
نفى سريعا وتحدث بحدة متأثرا بحديثها الذي آلمه:
-مش صحيح، أنا الغلط الوحيد اللي عملته معاكي هو اني سيبتك على راحتك، سيبتك تبعدي ومحاولتش اقربك مني … شوفت ردود افعالك اللي كنت عارف ومتأكد انها بسبب ابوكي وأمك ومحاولتش اغير فكرتك عني ولا اصحح لك اي حاجه ..كل غلطي انك كرهتني وأنا محاولتش اغير ده يا ميار لكن انا عمري ما كرهتك يمكن فرقت في المعامله بس ده كان بسبب موقفك مني اللي مكانش له سبب من واحنا صغيرين.
بكت فاقترب منها وسحبها رغما عنها داخل حــ,,ـــــضنه دافنا رأسها بصدـ,,ـــره وهتف مؤكدا:
-الغلطه دي مش هتتكرر تاني ومن انهارده مش هسيبك لحظه واحده لوحدك، أنا من اللحظة دي ابوكي واخوكي وظهرك وسندك في الدنيا دي، فاهمه؟
دفعته بعيدا عنها وهدرت به:
-بعد ايه؟ بعد ما بابي اتسجــ,,ـــــن ومامي تقريبا اتجننت وجوزي مات! انت مش متخيل حالة مامي عامله ايه من وقت اللي حصل.
اشاح بوجهه عنها وحاول تمالك اعصابه معها وقال بهدوء مصطنع:
-فريده هانم مش مجنونه يا ميار، فريده هانم انانيه بس.. وهو ده اللي مخليكي مفكره إن تصرفاتها مش طبيعيه.
سحبها من ذراعها بقوة واوقفها أمامه وتحدث بجدية:
-اسمعي وافهمي متبقيش غبيه.
رفع حاجبه مقوسا جبينه وقال بصرامة:
-انا اخوكي مش عدوك، ولو بكرهك مكنتش كتبت لك أسهم في الشركه زي ساهر وجچنى ولا…
قاطعته باكية:
-جبت لهم عربيات وشبعتهم مصروف وحنان ودلع وأنا لا.
ابتسم في وجهها بسمة عذبة وقال هامسا:
-يا غيوره، انا دلعتهم عشان هم صغيرين بس لو عايزه تدلعي انتي كمان هيكون على قلبي احلى من العسل.
ظلت على بكاءها فاحتضنها وهمس بحنان:
-حقك عليا يا ميار، اللي حصل لسامي ارادة ربنا ويا ريت كنت اقدر اكون مكانه وهو اللي يرجعلك.
هتفت بشهقاتها المتقطعة:
-بعد الشر عليك.
ابتسم بداخله وقبل أعلى رأسها وهمس لها متسائلاً بحب:
-خايفه عليا؟
استنشقت ماء أنفها وردت بحزن:
-طبعا، علشان زي ما قولت مبقاش ليا غيرك، بابي في السجــ,,ـــــن وجوزي خلاص سابني وساهر لسه صغير، يبقى فاضلي مين غيرك؟
مسح على ظهرها وهو يجاهد لاخفاء عبراته ومزح قائلا:
-بت مصلحجيه اوي، ملكيش حل.
ابتسم لها وقبلها من وجنتها وسألها بحيرة:
-ايه رأيك تيجي تباتي عندي عشان متبقيش لوحدك والصبح نتــ,,ـــــحرك كلنا سوا؟
رفضت موضحة:
-لأ، انا هبات في بيتي، ولازم اكلم اهل سامي عشان اقول لهم، ولو سمحت أنا عارفه انك هتعمل اللازم للدفــ,,ـــــن بس بلاش تهمش اهله وخليهم يشاركوك ولو شكلا بس.
أومأ لها بصمت وقبلها مجددا وتحرك للخارج برفقة باقي العائلة فتحدث مراد منتهدا بضيق:
-الحمد لله عدت على خير وميار كانت عاقله مش زي فريده.
هنا قد انتهت قوة تحملة وتصنعة للصمود فأختل توازنه وكاد أن يسقط على الدرج فلحق به مازن القريب منه واسنده متسائلا بقلق:
-فارس! مالك؟
نظر لمقلتيه الحمراوتين فعلم انه بمرحلة خطرة فصاح بوالده:
-بابا، تعالى شوف فارس.
