
فنظر ماهر في إثرها ليتفاجئ بمدحت واقفا يراقب ما يحدث وهو ينظر له بذهول ودهشة جعلته يتسمر مكانه.
نهجت فريدة بأنفاسها وهي ترى الشرر يندلع من عينيه وحاولت التحدث معه ولكن أوقفتها يد ماهر عن التقدم فاقترب هو منهما وسأله:
-هو أنت كنت مقرب منها كده ليه ممكن أفهم؟
رد وهو يتصنع الجمود:
-مراتي يا مدحت.
ابتلع ريقه بمرارة علقت بحلقه وسأله:
-مراتك إزاي؟ هو مش في بينا اتفاق ولا خلفته؟
لم يعقب عليه بل نظر لها وكأنه ينتظر أن تجيبه هي فلم تتحدث واختارت أن تفقد وعيها ربما هربا من تلك المواجهة التي لا تعلم نتائجها الوخيمة.
صرخ مدحت بأسمها هلعا:
-فريييدة.
انحنى ماهر على الفور يحاول إفاقتها وسط تجمع العائلة حولهما فاستمع لصوت مراد:
-هاتها على السر,,ـــــير يا ماهر.
حملها وتوجة ناحية غرفة أخيه ووضعها على الفراش فاقتربت دينا تحاول أن تسعفها وطلبت إخلاء الغرفة ففعل الجميع، فور أن خرجوا أمسك مدحت أخاه الأكبر من تلابيبه وهو غير عابئا بأحد:
-فهمني ايه اللي بيحصل أحسن أنا خلاص مش باقي على حد.
سحبه والده بعيدا عن عنق أخيه وهو يتسائل:
-ايه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
رد مدحت وهو يرمق ماهر بغيظ وحقد:
-البيه أخويا عارف ايه اللي بيحصل، أنا اللي عامل زي الأطرش في الزفة و…
قطع حديثه خروج دينا مبتسمة وهي تنظر لماهر تطمئنه:
-الحمد لله فاقت.
اقترب منها بلهفة وسألها:
-مالها؟ عندها ايه؟
اتسعت بسمتها وهي تجيبه:
-بص أنا مش متأكده، بس غالبا كده مبروك.
لم يستعب حدثها فحرك رأسه بفضول وهي تتابع:
-أظن أنها حامل.
اتسعت حدقتي ماهر وابتسم رغما عنه وهو يقترب منها بلهفة ويسألها:
-بتتكلمي بجد يا دينا؟
أومأت وهي توضح ولا زالت ابتسامتها تتسع ﻷذنيها:
-أنا لو عليا عايزة أبعت أجيب تحليل دلوقتي ونتأكد بس خلينا بكره الصبح نعمل التحليل أحسن عشان يبان مظبوط.
وقبل أن تضيف أي حوار آخر صرخ مدحت وهو يسب أخيه بأبشع الألفاظ ويتهجم عليه لولا مروان الذي حال بينهما وأبعده عن طريقه يهمس له:
-بطل جنان، تعالى معايا.
ظل يصرخ وهو يقاد بواسطة مروان:
-يا ندل، هو ده وعدك ليا يا حيوان؟ أنا من انهاردة مليش أخ اسمه ماهر.
سحبه مروان وغادرا وأدخله سيارته وهو يدفعه دفعا:
-يا بني هديت حيلي أركب بقى.
جلس على المقعد وأطرق رأسه يبكي بقهر:
-خلف وعده معايا يا مروان، أكيد ضحك عليها و…
قاطعه مروان وهو يصر على أسنانه:
-ده بني آدم غبي وطول عمره بيمثل أنه كويس عشان يكسب تعاطف اللي حواليه، وأبوك مساعده على كده وفريدة دي هي كمان خاينه ومتستاهلش ولا دمعه منك.
رفع وجهه ناظرا له وهو يرفض اهانتها:
-لا يا مروان، أنا متأكد إن الحكاية فيها إن ﻷنها مستحيل تبعني بالشكل ده.
ضحك مروان على سذاجته وهو يوضح وجهة نظره:
-يعني يا مدحت لو حطينا قدام فريدة كفة فيها أنت شاب لسه فـ الجيش ولا معاه فلوس وله مستقبل والكفه التانيه فيها ماهر بفلوسه اللي عماله تزيد من غير حساب وحط عليهم موافقة العيلتين عليه فهتختار مين تقدر تقولي؟
زاد بكائه وهو يوبخ نفسه:
-قالي خدها وأهرب وأنا أساعدكم، ايه اللي خلاه عمل كده بس؟
رد الآخر وهو يضحك على سذاجته:
-والله أنت عيل أهبل، في كل الأحوال هو المستفاد يا اهبل، لو هربت فأبوك يغضب عليك ويستفاد هو ولو مهربتش يتجوز حبيبته اللي طول عمره عايزها.
رمقه بنظرة متعجبة لما تفوه به والآخر يضيف:
-ما أنت أصلك أهبل ومش واخد بالك، ماهر بيحب فريدة طول عمره وأنت يا غلبان كنت عامله المرسال بتاعك.
احتدت تعابيره وهو يستمع لصوت الزغاريد التي خرجت من منزل أخيه الأوسط ليعلم أن خبر حملها قد تأكد؛ فرفع رأسه ينظر من نافذة السيارة ليراها تقف بنافذة الغرفة تبكي وهي تودعه بنظراتها المهمومة.
❈-❈-❈
مرت السنوات ابتعد فيها مدحت تماما عن التجمعات العائلية حتى لا يتقابل معها، ولكنه تقرب من والده بنصائح من أخيه الداهية مروان الذي نصحه بمحاولة استمالة والده له فوافق الأخير على تعيينه كمدير للمصنع الذي تم انشاؤه لتصنيع الأجهزة المنزلية.
أما هي فقد فقدت والدها بعد أن وضعت مولودها بعدة أشهر وقبل أن يتم الصغير عامه الأول فقدت أخيها الأصغر بدــ,,ـــــادث مروع أسفر عن مــ,,ـــــوته برفقة والدتها وهما متوجهان لمسقط رأسهما بالصعيد لزيارة قبــ,,ـــــر والدها؛ فأصبحت هي يتمية دون أبوين.
وبنفس الوقت اشتد المرض بحمد الفهد وظل يصارع المرض لسنوات وهو طريح الفراش فاستلم ماهر زمام العائلة والأعمال متحكما بكل كبيرة وصغيرة وأصبح يتدخل بكل شيئ مما أثار حنق أخويه بشدة وذرع الكره بداخلهما.
قررت اليوم وأخيرا أن تفاتحه بذلك الموضوع المؤجل بعد أن مر وقت لا بأس به من وفاه والدها، ولكن لا زالت مترددة من إخباره بقرارها فهو حتى تلك اللحظة لم ينقصها شيئا بل والأكثر أن تعامله معها بغاية الحب والرومانسية مما جعلها تبدو غير سعيدة بقرارها هذا، ولكنها قد فاض بها الكيل وأصبحت تمقت حياتها الممزعة بين قلبها الذي يعشــ,,ـــــق مدحت وبين عقلها الذي يختار ماهر الناجح بعمله وحياته وبين جسدها الذي يستسلم للأخير دون قيد او شرط أو حتى إدارك لما يحدث له بتلك اللحظات المسروقة على فراش الزوجية.
دلف مبتسما وأنحنى يقبل وجنتها وهو يهتف بسعادة:



