
الفصل الثاني والعشرون بعد ذلك اليوم الذى انتهى بتوديع العروسان اجتمعت العائلة من جديد، ولكن تلك المرة بمنزل مراد للاحتفال بمرور اسبوعا من زواجهما بتلك العادة المصرية القديمة، ولحسن الحظ لم يحضر أخوات فريدة من الرجال، فقط والدتها من حضرت كتقليد أن ذلك الاحتفال هو للسيدات في أغلب الأحيان.
دلف مدحت بعد أن فتح مراد له الباب فتفاجئ به ماهر الذي وقف يرحب به ويسأله:
-أنت الجيش بتاعك نقل في الشارع اللي ورا ولا ايه؟
أجابه مبتسما له بسماجة:
-لأ وأنت الصادق أنا كنت محوش أجازاتي عشان فرح مراد.
جلس الجميع بالبهو، السيدات بجانب يتسامرن والرجال بالجانب الآخر يتحدثون عن الأعمال والصفقة التي ربحها ماهر بحنكته الفذة وبمساعدة أخيه مروان الذي سهل له التواصل مع العالم الخارجي مما وسع دائرة معارفه أكثر وأكثر،
ولكن لا زال حمد يقع بنفس الخطأ الذي ربما وقع به سابقا عندما نسب تعب ومجهود ماهر لكل العائلة، وها هو يجدد خطؤه من جديد وتلك المرة بنسب مجهود مروان لماهر فقط:
-طبعا لولا ماهر والاختراع بتاعة مكناش ابدا وصلنا للاحنا فيه دلوقتي وبقينا الحمد لله قادرين نصنع شغلنا هنا في بلدنا، وعقبال ما نبطل نستورد المواد الخام وتبقى كلها صناعة محلية.
رد مروان بحنق:
-ودوري في الصفقة دي ملوش قيمة؟
رد حمد بعدم اكتراث:
-الشغل الحلو مش محتاج اكتر من فرصة عشان يوصل للي وصلناله، يعني دورك مينفعش يغطي على دور ماهر في الحكاية دي خصوصا أنه بقى له نسبة اسهم في المصنع بدل دوخة البنك والقروض اللي كنت عايز تورطنا فيها، يعني بعد عمر طويل ليا انتو هتورثوا في الشركة وجزء من المصنع مش كله.
التفتت رأس مروان ينظر لماهر بغضب وكره وحاول الأخير أن يصحح ما أفسده والده فهو أعلم الناس بداخل كل فرد من عائلته، وربما ﻷنه هو نفسه عاصر تلك الأحاسيس بالتمييز فعلم ما قد يشعر به الطرف الآخر:
-بالرغم من إن المشروع فعلا هو الأساس بس لا بالتمويل من عمي فارس ولا بذكائي وبراءة الأختراع كان هيوصل لمكانه كويسه إلا لما يتعرف بره مصر، والمشروع اتعرف بره بفضل مروان يا بابا ده بعد فضل ربنا طبعا.
في تلك الأثناء جلس مدحت متفرجا لا يحاول التدخل بشأن العمل فهو لا يعلم الكثير من تلك الأعمال سوى ما يسمعه من أبيه وأخويه المنوطين بمراقبة الأوضاع بالشركة وهو ما عليه سوى مد راحته ليستفيد ماديا مما تعب به أخويه.
تحرك بخطوات بطيئة وحذرة صوب جمع النساء وغمز بطرف عينه لزوجة أخيه لتلحق به بالشرفة ففعلت ووقفت تتحدث معه هامسة:
-عايز ايه يا مدحت؟ بلاش تعمل لي مشاكل الله يخليك.
لمعت عينه بالحزن وهو يسألها:
-معقول يا فريدة للدرجة دي احساسي مش فارق معاكي!
ردت وهي تتلفت وراءها:
-أنا خايفه من رد فعل ماهر و…
قاطعها ممسكا براحتها وضغط عليها بتسول:
-بلاش تجيبي سيرته وأنتي معايا يا فريدة أنا مش قادر.
ارتبكت ولكنها ارتدت قناع القوة:
-مش أنت السبب؟ قالك خدها وأهرب وأنت خوفت.
رمقها بنظرات متعجبة وهو يعقب:
-وأنتي رفضتي الاقتراح ده برده، خوفتي من أبوكي وأخواتك وجايه تحمليني الذنب كله لوحدي؟ أنا بمــ,,ـــــوت كل يوم ميت مره وأنا عارف إن بيتقفل عليكم باب واحد حتى لو ملمسكيش أو بينام في أوضه تانيه، بس فكرة أنكم مع بعض لوحدكم ده بيمــ,,ـــــوتني.
أطرقت رأسها تشعر بالخجل والتخوف من أن يكتشف أمرها وهو يعتقد أنها لا زالت كما هي ولم ينتهي حديثهما إلا بعد أن اقتربت دينا مبتسمة تقدم له مشروبا باردا وهي تسحبها من يدها:
-اتفضل يا مدحت العصير.
تحركت بفريدة بعيدا عن أنظاره وهمت بالحديث معها تحذرها:
-بلاش كده يا فريدة، ماهر شايفك من الصالون وقاعد على نــ,,ـــــار.
بكت وهي تشعر برأسها وقد قاربت على الأنفجار وارتعدت عندما وجدته يقترب منها رويدا رويدا وابتسم لزوجة أخيه:
-معلش يا دينا ممكن تجبيلي طفايه للسجاير.
أومأت وتحركت مبتعدة عنهما فالتفت ماهر ومسكها من ذراعها بقوة آلمتها وهو يصر على أسنانه:
-وأخرتها؟! أنا بعد اللي حصل بينا أظن خلاص بقيتي مراتي رسمي ومينفعش تعملي كده فدي آخر فرصة بديهالك لو عيزاني تمسحي مدحت تماما من راسك، ولو عيزاه أنا مش هقرب منك مرة تانيه لحد ما يحصل الطلاق.
ابتلعت ريقها وهي تسأله بوقاحة وكأنه من تسبب بذلك الفعل بمفرده:
-وهقوله ايه لما يعرف باللي حصل؟
ابتسم بزاوية فمه وهو يعض داخل خده غاضبا من سؤالها :
-ابقى قوليله اني ا.بتك، هاتيها فيا فريدة لو ده هيريحك.
شعرت أنها تمادت قليلا وهو لم يخطئ بحقها منذ أن كانا طفلين؛ فاقتربت منه تضع يدها على وجنته وهي تبتسم معتذرة:
-أنا مش قصدي، أنا بجد مشتته ومش عارفه أنا عامله كده ليه.
رد وهو يضع راحته على كفها الملتصق بوجهه وتكلم بصوت هامس:
-قولتلك إن الحب بالعشرة والاهتمام والمعاملة الطيبة، واللي أنتي حساه ناحية مدحت ده لعب عيال، أنا اللي جوزك.
انحنى ليقبلها فتنحنحت دينا التي دلفت للتو تحمل بيدها مطفأة السجائر الخزفية وهي تحمحم:
-آسفه يا جماعه.
ابتسمت ووضعت ما بيدها على المنطدة وخرجت؛




