
نهضت بهدوء لا يعكس التيه داخلها ، تسير جانبه قبل أن تتسع عيناها و هي تصيح ضاربة جبهتها بيدها قائلة
” كيف نسيتها ؟ ” ألتفت لها بعدما توقف عن السير و قال بأمل
” هل تذكرتي شيء ؟ ” قالت بحماس
“نعم مذكرتي التي أدون بها كل ما يحدث لي ، و اثقة أني لو قرأتها سأذكر كل شيء” قال بخيبة
“مذكرتك …كل هذا الحماس لأجل مذكرة ” وقفت امامه متوسطة خصرها بيدها تقول بحدة
“أتسخر مني ؟ و من اهمية مذكرتي ”
حرك يديه نافيًا ببسمة حاول منعها علي هيئتها الغاضبة
” لا ..أنا لا أسخر ولا شيء هيا لأوصلك لمذكرتك العزيزة” رفعت سبابتها أمامه محذرة و قالت
” أشم رائحة سخرية ” ضحك هذه المرة و مال نحوها هاتفًا
” هل أصبح للسخرية رائحة ” زمت شفتها بغيظ صائحة
“نووور ” علت ضحكته أكثر و مال نحوها محاولا الوصول لمستوي طولها
” لا داعي للوقوف علي أطراف أصابعك ، ها أنا ذا … لكن أتعلمي رؤية العالم من هذا المستوي عجيبة حقًا ”
رفعت أصبعها ثانية ملوحة به بغضب و قالت
” كيف تجرؤ ، أنت الطويل كعمود الأنارة ” قال بصدمة
” عمود أنارة ” أعتدل بوقفته و قال بجدية مصطنعة
” اولًا أنزلي أصبعك و هذا الأفضل لكِ كي لا تفقديه فهو بالكاد يُري ، ثانيا أنا أفعل ما أريد وقتما أريد ، …ثالثًا و هذا الأهم طولك هو العجيب و ليس أنا ، أنتي تقريبًا شبر و لأكون كريمًا معكِ و نصف ..شبر و نصف ”
أشارت لنفسها و قالت بحدة
” أنا ..انا شبر و نصف ” هز رأسه و قرص وجنتها قائلا
” نعم و هيا لتذهبي لمنزلك لتشربي الحليب ” أحمر وجهها غيظًا و قبضت يداها فألتقطها و قال و هو يفكها
” نسيت أن أخبرك لا تعانديني او تتحديني لأنك الخاسرة ” قرن قوله بغمزة و هو يتسلي بمداعبة كفها
و بالمساء طرق سيف غرفتها بهدوء ، ليدلف بعد بضع ثوان بعدما سمحت له بالدخول ، و أتسعت عيناه من ما رأي ..، مرر عيناه علي الفوضي التي عمت الغرفة و الأهم من هذا كله هو شقيقته الواقفة علي أحد المقاعد أمام الخزانة و تحاول جاهدة للوصل لما فوقها ، فقال بدهشة
” ما هذا ؟ …ما كل هذه الفوضي ، بل ماذا تفعلي فوق الخزانة ” ألتفتت له و قالت
” أبح…”
لم تتم عبارتها لأختلال توازنها المفاجيء أثر ألتواء قدمها لتسقط من فوق المقعد ، لولا أخيها الذي تلقفها قبل أن تسقط و قال و هو ينزلها علي الفراش بغضب
” ماذا تفعلي فوق الخزانة؟…و لما لم تطلبي المساعدة؟ ” ألتقطت أنفاسها و قالت
” أبحث عن دفتر مذكراتي ” قال مشدوهًا
” فوق الخزانة ” اومأت و هي تقول
” نعم …لقد فتشت الغرفة بأكملها و لم أجدها ، فبالتأكيد هي فوق الخزانة ”
و أستطردت مكملة
” سأصعد ثانية ، أكمل بحثي ” دفعها علي الفراش برفق و هو يقول
“أجلسي هنا …تصعدي لاين بالظبط ” ردت بتلقائية
” فوق الخزانة ” ضرب ذراعها بخفة و قال
” أخر معلوماتي أنك أنسانة و لستِ قردة لتصعدي فوق الخزانة ” لكزته في صدره و قالت بحدة
” قردة …انا قردة ” ضحك و قال
” لا يصعد فوق الحزانة سوي القرود يا عزيزتي ”
أنكمشت ملامحها قائلة
” أريد أن اجد دفتر مذكراتي ” ضحك علي طفولتها و قبل جبينها و قال
” بالطبع لن تجديه فوق الخزانة ” نظرت للغرفة حولها و قالت بيأس
” و ليس موجود بالغرفة أيضًا ” رد بهدوء
” ربما نسيتها بالقاهرة ” قالت بسرعة
” لا انا لا أذهب لمكان دون دفتر مذكراتي ” ربت كتفها و قال
” ستجدينها بالتاكيد لكن بالوقت المناسب ” أستوقفتها كلمته ، تري ماذا يقصد بالوقت المناسب ، همت أن تسأله عن قصده لولا صوته الذي قاطعها بقوله
” اتريدي مساعدة بشيء ؟ ”
ردت بهدوء
” لا ” مال يقبل راسها ثانية و قال
” حسنًا انا سأذهب الآن للمستشفي ، أتريدي شيء من الخارج .” أبتسمت بحنان و قالت
” لا شكرًا ” تنهدت بحرارة بعدما خرج و هي تنظر لغرفتها المقلوبة رأسًا علي عقب ، دون أن تدري من أين تبدأ….
مر ثلاثة أسابيع دون أحداث تذكر ، سوي أنها كانت تقابل نور يوميًا عند الغروب يتحدثا قليلًا و يقص عليها بعض الأشياء عن عملهما و عن صديقيه و عضوي الفريق نوح و ريان التي قابلتهم ثلاث مرات خلال تلك المدة ، لن تنكر أنها أرتاحت لهم و بدأت بالأعتياد عليهم لكنها لا تزال تشعر أن شيء ما ينقصها دون أن تدري كهنه ، وجدت عقلها تلقائيا يفكر بذلك الوافد الجديد ، و للأنصاف هو ليس جديداً لكن هذا ما أطلقته عليه ، شعور قلبها نحوه يزداد و معه يزداد العناد و الصلابة ، لقد وضعه عقلها بخانة الأصدقاء ، هنا هتف
القلب معترضًا ، فشردت و هي تقول مُرضية إياه الأصدقاء المقربين ، لا تنكر أن شخصيته جذبتها بل و أسرت أهتمامها ، عقليته مميزة ، شدتها لتتعمق بتفاصيله أكثر و رغم هذا كله لم يرضخ العقل لصوت قلبها الضعيف الذي لا يملك حتي لو دليل واحد ، دليل واحد أمام ألف برهان و برهان لعقلها ألا تبني حياة علي صرح من الوهم ، نعم بالنهاية لم يسمي عقلها ما تشعر به بسوي صرح من الوهم ….
عادت لواقعها علي صوت والدتها و هي تقول
” تاليا لم تعطيني رأيك بعد ” تطلعت لها و قالت
” رأيي بماذا ؟ ” أبتسمت والدتها بحنان و قالت
” واضح أنكِ ام تنتبهي لحديثي من البداية ، اري أنكِ تعلقتي به ثانية ” عقدت ذراعيها و هي تقول
” تعلقت بمن؟ …عن من تتحدثين ؟ ” جلست لجوارها و قالت
” تاليا لا داعي لتلك الألاعيب ، وفريها لشخص أخر غيري ”
تنهدت قائلة
” صدقيني يا أمي ليست ألاعيب ، و لأريح قلبك أنا لا أكن له ايه مشاعر سوي الصداقة …و فقط الصداقة ” ردت والدتها بضيق
” لا تعاندي قلبك يا تاليا …واثقة أن قلبك شعر به من أول لحظة ” و أكملت مشيرة لقلبها
” أن كان العقل ينسي فهذا لا ، بصمته بقلبك لن تنسي ” صمتت تاليا و لم تعلق حتي قالت والدتها
” لم تخبريني بعد ستذهبي معنا لزفاف ابن عم والدك أم لا ”
ردت بأقتضاب
” لا لن أذهب ” هزت والدتها كتفيها بأستسلام و قالت
” كما تشائي لكن ستبقي وحدك بالمنزل سيف سيبيت بالمستشفي و ادم بعمله و الباقي ذاهبون معنا ” ندت منها إيماءة خفيفة دون أن تتكلم و عادت لشرودها مرة أخري
جلست تستكمل كتابها متنعمة بذلك الهدوء المسيطر علي المنزل ، و كأنما أراد القدر معاندتها ، فأنطفئت اضواء غرفتها كلها دفعة واحدة ، شهقت بخوف ، و مدت يدها تلتقط هاتفها تفتح الضوء منه متوجهة نحو رتاج الباب الاليكتروني ، ألتقطت مشبك شعرها تفتح به شفرة الباب دون فائدة ، أنتبهت لمولد الكهرباء الأحتياطي الذي لم يعمل هو الأخر ، حاولت السيطرة علي توترها و هي تلتقط هاتفها من جديد تحاول الوصول لوحدة التحكم بالمنزل ، تساراعت أناملها اكثر قبل ان ينفذ شحن هاتفها هو الاخر ، أنطفأ مصباح هاتفها فنهضت تحضر جهاز شحن الهاتف دون الحاجة للكرباء ، و لسوء
حظها اصطدمت يدها اليمني بالسك*ين الموضوع علي طبق الفاكهة ، تحاملت علي نفسها كاتمة ألمها فبل أن تتذكر انها أعطت الجهاز لأخيها قبل ذهابه و لهنا لم تحتمل أكثر أنزوت بأحد الأركان تبكي بصمت ، ألتقطت هاتفها للمرة الأخيرة لتهاتفه راجية الله الا يخيب ظنها…. علي الجانب الأخر قاد نور سيارته عائدًا لبيته بعدما أنهي اجتماعه مع القائد الأعلي ، أنشغل بدندة ذلك اللحن الشهير دون أن ينبه لرنين هاتفه الموضوع علي وضع الصامت …
أما هي أغمضت عيناها بخوف و هي تري أنطفاء شاشة هاتفها فاقدة معه أخر أمل بأنقاذها… يتبع…




