
الفصل الخامس عشر #روضتنى2 #أسماء_المصري #زعيمة_ما.فيا_الروايات جالسا على المقعد الغير مريح بالمشفى مطرقا رأسه وكل فينة وأخرى يقف ويقترب منها لتفقدها إن ما كانت بخير أم لا فيعود ليجلس مجددا على نفس المقعد مسندا رأسه على ساعديه يحمل هموم الدنيا فوق رأسه. طرقات خفيفة على الباب اتبعها دخول الممرضة التي بدأت بتفريغ كيس تحميل المخلفات وتظبيط المحلول الطبي المغذي لها فانتظرها حتى انتهت من عملها وسألها: -هي ممكن تفوق أمتى؟
أجابته وهي تهم بالخروج: -مش معروف للأسف، هي في غيبوبه والجلطه كمان أثرت عليها، ادعيلها. دمعت عينيه واقترب منها ينظر لملامحها الواهنة ووجهها النحيل، فكيف أصبحت بهذا الشكل بعد عدة أيام تعد على أصابع اليد الواحدة؟ مسح بيده على شعرها الأبيض وتمتم متأثرا لتلك التي كانت بيوم من الأيام تقف لترعي عائلة بأكملها وتمتم بحزن: -هتفوقي امتى يا ماما؟ انا تعبان اوي ومحتاجك. قبلها من أعلى رأسها وابتعد عندما دلف أخيه يربت عليه:
-فوق كده يا مالك، مش معقول اللي أنت فيه ده، فوق وروح شغلك انت من يوم اللي حصل مروحتش الشغل. وقف أمامه ينظر له بحزن وسأله: -متعرفش التحقيق وصل لأيه؟ أجابه مقوسا فمه: -هيتقيد ضد مجهول لو أنس قال نفس الكلام اللي قولناه، الظابط صاحبك كان مستنيه يتحسن شويه عشان يعرف ياخد أقواله فلو أنكر أنه يعرف أو شاف حاجه الموضوع هيتقفل، أنا مش عارف ازاي الشارع والجيران كلهم شهدوا بنفس الكلام كأن حد ملقنهم؟
ابتسم بسخرية وهو يعقب: -هيكون مين غيره، فارس الفهد. لم يهتم الآخر بتذمره من فعلة فارس ولكنه أضاف: -حتى لو هو ، كده كده احنا كلنا عايزين الموضوع ينام وزي ما أنكرنا معرفتنا بحاجه الناس كلها انكرت اللي حصل. جلسا فسأله مالك بحيرة: -نتيجة تحليل الdna طلعت ولا لسه؟ أومأ وهو يخرجها من جيبه: -ابنه يا مالك، الست مكذبتش. ترقرقت عينيه بالعبرات ونظر لأخيه بانكسار وهو يبكي: -يعني نرمين معاها حق! أخويا فعلا كان بيتحـ,ـرش بيها وعايز يغتـ,ـصبها وهي لسه مراتي وعلى ذمتي، معقول في أخ يعري عرض اخوه بالشكل ده؟
لم يعقب أخيه على حديثه بل تركه يخرج ما بداخله: -أنا ازاي كنت اعمى كده! نرمين حاولت أكتر من مره توصلي اللي بيحصل وانا كنت عامل ودن من طين وودن من عجين. التفت ينظر له وسأله: -أنت مراتك انكرت أنه قرب لها؟ أومأ وهو يوضح: -طلعت عارفه كل بلاويه وساكته عشان كانت عارفه رد فعلنا هيكون ايه، وهو مقربلهاش مش عشان هي مراتي ده مقربلهاش عشان أكيد مش عجباه، الكارثه لو امك كانت عارفه وبتداري عليه ساعتها مش عارف هنبص في وش بعض بعد كده ازاي!
رمى نظرة خاطفة على والدته الراقدة على سريرها الطبي وعاد يعقب على حديث أخيه: -لو قام منها وهي بقت كويسه هتتحط في اختيار ما بين كل ولادها وما بينه. وقف مالك متجها للخارج فسأله الآخر: -رايح فين؟ أجابه وغصة البكاء عالقة بحلقه: -هنزل اتمشى شويه. خرج من غرفة والدته ولكنه حول مساره صوب غرفة أنس ودلف فلم يجد أحدا يرافقه، فحتى تلك اللحظة ابتعدت اخواته البنات عن الساحة تماما بأمر من ازواجهن بعد تلك الفضيحة، بل علم أنهم تركوا منزل العائلة وذهبت كل واحدة لمنزل الزوجية الذي ربما لم تمكث أي منهم به بسبب أوامر والدتهم بالبقاء سويا بمنزل العائلة.
وقف أمامه ونظر لوجهه المهشم وتحدث وهو صارا على أسنانه: -أصحى يا أنس وكلمني. فتح المعني عينه وهو لا يستطيع التحدث ولكن نظراته كانت كافية ليفهمها مالك: -زعلان على نفسك واللي حصلك مش كده؟ أومأ وامتعض وجه مالك وسأله: -عايز تشوف نفسك؟ وافقه بحركة من رأسه ففتح الأول هاتفه المحمول على نظام التصوير ووضع شاشته أمام وجه أخيه فنظر أنس لحالته ولم يستطع إظهار حتى ملامح الحزن بسبب تهشم وجهه بالكامل فلم يعد يستطيع إظهار أي تعبيرات حزن أو فرح.