اسنداه حتى وصل لسيارته وارتمي على مقعدها الخلفى فحل ربطة عنقه واسند رأسه للخلف فهدر به مراد:
-أنت هتفضل منشف دماغك لحد امتى؟ تعالى نروح المستشفى اشوفك فيك ايه؟ اكيد ضغطك عالي
رفض رفضا قاطعا وقال بصرامة:
-ﻷ ودوني بيتي، عايز اروح لمراتي وولادي.
❈-❈-❈
جلست تنظر له بقلق وهي تطعمه بيدها رغما عنه فتكلم وبواقي الطعام بفمه وهي تصر بحشر المزيد له:
-كفايه يا ياسمين هتخنق واشرق.
مسحت على ظهره مبتسمة:
-حبيبي، انت تعبان ولازم تاكل.
التفت لمازن الذي سخر محدثا چنى:
-شايفه مهتمه بيه ازاي؟
مش انتي مبتعرفيش تعملي بيض بالبسطرمه حتى.
حاولت أن تجاريه وتمزح هي اﻷخرى لعل مزاحهما يخفف تلك اﻷجواء المشحونة والمحملة بالحزن، ولكن فارس لم يعطها الفرصه فوقف فورا ونظر لهما وتكلم باجهاد:
-أنا طالع آخد شاور وارتاح عشان مش متحمل ريحة الدخان دي، البيت بيتكم.
تحرك صوب الدرج فتحدث ساجد فورا بعفوية:
-طيب يلا بينا قبل ما نتطرد كلنا.
ودعتهم ياسمين وصعدت تلحق بزوجها فوجدته لازال يتحرك بتعب صوب الجناح فتبعته واسندته متسائلة:
-أنت كل ده بتطلع؟ للدرجة دي تعبان؟
نفى ووضح لها:
-عديت على الولاد بس مردتش ادخل بريحة الدخان دي.
ربتت على كتفه وسحبته لتجلسه على الفراش وساعدته بالتجرد من ملابسه وهي تبتسم له وقالت بحب:
-ارتاح وأنا هعملك كل حاجه، هجهزلك الجاكوزي عشان يريحلك جسمك شوية.
أومأ مغلقا عينه وتنهد بتعب ففعلت ما قالته وعادت تساعده بالنهوض وأجلسته بحوض اﻻستحمام وجلست على حافته من خلف زوجها بحيث انتصف ظهره بيد قدميها وهي ترتفع فوق حافة المغطس، بدأت بتدليك جسده بالماء الدافئ والصابون ودلكت كتفيه برقة وظلت تمسح جسده بأناملها الناعمة وهو مسندا رأسه للخلف على فخذيها فهمهمت بتردد:
-عرفت مين اللي عمل كده؟
نفى بشبه حركة من رأسه دون تعقيب فعادت تتكلم:
-طيب والتهديدات اللي قولتلي عليها، مش ممكن يكونون هم؟
رد بايجاز:
-ده يقين مش تخمين.
نزلت بلوفة اﻻستحمام على طول ذراعه وسألته:
-طيب مش ناوي تقولي ايه الموضوع؟
رد عليها بعد تنهيدة مطولة:
-أنتي شايفة الوقت أو حالتي تسمح؟
تراجعت عن حديثها وأسألتها حتى لا يتشاجرا وهو بتلك الحالة فصمتت ولكنه شعر بها بالطبع؛ فسحبها من يدها لتلف ببراه وتصبح داخل المياة بكامل ملابسها جالسة على فخذه فوضع راحته المبلله بالماء على وجنتها وابعد خصلاتها الطويلة خلف اذنها وقبلها من وجنتها قبلة رقيقة وقال بجدية مغايرة لشكلهما:
-طلبت منك تخلي اهلك يروحوا عشان فعلا معنديش طاقه للكلام، اول ما اخلص اليوم بتاع بكره اللي ملوش آخر هنقعد ونتكلم عن كل حاجه.
أومأت له بصمت فقبلها قبلة عميقة على شفتيها فبادلته فورا ولكنه توقف ولم يكمل ما بدأه فشعرت بألمه وحزنه فتألمت لما يشعر به وقالت بحب:
-خد بالك على نفسك عشان خاطري، متخليش اي حاجه تأثر عليك لان انا وولادك محتاجينك.
رمقته بنظرات قلقة والعبرات تحجب عينها عن الرؤية وقالت باكية:
-لو جرالك حاجه الفلوس مش هتنفعنا، عشان خاطري متزعلش نفسك وكل اللي راح يتعوض اﻻ انت يا فارس متتعوضش.
