فارس راحته على ذراع كارم ونظر له بتعب وهمس له:
-اسندني لحد ما ادخل العربيه.
لمعت عين كارم وفعل فورا دون تأخير وفتح باب السيارة وساعده ليجلس بالمقعد الخلفي واراح ظهر المقعد للوراء اكثر حتى يرتاح رب عمله بوضعيته وسأله باهتمام:
-تحب اجيب لحضرتك حد من اﻻسعاف يا باشا؟
نفى برأسه وقال:
-سيبهم يشوفوا شغلهم، انا شوية وهبقى كويس.
لم يراجعه ولكنه وقف يبحث بنظره عن مراد حتى يأتي لنجدة ابن أخاه، وفور أن لمحه يقف على مقربة منه اتجه فورا وهمهم له هامسا:
-يا دكتور، فارس باشا تعبان أوي في العربيه.

التفت مراد بلهفة وهرع صوب السيارة واستند على ركبتيه بجواره وأمسك ساعده يقيس له نبضاته؛ فسحب فارس يده منه وسأله بتجهم:
-لقيتوا سامي؟
نفى بصمت فانتفخت فتحتي أنف اﻵخر وقال بوهن:
-اكيد جراله حاجه.
ربت مراد على كتفه وقال:
-كله بأمر ربنا يا فارس.
تنهد وزفر باختناق وحرر عنقه من ربطته ورد:
-ونعم بالله.
❈-❈-❈
تجمعوا حول شاشة التلفاز العملاقة يتابعون أخبار الحــ,,ـــــريق والذي تناقلته كافة القنوات، وكانت لحظة اﻻنفجار مصورة صوت وصوره من إحدى الكاميرات والتي تناقلتها القنوات وهي توصف بشاعة المشهد وتأكيد وجود الكثير من الوفيات واﻻصابات.

تركتهم وتحركت صوب تلك الجميلة التي تحمل صغيرتها بحــ,,ـــــضنها وسألتها بتوتر:
-خديجه هانم، ممكن لحظة؟
أومأت لها وتحركت لغرفة المكتب وجلست بجوارها على اﻻريكه وهي تقول بأدب:
-ممكن نشيل اﻻلقاب، أنا خديجه بس مش هانم ولا حاجه.
ابتسمت لها بهدوء وسألتها مباشرة:
-ممكن تحكيلي عن اللي تعرفيه لو سمحتي.
جعدت جبينها وسألتها بدورها:
-هو انتي متعرفيش؟
نفت برأسها وأجابت:
-فارس الفهد بير ملوش قرار.
ابتسمت بتصنع وقالت:
-أنا آسفه، بس مظنش من حقي أقولك على حاجه جوزك اختار يخبيها عنك.

رمقتها بنظرات متضايقة وراجية بنفس الوقت، ولكنها حقا لا تعلم شخصيتها الكتومة فاعتذرت منها:
-حقك عليا، بس حقيقي مقدرش أبدا افشي سر وميخصنيش كمان، انا كنت بحسبك عارفه.
بكت ياسمين وهى تقول:
-أنا خايفه عليه اوي.
ربتت عليها مؤكده:
-ادعيله ربنا يحفظه ويقويه؛ لان اللي بيمر بيه صعب ومحتاج دعم كبير اوي.
خرجتا للبهو عند تجمع العائلة فنظرت لها خديجة وقالت:
-أنا مضطرة أمشي بس أكيد هتصل اطمن عليكي.
ودعتها بحبور وعادت تجلس برفقة عائلتها فانتفضت ميار تصرخ بلهفة:
-سامي تليفونه مقفول من ساعة ما راح المصنع، قلبي مقبوض.

ربتت عليها شيرين وهدأتها:
-أكيد الشبكه واقعه، مش شايفه الدنيا هناك عامله ازاي؟ اهدي ودلوقتي نطمن عليهم كلهم.
لم توافقها فهتفت بلهفة:
-اتصلوا بيهم شوفوا لو حد منهم تليفونه مفتوح.
حاولن جميعا ولكن دون جدوى فقالت ياسمين:
-أنا هتصل على خط التجوال بتاع فارس لانه Satellite واكيد هيقبل اتصالات.
بالفعل هاتفته بنفس اللحظة التي كان يستريح بسيارته ومراد يقيس له ضغطه.
اجابها بصوت متعب:
-ايه يا حبيبتي!
تنهدت براجه فور سماع صوته، ولكن لم يخف عنها تعبه وحزنه فقالت تواسيه:
-حبيبي، أي حاجه فداك.
لم يرد واستمع لها تسأله:

-طمني، كلكم كويسين.
رد مؤكدا:
-ايوه الحمد لله، بس هنتأخر أوي هنا … لسه تحقيقات وطب شرعي وليله طويله.
اقتربت ميار وهي تخبرها:
-كلهم كويسين متقلقوش.
تحدثت بلهفة:
-اسأليه سامي جنبه؟
استمع لها فتوتر فورا وقال بجدية:
-ياسمين، حاولي متخليش حد ياخد باله من كلامي.
ابتسمت بتصنع ولكن بداخلها قلبها يحترق من القلق وردت بادعاء:
-حاضر متقلقش كلنا كويسين.
أخبرها بغصة تقف بحلقة:
-سامي مش ظاهر ومش عارفين إذا عايش ولا لأ، كان قريب أوي من مكان اﻻنفجار.

