
-الاستاذ أحمد مكانش لوحده يا باشا، كان معاه الأستاذ محمود والد شيرين هانم.
نهج فارس بعصبية واصكاك أسنانه أصبح عاليا وتكلم وهو مطبقا على أسنانه:
-الزفته اللي مسافره مع زين ترجع مصر بمجرد ما تخلص مهمتها، مفهوم؟
انحنى له باحترام فأمره بحركة من رأسه:
-استعجل العيله عشان العزا.
لم ينتظر كثيرا وتوجه لسيارته ليقودها بنفسه متوجها لمكان إقامة سرادق العزاء وجلس بالمقدمة لاستقبال الحضور وحوله رجال عائلته وحرسه الخاص، وكان العزاء مزدحما بالصحافة ورجال الأعمال والشخصيات العامة الذين جاءوا لتعزيته ولوضع أيديهم على سبق صحفي أو منفعة قد يخرجوا منها بعد تأديتهم لواجب العزاء.
❈-❈-❈
دلفوا تباعا بلهفة فاستقبلهم مراد وهو متخوفا من ردة فعل ابن اخيه إن ما علم أنه خالف تعليماته وأوامره الصارمة فنظر لنرمين مستنكرا:
-أنا قولتلك أنتي بس يا بنتي بدل ما فارس يوصل له انكم جيتوا.
أضاف بتأكيد وهو ممتعضا:
-وهيوصله.
جمعت راحتيها معا تتوسله:
-معلش يا دكتور والله مش هنتأخر جوه معاها، جدي وبابا بس يطنموا عليها وهيمشوا على طول.
نظر للبقية المتملثين بوالدتها واخيها وزوجته وعمتها وابنائها فحك رأسه وهو يخرج تنهيدة مستسلمة:
-الأمر لله، ادخلو اتنين اتنين ومتطولوش كده كده هي لسه مفاقتش.
بالفعل دخلت عائلتها تباعا حتى لم يتبق سوى نرمين وجدها دخلوا بالأخير وفور أن وقعت عين جدها على شحوب وجهها بكي وخارت قواه ولم تستطع عصاه أن تتحمل ثقل جسده وضعف قدميه فاختل توازنه ولحقت به نرمين تسنده:
-جدو.
لهفتها عليه جعلته يتدارك نفسه ووقف منتصبا يجبر نفسه على تلك الوضعية التي آلمته كثيرا فقط حتى لا تقلق حفيدته عليه ويكهل عاتقها بألم مضاعف لما تشعر به الآن.
مسح على وجه ياسمين بيده المجعدة وتحدث بصوته الحزين:
-حبيبتي يا بنتي، ربنا يشفيكي يارب.
اقتربت نرمين منها وقبلتها من وجنتها ولم تتمالك نفسها من منظرها ونحافتها التي زادت عن الحد واسمرار ما تحت جفنيها فتمتمت باكية:
-كده يا سو؟ أهون عليكي تعملي فيا كده؟ فوقي عشان خاطري.
وجدت جدها يتجه للجلوس على أحد المقاعد فنبهته:
-مش هينفع نفضل هنا يا جدو عشان فارس ممكن يرجع في اي وقت.
أومأ لها هامسا:
-هصلي العشا وادعيلها يا بنتي قبل ما امشي.
وافقته فرفع راحتيه مواجها القِبلة هاتفا:
-الله أكبر.
استندت بجوار توأمها الروحي تمسح وجهها بالمحارم المبللة وتمسح على شعرها المشعث وفعلت بالمثل لراحتها فشعرت بتحرك أناملها ببطئ فانتبهت لها ونظرت لعينيها فلم تجد أي حركة تذكر فظنت أنها تتخيل وعادت تمسح لها يدها الأخرى فضغطت ياسمين على راحتها التي تمسك بها فصرخت فورا بعد أن شعرت بها:
-ياسمين.
انتهى الجد من صلاته ووقف يستند على عصاه متحركا صوبها يسألها باهتمام وقلق:
-في ايه يا نرمين؟
أجابته وهي فرحة:
-حركت ايديها يا جدو، ياسمين اتحركت والله.
هرعت للخارج لتستدع مراد الذي ههرع بسرعة وتبعه عدد لا بأس به من الأطباء وظلت نرمين تقف بجوارها وهم يفحصوها فرمشت ياسمين عدة مرات عندما فتح مراد عينها وسلط ضوء كشافه على بؤبؤتها فأخبر الطاقم الطبي الواقف معه:
-بسرعة شيلو الخراطيم دي وقيسولي مؤشراتها.
~~~
ذهب الجميع وظل هو جالسا مكانه حتى اقترب منه يزن وجلس بجواره مربتا على كتفه:
-وحد الله.
رد بعد تنهيدة عميقة:
-لا إله إلا الله.
نظر له من بين حدقيته المحتقنتين فابتسم له يزن وهو يؤكد له:
-كل حاجه بتتولد صغيره وتكبر ما عدا الحزن بيتولد كبير وبيصغر مع الوقت، ربنا يصبرك.
بلل شفتيه وانحنى يرتشف ما تبقى من قهوته المرة فاقترب مازن بعد أن تلقى تلك المكالمة من والده ووقف أمامه مبتسما فتعجب فارس من منظره وسأله مندهشا من تعابيره فأجابه الآخر دون مماطلة:
-ياسمين فاقت.
نهض مسرعا وركض صوب سيارته ولكنه وجدها تصطف خلف عدد من السيارات التي ما زالت بموقع العزاء وحاوطه الكثير من رجال الصحافة يسألوه العديد من الأسئلة عن ملابسات الأمر فتحرك يزن سريعا ناحيته وسحبه بعيدا عنهم وأدخله سيارته وركب هو خلف المقود وقاد باتجاه المشفى وهو يبتسم له:
-حمد الله على سلامتها يا فارس.
كانا أول الواصلين للمشفى فتقابل مع عائلتها وهم يغادرون فتجهم وجهه ونظر لهم بحنق وكره وقبل أن يتفوه بأي كلمه أمسكه يزن من ذراعه هامسا له:
-مش وقته، اطمن على مراتك الأول.
ابتلع غضبه بداخله وأكمل صعود درجات المشفى مسرعا نحو غرفتها فتقابل مع جدها وابنة عمها عند مدخل الغرفة والجد سعيد وبسمته تتسع لأذنيه وهو يفتح له ذراعيه مطالبا بعناقه:
-الحمد لله يا بني ياسمين فاقت.
تجمد جسده عندما اقترب منه الجد وعانقه هكذا بدون مقدمات فابعده ببطئ دون أن دفعه ودلف للداخل فتحركت نرمين تسند جدها ليستريح بالمقاعد المتراصة أمام غرفتها وجلست بجواره وهي تعاتبه:
-ليه اتكلمت مع فارس يا جدو؟ افرض كان اتهور عليك وزقك زي ما عمل يوم قراية فاتحة دعاء وزين؟
ربت على فخذها:
-فارس كويس يا بنتي ومحترم وبيحبني واللي حصل منه وقتها كان لحظة غضب معاه فيها كل الحق ومحدش يقدر يغلطه.
دلف مازن بنفس اللحظة برفقة كل من ساجد وشيرين التي هرعت تحتضن توأمتها وتسألها بلهفة:
-بجد ياسمين فاقت؟