كوب وجهها براحتيه وتكلم بنبرة حزينة:
-كل شقا وتعب بابا راح يا ياسمين في غمضة عين، ده غير التبعات بتاعة اللي حصل، ممكن عيلة الفهد تشهر افلاسها بعد اللي حصل.
ردت عليه موضحة:
-عادي، انتو مش أول ولا آخر عيله يحصل معاها كده وبعدين العائلات اللي الناس بتتكلم عليها وحش هما اللي بيتحايلوا على القانون ويعلنوا افلاسهم عشان ميسدوش القروض اللي واخدينها، لكن الحمد لله انت مش واخد قروض ولا عليك مليم لحد.
ابتسم لها وسألها بمشاكسة:
-هتقبلي تعيشي معايا وانا فقير ومفلس؟
ردت على الفور:
-ولو مُعدم ومش لاقي قوت يومك، بس المهم نفضل مع بعض.
اسندت رأسها على صدـ,,ـــره فشعرت بضــ,,ـــــربات قلبه العالية فسألته بتردد:
-ايه اللي حصل عند ميار واتقبلت الخبر ازاي؟
رد موضحا:
-طبيعي تعبت وعيطت وبعدها اتقبلت الموضوع.
عادت تسأله:
-وفريده هانم؟
زفر بغل وقال:
-دي في حته تانيه بعيد عن العالم، لا حاسه بنفسها ولا ولادها ومفيش في حياتها غير مدحت… مدحت وبس.
تضايقت وانزعجت وسألته:
-عملت حاجه هناك تضايقك؟
ضحك باستهزاء ورد:
-وهي من امتي مبتدروش على اللي يضايقني عشان تعمله، تخييلي واحنا بالحاله دي بتقولي اسهمي و اسهم مدحت مينقصوش مليم… بالزمه ده وقته طيب واسي بنتك اللي لسه مترمله؟
تذمرت بضيق:
-تصرفاتها غريبه جدا بصراحه ومش مفهومه.
عقب عليها وهو يبعدها ويساعدها بالنهوض من فوقه والخروج من حوض اﻻستحمام:
-بتكرهني بشكل مبالغ فيه وده مخليني مستغربها، كل اللي يكلمني يقولي مفيش ام بتكره ابنها بس كل تصرفاتها بتقول كده.
ردت عليه معقبة بدورها:
-هي مش بتكرهك انت يا فارس، هي كارهه حقيقة انك ابنها بس من ماهر الفهد وعلى حسب ما حكيت لي انك كنت السبب ان باباك الله يرحمه رفض يطلقها بعد ما جدك مات.
تنهد بحيرة وسألها:
-وهل ممكن ام تكره ابنها لمجرد انها خلفته من راجل تاني؟
أومأت له وهي تجلب له ملابسه من غرفة الملابس وتساعده على ارتداءها:
-ممكن تكرهه بس يكون عملها حاجه وحشه اوي، انما انت مامتك بتكره فيك باباك الله يرحمه يا فارس.
حاولت تغيير مجرى الحديث فسألته بتوتر:
-المهم دلوقتي لازم تجهز خطة العمل عشان تنفذ ما يمكن انقاذه والفهد متتاخدتش في الرجلين.
ضغط باصبيعيه تجويف عينه وأوما لها بصمت فأحضرت دواءه وناولته قرصا مع بعض الماء وأكدت عليه:
-متمشيش من غيره يا فارس قولنا ميت مره دوا الضغط مش عند اللزوم، دوا الضغط لازم يتاخد بانتظام.
ابتسم وهو يداعب شعرها:
-امرك يا سلطانه.
❈-❈-❈
تحركوا جميعاً بسيراتهم ولقرب بيوتهم من بعضها البعض توقفوا بجوار أسوار بيت والدهم ونزل مراد ودينا ينظرون لأبنائهم وقالت اﻷخيرة برجاء:
-ما تيجوا يا ولاد تباتوا معانا بدل ما افضل قلقانه عليكم، الحكاية فيها إن وأنا خايفه.
أبتسم مازن وربت على ظهرها ناظرا لسيارته وتلك النائمة بداخلها قائلا:
-حبيبتي يا ماما متخافيش، ربنا هو الحافظ ما انتي شايقة چنى نايمه خالص على نفسها ازاي.
عقبت هاتفة:



