
رفعت بصرها عن اﻷوراق التي أمامها وتسائلت بتشويق:
-عايزين تعرفوا الحل؟
مد فارس ساعده وامسك راحتها مقـ ـبلا اياها من كفها وقال بشغف لطالما اظهره للجميع دون خجل:
-قولي يا سلطانه.
اعتدلت بجسلتها على المقعد وامسكت بعض اﻷوراق التي أمامها وفردتها أمامهم، وقالت بعملية شديدة:
-كل الورق اللي قدامي بيظهر الوضع المالي للعالميه والكوارث اللي هتواجهها الشركه ومعاها العيلة لو الشركة فلست، وكل تفكيركم إزاي تنقذوها بأقل الخساير وعشان كده مش لاقين حل.
ابتلعت ريقها ونظرت لزوجها وقالت له موضحة:
-الخسارة لازم تحصل يا فارس، السوق دايما بيقول خساره قريبه ولا مكسب بعيد وطول ما الخساره متقسمه ع الكل؛ فهيكون سهل اننا ننقذ الشركه بكل اللي فيها لو بس اتنازلنا شوية.
ارتشف من قهوتها التي أعدتها بيدها خصيصا له وابتلعها باستمتاع وسألها:
-ايه اللي تايه عني يا ياسمينا؟
أومأت وكأنها تقول انا وراءك وخلف ظهرك حائط صد يستطع حمايتك ولو بأضعف القدرات، اخرجت بعض اﻷوراق ووضعتها أمامه قائلة:
-المستثمرين….
وقبل ان تنطق قاطعها ساجد موضحا:
-الكل بيهرب وعارضين اﻻسهم برخص التراب في البورصة، وكأننا ناقصين خساره فوق خسارتنا؟!
أومأت بتفهم وقالت بعملية:
-احنا هنعرض عليهم عرض إما يوافقوا عليه أو يرفضوا وهنتصرف على أساسه.
لم يعقب اي منهم منتظرين أن تكمل فقالت:
-كل واحد فيهم يساهم قد نسبته من الخسارة زي ما كان بيربح قد نسبته وقت المكسب.
عقب فارس عليها وهو يبتسم نصف ابتسامة باهته:
-الكل بيجري على السهم الربحان، والسهم الخسران محدش بيحاول يخاطر معاه، وللأسف الميديا نشرت صعوبة رجوع المجموعة زي اﻷول وده صحيح، وحطي عليهم إصرار شركة التامين إن اللي حصل بفعل فاعل بالرغم من أنهم ملقوش أي حاجه تدل على ده، بس هم مش هيسكتوا وكلنا عارفين إن آجلا أم عاجلا هيلاقوا سبب الحر يق فكمان هنخسر التعويض، عشان كده في الوقت الحالي العالمية مركب غرقانه والكل بينط منها قبل ما تسحبه معاه، وفي اﻷخر مش هيفضل غير القبطان هيغرق مع سفينته.
تحدث بحزن واطناب فمسحت بكفها على راحته تؤازره وهتفت توضح:
-اكيد فاهمه ده يا حبيبي، بس أنا مستحيل اسيبك تغرق مع المركب وبما اني عرفاك كويس وعارفه انك مستحيل تنط مع اللي بينط؛ فالحل 80% منه هيكون في ايدك.
نظر لها بتعجب فغمزت له وقالت:
-اﻷول قبل ما أقول الفكرة اللي عندي عايزه اسألكم سؤال.
انتبه لها الجميع فقالت متسائلة:
-هو السهم تكلفته كام في العالمية؟
رد ساجد بحزن:
-بعد الهبوط اللي حصل حوالي 300
عادت تسأل:
-وفي كام سهم مطروح للتداول؟
أجابها من جديد:
-15% من اﻻسهم والباقي بتاع مجلس الادارة.
أومأت له وسألته هو بشكل مباشر:
-بس لا انت ولا مازن ليكم في اﻷسهم دي؟
أومأ ساجد مؤكدا:
-ايوه، بابا بس.
بدأ فارس يجمع الخيوط من حديثها فعقب على تساؤلاتها:
-انتي عايزه ساجد ومازن يشتروا اﻻسهم الخسرانه مش كده؟
أومتت وأضافت:
-وبكده الخسارة مش هتكون كبيره لأن في النهاية اﻻسهم راحت لعيلة الفهد، وساعتها لما نقسم الخساره محدش هيعترض لأن كل الموجودين من العيلة ومتضررين زي الكل.
التفتت ترمقه بنظرة متوجسة وسألته بقلق:
-فارس، هو الرصيد اللي في حسابي ده أنت محتاجه؟
رد فورا وهو رافعا حاجبا لأعلى:
-دي فلوسك يا حبيبتي.
ابتلعت ريقها بتوتر وحرج وقالت:
-انا كمان هدخل بالفلوس دي وأشتري اسهم، بس هكتبها باسم الولاد.
لم يهتم لحديثها ورد عيلها:
-دي فلوسك وانتي حره فيها حتى لو عايزه تشتري اﻻسهم لنفسك، ده حقك محدش يقدر يعترض.
وافقته دون تعقيب ولكنه اضاف بتخوف:
-انا بس كنت عايز ائمن مستقبلك عشان لو جرالي حاجه متحتاجيش لحد و…
انتفضت بلهفة وتوجهت ناحيته تسكته براحتها؛ فوضعتها أمام فمه وهي ترد:
-بعد الشر عليك، ربنا يخليك لينا يا حبيبي.
أمسك راحتها وقبلها مبتسما، فهو دائما ما يشعر بالسعادة عندما يجدها ملهوفة عليه بهذا الشكل ليتأكد دوما أنها تحبه لشخصه لا لأمواله، أما هذان المراقبان لهما؛ فنظرا لهما بفروغ صبر فانحنى مازن يهمس لأخيه:
-هو الفيضان العاطفي ده من هنخلص منه ابدا؟
ضحك ساجد على خفة ظله وعقب عليه بسخرية:
-مرار طافح يا بني والله، الله يكون في عونك ده انا بقالي شهر بس بشوفه قدامي ليل نهار وجالي جفاف عاطفي منهم، ما بال أنت بقى اللي قدامهم على طول!
ضحك بخفوت؛ فرد عليه مازن مستطردا:
-اهو بييجي على دماغ أخته.
لم يفهم رده الوقح فرمقه بنظرة متسائلة؛ فأجاب دون حيطة:
-بروح أطلعه عليها، البت هتروح مني وهي لسه في شهور الحمل اﻷولى.
لمعت عين ساجد ناظرا له بحرج ووبخه بحزم:
-الله يخربيت عقلك، يا بني انتي ما بتسترش مجالك ابدا؟
ضحك مازن عالياً لدرجة أن أنتبه له زوج العاشقان وهو يرد على أخيه:
-هتقول زي البوص ما بيقولي (اتلم يا زفت).
صاح مقلدا صوت فارس، فرمقه اﻷخير بنظرات فضولية وسأل ساجد:
-عمل ايه المفضوح ده؟
لم يجبه، بل نظر لمازن الذي انفطر قلبه من كثرة الضحك؛
فجلس فارس ممسكا بيد زوجته وأجلسها بجواره وتكلم بجدية وحزم:
-نركز شويه في الشغل بدل الهزار ولعب العيال ده.
أومأ ساجد بينما تذمر اﻵخر:
-هو ليك حلال ولينا حرام؟ على الأقل إحنا بنهزر مش قاعدين نحب في بعض قدام الناس كده عيني عينك؟
أمسك فارس بفتاحة الأوراق والقى بها تجاهه وهو يصيح:
-الله أكبر من عنيك يا أخي.
عادت الجلسة لجديتها بعد أن هتفت ياسمين موضحة:
-طيب بس قولولي الفكره دي ممكن تنفذوها ولا لا؟
رد مازن على الفور:
-ممكن، بس حتى لو عملناها عمرنا ما هنقدر نرجع المصنع؛
لأن وقتها مش هيكون في سيوله كافيه لده.
واضاف ساجد:
-ده غير المبلغ اللي طالبينه المنظمه الزفت دي من فارس عشان يديونا اﻷمان، وبعد اختفاء ولاد عمي مروان الوضع مبقاش يطمن.
تنهدت وأخرجت زفيرا بحدة وقالت:
-طيب اسمعوني للآخر من غير مقاطعه.
نظر لها ثلاثتهم فأطنبت بحديثها تشرح فكرتها باستفاضة:
-زي ما قولت الخسارة جايه جايه، والذكاء إننا لما نلاقي خسارة اكيده نختار الحاجه اللي هنخسرها، خسارتنا للمصنع اكيد هتقضي على الشركه ومش هتقوم لها قومه، حتى لو فارس ضم المجموعتين كمحاوله لانقاذها في النهاية الجزء الخسران هيجر معاه الكسبان وينزلوا سوا، عشان كده لازم نختار خسارتنا.
لم تجد رد منهم بل وجدتهم منصتون لها باهتمام وجدية فأكملت:
-فارس بالعالميه خسران وبدخول الفهد للمساعدة خسران، فليه منستغلش خسارته للمكسب؟
حتى الآن لم تتضح الصورة لأي منهم؛ فانتظروا بصبر أن تكمل رسم معالم الفكرة الواضحة أمامهم ولكنهم لا يرونها:
-كل مشكلة العالمية دلوقتي تتلخص في 3 حاجات وهم طلبات التصدير اللي عليها شروط جزائية، وبنا المصنع من جديد، واخيرا رواتب الموظفين لحد ما المصنع يرجع يشتغل ومعاهم التعويضات للضحايا وطبعاً كل ده محتاج سيوله مش متوفرة حاليا.
أوما فارس معقبا:
-ده عشان كل الورثه بياخدوا ارباحهم كل سنه من غير ما يفكروا يستثمروا أو يشيلوا قرش للزمن.
وافقته الرأي وهمت باخبارهم بخلاصة فكرتها:
-وعشان كده انا فكرتني هتخليك أنت تخسر اكتر واحد مع اﻷسف، بس على اﻷقل الشركتين هيفضلوا واقفين على رجليهم.
أوما لها منتظرا أن تتحدث فقالت:
-هنحل كل مشكلة بالهدوء لأن لهفتكم لحل كل حاجه خلتكم متفكروش صح وضيعتوا شهر بحاله من غير انجاز، أولا طلبات التصدير.
نظر لها ساجد وامسك براحتيه أوراق تلك الطلبات واستمع لها تقول:
-هنلم كل البضاعه اللي في السوق سواء كانت في مراكز البيع بتاعتنا أو لو كانت عند التجار بالآجل.
قاطعها مازن متسائلا:
-لو بتفكري تطلعيهم للتصدير؛ فاحب اقولك إن خط إنتاج المحلي حاجه والتصدير له مواصفات….
قاطعته مبتسمة وقالت:
-طبعا أنا عارفه إن المحلي غير المستورد، بس لما نلم منتج العالمية من السوق سعره هيعلى و…
رفض فارس على الفور بحدة:
-أنا مش هعطش السوق عشان…
قاطعته موضحة:
-الكل لازم يخسر يا فارس، وتفكيرك المثالي ده هيوقعنا كلنا، السوق لما يحتاج منتج العالمية هيروح لأقرب منتج شبيه وهو الفهد وفي النهاية كله هيصب في مصلحتنا، ولما المشتري يلاقي إن سعر منتج العالمية بنفس سعر الفهد برغم إن الفهد أعلى وأغلى؛ فاﻷكيد انه هيفاضل ويشتري الفهد.
سألها ساجد بحيرة:
-وكل البضاعة بتاعة العالمية دي هنوديها فين بس وهي متنفعش تصدير؟
ضحكت وقالت:
-مين قال متنفعش؟ كل الدول اللي تقبل بالمواصفات المحليه مع تخفيض بالسعر هنبعت لهم.
قاطعها مازن:
-واللي مش هيوافق؟
ردت فورا دون تفكير:
-هنبعت له منتج تصدير.
صاح مازن يتسائل بحيرة:
-منين بس يا عالم؟
أجابته بتساؤل:
-هو في كام خط انتاج تصدير في الفهد واقف؟
فهم فارس ما تحاول قوله ولكنه استمع لاجابة مازن المتسرعة:
_مفيش ولا خط واقف، ولا ينفع نتنازل على ولا خط، عشان كده الفهد كمان هتتاخر في تسليم طلبات التصدير.
هنا قاطعه فارس مؤكدا:
-الفهد عندها احتياطي يوفي طلبات السنه، مش محتاج غير تغيير الرقم الكودي، وخط واحد لو خصصناه للعالميه مش هيخلينا نتاخر بالشكل اللي انت متصوره.
نظر لزوجته وابتسم قائلاً بحب:
-دي فكره هايله وذكيه، كانت رايحه عن بالي فين؟
ابتسمت وربتت على وجهه بحب:
-انت ملخوم في ميت حاجه ربنا يكون في عونك.
ضحك مازن وعقب:
-لا وانتي الصادقه هو أنتي بس شربتي منه الذكاء والدهاء وتفوق التلميذ على اﻻستاذ.
ضحكوا جميعاً واستمعوا لها تكمل حديثها وتوضيحها لمخططها الذي ربما ينجح:
-المهم دلوقتي إننا هنحاول نتفاوض مع المستوردين ومعاهم كمان هنظبط خط انتاج للعالميه جوه قلب مصانع الفهد، وفي نقطه تايهه عنكم هي دي أساس الشغل اللي جاي.
نظروا لها باعجاب من طريقتها المتمكنة بشرح فكرتها:
-انا أول حاجه قولتها إن خسارة فارس هتكون اﻻكبر من كذا جانب بس إن شاء الله لو الفكرة دي نجحت لازم العالمية تعوضه كل الخساير دي.
أومأ ساجد مبتسما وعقب عليها مازحا:
-لما تنجح هخلي عيلة الفهد تكتبله تنازل عن كل حاجه، بس تنجح اﻷول.
ابتسمت واستطردت:
-طيب الحاجه المهمه اللي نسيتوها هي التوكلات اللي بره سواء للفهد أو للعالمية، السوق اﻷوربي كله تقريبا مواصفاته واحده ونقدر نلم كل الأجهزة من مراكز البيع أو التوكيلات دي ونكمل بيها كمان طلبات التصدير، ومظنش ان المستوردين هيزعلوا لو لقوا إن بضاعتهم اتبدلت لمنتجات الفهد اللي أعلى في الجوده وهتكون بنفس السعر.
تدخل مازن بالحديث قائلا:
-أنتي كده بتخلي كل غطا العالمية من الفهد يا ياسمين!
أومأت وأكدت:
-كده أحسن ما يكون غطا العالميه من البنك، لما العالمية تقترض أو تداين للفهد أفضل بكتير ما تكون مديونه للبنك، وبالنهاية أنا لسه بأكد إن خسارة فارس كبيرة في الفكرة دي، بس دي الفكرة الوحيده اللي ممكن تنقذ الشركتين.
سألها ساجد بحيرة:
-طيب والعمال والتعويضات والرواتب؟
أجابته وهي تنظر لزوجها بشبه تأكد لرفضه ما هي مقبلة على طرحه:
-زي ما قولت الكل هيطلع خسران، عشان كده لازم هيكون في تسريح عماله.
وجدت إعتراضه المتوقع فتحدثت قبل أن يتكلم هاتفة:
-اسمعني يا حبيبي، أصلا التسريح بالمعنى المعروف ده هيكون خراب على الكل لأن الشركه ساعتها لازم تدفع مستحقات العمال، عشان كده إحنا هنعمل فكره كويسه جدا هتقلل خساير الموضوع ده كمان.
انتظرها أن تكمل حديثها فقالت:
-الفهد دايما عايزه توظيف وعماله لأنها في توسع دايما وورادي ، عشان كده فكرتي أننا نشغل العمال على ورادي ونقلل عدد الساعات في كل الورادي ونقلل معاها الحوافز شوية، منه هنوفر مرتبات ومنه اﻻنتاج هيزيد…
ليعقب عليها مازن:
-ومنه المكن يتهلك.
عقب فارس على حديثه:
-خطوط اﻻنتاج تتقسم بفترات راحه عشان المكن، دي محلوله مش دي قضيتي دلوقتي.
سألته بحيرة:
-أومال ايه؟
أجابها وهو يزفر انفاسه بضيق:
-كده انا هاجي على موظفين الفهد عشان عمال العالميه، وغير كده في أكيد ناس مش هيكون لها مكان هنعمل فيهم ايه؟
ردت فورا:
-هنخيرهم يروحوا يدورا على شغل بشكل مؤقت على وعد برجوعهم أول ما المصنع يتبني من تاني وساعتها مش هياخدوا مستحقاتهم.