سحب مالك مقعدا ووضعه بجوار سريره الطبي وجلس يتنهد بعمق وهو يخبره: -احنا عملنا تحليل اثبات نسب للولد ابن مرات صاحبك، الولد طلع ابنك وهنعترف بيه يا أنس. رمش أنس بعينه وجاهد ليتحدث فخرج صوته ضعيف ومبحوح وغير واضح: -مش ابني. بعد أن ردد عبارته تلك عدة مرات وفهمها مالك أخرج الأخير من جيبه ورقة التحليل ووضعها أمام أنفه:
-والتحليل ده نعمل فيه ايه؟ نرميه ولا نرمي لحمنا يا أنس، أنت غلطت في حق نفسك وحق صاحبك وحقها هي كمان بس انا مش هاممني لا انت ولا هي، كل اللي فارق معايا فعلا هو الراجل اللي آمن لك فخونت امانته والطفل اللي حته منك ومش عايز تعترف بيه. لم يمهله الفرصة للرد لتعثره بالحديث فأضاف: -ونرمين! نرمين كانت مراتي واللي انت عملته معاها ده يتحط تحت بند ايه فهمني؟
نفى مجددا بصعوبة بالغة: -محصلش، كدب وكمين. جعد مالك حاجبيه وصر على أسنانه وهو يهدر به: -كدب؟ كمين؟ لسه هتكدب وتضحك علينا بالمثالية الفارغه بتاعتك؟! اقترب منه وانحنى يسأله باكيا: -قولي ليه عملت كده؟ انا هموت من كتر التفكير. ظل ينظر له وهو يبكي فتحدث أنس أخيرا: -أنا حبيتها غصب عني، سامحني. تجعدت ملامحه وسأله بانهيار: -حبيت مرات أخوك؟ أكد حديثه: -طول ما كانت مراتك مقربتش منها، أنا قربت بعد انفصالكم.
رمش بعينيه وحاول تمالك غضبه: -هعمل نفسي مصدقك، بس قولي الحقيقة. رمقه بنظرة حزينة وسأله: -لما طلبت الطلاق وراحت لأهلها أنت قولتلي اطلبها في بيت الطاعه وأنا عملت كده، كان هدفك ايه من التصرف ده؟ ما كنت سبتنا نتطلق طالما حبيتها على الأقل تبقى مبتخونش اخوك. ابتلع ريقه وتوتر ورد بنفس الصوت الضعيف: -خوفت مشوفهاش تاني، سامحني يا مالك المشاعر دي مش بايد البني آدم.
هز رأسه موافقا على حديثه وتركه وهو يبكي حتى خرج خارج المشفى ووقف يستنشق الهواء البارد بقوة وأخرج هاتفه واتصل بها، بنفس التوقيت كانت هي تجلس بغرفتها تحاول الوصول لتوأم روحها وابنة عمها فهاتفت حنان من جديد التي ردت بدورها: -متقلقيش يا بنتي هم كويسين بس تليفون ياسمين وقع منها. كذبت تلك الكذبة حتى لا تقلق عليها أكثر فتكلمت الأخرى بلهفة واضحة: -طيب ما تديهالي اكلمها. ارتبكت حنان ورفضت مفسرة:
-يا بنتي دول طلعوا الجناح بتاعهم من بدري وناموا، الصباح رباح يا نرمين. جاءها ذلك الاتصال وهي لا تزال تتحدث مع حنان فنظرت لرقم المتصل وجعدت جبينها متسائلة بداخل نفسها: -ده عايز ايه ده كمان؟ أضطرت لأنهاء المكالمة مع حنان بلباقة: -خلاص يا داده معلش لو صحيتك انا عارفه بتنامي بدري، بس لما ياسمين تصحى خليها تكلمني ضروري. وافقتها وأغلقت معها ولكنه عاد بمهاتفتها فقادها فضولها لتجيب لعل هناك أمرا بخصوص التحقيقات قد تعرفه منه:
-أفندم. استمعت لصوت نحنته وبكاءه ولكنها حقا لن تهتم فقالت بجمود: -خير! رد وهو فاقدا لكل معالم الحياة: -انا محتاجك. تجعدت ملامحها لتشعر بالتقزز وهي تجيبه: -أنا ميشرفنيش اعرف واحد زيك، الموضوع خلص بينا يا مالك وكفايه اللي حصل لحد كده. بكى وانتحب وهو يعتذر لها: -أنا آسف، آسف عشان مصدقتش إن أخويا اللي مربيني بيخوني وبيكشف عرضي، آسف أني كنت اعمى ووثقت في لحمي ودمي على حسابك بس أنا محتاجك اوي يا نرمين متتخليش عني.
فتحت النافذة ووقفت أمامها فلفحها الهواء البارد، ولكنها شعرت بالراحة لمجرد شعورها بأنها لا زالت تتنفس وردت بألم: -أنت مش متخيل انا عيشت معاك ازاي الفترة دي، صدقني يا ملك قصتنا انتهت وعمري ما هقدر لا أغفر ولا أنسى، مستحيييل. ابتلعت ريقها وأضافت: -حاول انت تنسى وتكمل حياتك، ابعد عني يا مالك ودي آخر مره هنتكلم فيها مع بعض. صاح وهو يشعر بالتخبط والحزن: -ايه اللي ممكن اعلمه عشان تسامحيني؟
ردت وهي تتنهد بفروغ صبر: -ولا حاجه، مفيش حاجه تقدر تعملها صدقني، انساني يا مالك وابعد بقى. جحظت عينه وهو يصيح بها: -انت محبتنيش أصلا، لأنك لو حبتيني كنتي سامحتي بس غلطتي إني دخلت العلاقة دي من الأساس وأنا عارف انك لسه جواكي مشاعر لمازن الفهد.