ابتلعت ريقها بتوتر حاولت اخفاءه وظلت ترسم البسمة على وجهها بكذب وهمهمت:
-اممم، تمام أنا مش هنام قبل ما تيجي بس طمني عليك.
فهم أنها تحاول اختلاق اي أمر حتى لا يشعر من حولها بحديثها فقال بوهن:
-أنا احتمال ارجع متأخر اوي، وأول ما اعرف حاجه هكلمك.
وافقته واغلقت معه والتفتت تبتسم للجميع هاتفة:
-فعلا مفيش شبكه، اطمنوا .. كلهم كويسين.
❈-❈-❈
انتهى مراد من فحص ابن أخيه وتحدث بجدية:
-انت كده وضعك خطر، اهدى شويه الخسارة على الكل مش عليك لوحدك.
صر على أسنانه ورد بغضب:

-ما هي عشان ع الكل يا دكتور، لو ليا لوحدي مكانش همني.
حاول التعامل معه بهدوء وتريث فقال:
-طيب بغض النظر، أنت الوحيد اللي تقدر تخرجنا من اﻻزمه دي ولو جرالك حاجه عيلة الفهد كلها هتقع؛ فلازم تتماسك.
خلل أصابعه بشعره ومشطه للخلف واغلق عينه مرات متتاليه وعدل من وضع قميصه مغلقا ازراره رابطا ربطة عنقه ونزل يقف بقوة ناظرا أمامه لبقايا وحطام المصنع.
اقترب مازن ومعه أحد رجال الدفاع المدني وأخبره باحترام:
-تقرير الإنفجار ظهر يا فارس.
اومأ ونظر له بترقب فأخبره:

-الحــ,,ـــــريق وصل لأنابيب الغاز وأول ما وصل لقسم الثلاجات اتفاعل مع غاز الفريون وحصل الإنفجار.
سأله بايجاز:
-حجم الخساير؟
رد مؤكدا بحزن:
-المصنع محتاج معجزه عشان يشتغل تاني.
أومأ بهدوء وسأل:
-الوفيات والإصابات؟
أجابه بعملية شديدة:
-المصنع كان ي حالة اشغال اقل من 25% لأنه يوم الجمعه وتقريبا اللي نجوا منهم اقل من نصهم.
صاح بحدة:
-اديني أعداد يا مازن.
ابتلع ريقه ونظر لضابط الدفاع فأجاب هو :
-خساير اﻻرواح حوالي 100 شخص وفيات و اكتر من 70 إصابات وفي حاﻻت مفقوده معتبرينهم من الوفيات.

حك لحيته الكثيفة وسأله:
-وسامي؟
رد مازن بحزن:
-لقناه.
نظر له باهتمام فأضاف:
-للأسف، البقاء لله.
لحظة صمت وتبادل نظرات حزينة واخرى مواسية؛ فخانته دمعة واحدة نزلت على وجهه مسحها فورا فربت عليه مراد يواسيه:
-البقاء لله يا فارس.
رد بحزن وغصة:
-ونعم بالله، ابنه لسه يا دوب 6 سنين.
عقب مازن عليه:
-وكل الضحايا عندهم عائلات يا فارس، هو قضاء واصاب الكل.
تحدث بغضب وعصبية:
-أنا اللي بعته، انا اللي خليته يسبقنا وييجي…
قاطعه مراد موضحا:

-هو جه لقضاه لأن ده مكتوب له يا فارس، ربنا كاتب له كده متحملش نفسك الذنب.
سحب شهقيا حاول به أن يثبط غصة بكاءه، والتفت يحدث ساجد:
-كلمت شركة التأمين؟
أجابه بعملية:
-ايوه، والمحققين بتوعهم هنا مع بتوع المعمل الجنائي.
أومأ وقال:
-جهزلي list بكل الوفيات واﻻصابات ودرجة الإصابه عشان نبقى مستعدين لدعاوي التعويضات اللي هتترفع علينا.
أوما له بصمت فسحبه مازن على إنفراد وهمس له:
-اللي حصل كان بعيد عن كل حسابتنا، كل اللي فكرنا فيه أن الضــ,,ـــــربه هتيجي لشخصك أو…
قاطعه بغضب:

-أنا لازم اروح لهم، لازم يعرفوا اني عارف كل حاجه.
مسح فارس على ذراعه وأكد:
-بس مش هتروح لوحدك، وده مفهيوش نقاش يا فارس .. بلاش فاتحه الصدـ,,ـــر اللي ع الفاضي دي.
اقترب عمر منه وتحدث بدون مقدمات:
-أنا خليت الإسعاف يبعت جــ,,ـــــثه جوز اخت حضرتك على المشرحة على طول علشان نستخرج بسرعه تصريح الدفــ,,ـــــن، وجهزت كل حاجه للدفــ,,ـــــن والعزا بكره.
استحسن فعلته وشكره:
-متشكر يا عمر، ده حتى مش من اختصاص شغلك.
ابتسم له وأكد:

-في المصايب اللي زي دي الكل لازم يساعد حتى لو بره صميم عمله، واللي يقدر على حاجه يعملها.
مر الليل ما بين تحقيقات وتحريات والكثير من الأعمال الغير منتهية حتى شعر الجميع بالإنهاك الشديد؛ فقرروا العودة لعائلاتهم ليرتاحوا قليلا فقد قارب الوقت على منتصف الليل.
جلس فارس بمقعده وبجواره مازن فأمسك هاتفه وتحدث مع زوجته:
-ياسمينا، انتي كويسه والولاد كويسين؟
ردت بلهفة:
-الحمد لله، انت عامل ايه؟ طمني عليك.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى