روايات

الفصل التاسع عشر من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل التاسع عشر روضتنى الجزء الثالث

الفصل التاسع عشر لم أستطع أن أصبح شريراً ولا حتى طيباً، لا دنيئاً ولا شريفاً، لا بطلاً ولا حتى حشرةّ.
فيودور دوستويفسكي.
❈-❈-❈
وخزات حادة شعر بها تقطع أوصاله وهو يجاهد حتى لا يفقد الوعي مرة أخرى متحاملاً على نفسه ومتحملا أكبر قدر من اﻷلم الذي يسري بعروقه ناظراً أمامه لعائلته المقيدة أيضا ومعصوبة الأعين، فقدان الوعي ربما يكون راحة ورفاهية هو لا يملكها بتلك اللحظه؛ فكلما حدث وفقد وعيه يجد الأستجواب الذي يصحبه تعذيب قد تحول إما لأخيه أو لوالدته؛ فحاول جاهداً أن يتحمل لأقصى طاقته.

أحيانا يفاجئنا جـ ـسدنا بقوته التي نختبرها معه وقت الأزمات، وها هو جـ ـسده يتحمل مآسي تلك المرة تفوق الحد؛ فهو هنا منذ عدة أيام وربما أشهر؛ فقد فقد طاقته على حصرها، لا يعلم ليله من نهاره ولا نومه من يقظته؛ فقد تشوش لديه كل شيئ وقارب على الإنهيار.
تكلم أخيراً بعد أن شعر بنفسه على وشك فقدان وعيه من جديد متوسلاً من أمامه:
-كفايه ارجوك، إحنا قولنالكم كل حاجه نعرفها عن بابا وعيلة الفهد كلها.
اتسعت بسمة ذلك الرجل الواقف أمامه يرتدي بدلة سوداء باهظة الثمن، ورائحة عطره استطاعت النفاذ لأنف هؤلاء ليفيقوا من اغمائاتهم المؤقته؛

فرد عليه بنبرة ساخرة:
-كنت بتظن انو أنا مغفل وما بعرف باتفاءك مع فارس الفهد مو هيك؟
ابتلع مرارة حلقه ورد وهو يزرف عبراته رغما عنه من شدة الألم:
-صدقني يا غسان بيه انا معرفش حاجه غير اللي قولتها، وفارس أهو عندك روح خد حقك منه زي ما انت عايز .. أنا وامي وأخويا ملناش دخل لا بيه ولا بالعيلة دي كلها من زمان.
اقترب غسان منه بخطوات بطيئة وقال بصوت حاد:

-أبوك وقت كان يشتغل معنا كسب كتير مصاري من خيرنا وباﻷخير خانا، ولا ءلك اتركني اتكلم معك بالمصري حتى تفهم عليا، انا معي تارين لعيلة الفهد مش بس تار مع أبوك واللي أنا ناوي آخده منك انت واخوك.
صر على أسنانه وهو يضيف:
-معي كمان تار مع فارس الفهد ابن عمك واللي بسببه فقدت مركزي بالمنظمه لمجرد كشفه لأبوك بالشكل ده.
رمقه بنظرة مغتاظه وهتف:
-وحتى وقت بعتكم على مصر كنت متأكد انكم مش اهل للثقه عشان كده حطيت وراكم عيون تراقبكم وعرفت باتفاءكم معه.
حاول يزن التحدث فخرج صوته مبحوحاً:

-يا غسان بيه ارجوك افهمني، شخصية فارس كده وبيعرف من نفسه حاجات بتفاجئك انه عارفها … أنا مخنتش الثقة بتاعتك، بس هو كان عارف بكل حاجه وطب عليا أنا وآسر وقالنا أنه كاشف كل حاجه، وفي النهاية أنتوا قدرتوا تفاجئوه باللي حصل يبقى أنا وعيلتي هنا بنعمل ايه؟
رد ساخرا:
-بفسحكم يا يزن، مش اسمها كده بالمصري؟
ضحك بنهاية حديثه؛ فتنهد اﻵخر وتحدث بصوت مهزوز:
-وأخرتها؟
غمز له بطرف عينه ورد:
-كل خير يا ابن الفهد.

❈-❈-❈
ارتفع بجـ ـسده مستندا على ذراعيه ناهجاً بأنفا سه يلهـ ـث من فرط نشـ ـوته ويسألها بإجهاد وتعب:
-انتي كويسه؟
أومأت له وعبراتها تنزل على وجنتيها؛ فعاد يسألها بقلق:
-طيب بتعيطي ليه؟ أنا عملت حاجه زعلتك؟
نفت برأسها، ولكنها ما لبثت أن زاد بكاءها فاعتدل وسـ ـحبها بحـ ـضنه متسائلا بلهفة:
-شيري! في ايه بس؟
ردت وهي تسـ ـحب انفاسها الباكية بداخلها:
-زعلانه عشان الموضوع حله مجرد برشامه وكريم چيل، وضيعنا كل الوقت ده مننا في الزعل والخناق وكنا هنتطلق….

قاطعها واضعاً يده على فمها وهو يمنعها من استكمال حديثها وقال بحب:
-مفيش حاجه اسمها طلاق، اوعي تجيبي الكلمه دي تاني أبداً على لسانك عشان أنا بحبك أوي اكتر من كل حاجه وكنت هفضل عايش معاكي مهما حصل يا شوشو.
اتسعت بسمتها وزادت من احتضا نه وهي تبكي فرحا فسألها مجددا:
-ليه العياط طيب؟
ردت وهي تبتسم ولكن عبراتها تغرق وجهها:
-أنا مبسوطه على فكره.
ضحك عالياً وقال ساخراً:
-يااا على الستات، يفرحوا يعيطوا .. يضحكوا يعيطوا بجد الكتالوج بتاعكم مكتوب بلغة غير مفهومه.

تحركت مبتعدة عنه ولفت ملاءة على جـ ـسدها وتذكرت لمحة من حياة ابنة عمها وهي تتدلل على زوجها؛ فحاولت أن تقلدها لافتقارها لأي خبرة بالحياة الزو جية التي تعتبر هي حديثة العهد بها بالرغم من مرور وقتا لا بأس به بزو اجها؛ فتدللت بشكل مبالغ فيه ورققت صوتها بشكل مـ ـثير وهي تتحرك امامه بتما يل:
-مش ممكن يا حبيبي تيجي تساعدني آخد شاور؟ احسن مش بعرف اغسل شعري الطويل ده كويس من غير مساعده.
اتسعت حدقتيه ونهض فورا منتفضا بحماسة ومرر كفيه محتكين ببعضهما قائلاً:

-اللهم صل على النبي، وأنا من انهارده مش هسيبك أبداً تتعبي في غسيل شعرك يا روحي.
حملها فوراً؛ فخرجت منها صرخة عفوية وتعلقت بر قبته مبتسمة بسعادة، فغمز لها بطرف عينه اليسرى وقال بصوت ناعم:
-تعالي يا روحي قبل ما مفعول العلاج يروح أما آخدك جوله في الحمام بتاعنا، اكيد متعرفيش مميزات الجاكوزي لحد دلوقتي.
دلفا فأنزلها ولكنه سـ حبها بقوة داخل حـ ضنه وهمس باذنها:
-خليكي كده على طول يا شيري، حتى لو في مره زعلتي مني ﻷي سبب افضلي حبيني ومتبعديش تاني.
نظر داخل عينيها برومانسية وقال بحب:
-بحبك.

استندت على كتفيه بذراعيها ورددت:
-وأنا بحبك.
❈-❈-❈
استيقظ من نومه على صوت طرقات على باب جناحه؛ فنظر لساعة الحائط فوجدها لم تتخط الثانية بعد منتصف الليل، فسحب نفساً بكسل ولكن الطرقات لم تتوقف وتبعتها صوت المربية:
-ياسمين هانم.
نظر لها فوجدها تغط بنوم عميق على ذراعه عارية لا يسترهما سوى غطاء الفراش؛ فأبعدها ببطئ ووقف يرتدي مئزره وتحرك صوب الباب وفتحه هامساً بحيرة:
-في ايه؟
اطرقت رأسها على الفور خجلاً عندما وجدته أمامها بنفسه وبمئزر شبه مفتوح، فهي لم تعتاد رؤيته إﻻ بكامل ملابسه بل اﻷكثر بأناقة وملابس رسمية؛ فتلعثمت وهي تتحدث بخوف:

-ااصصل، اصل…
قاطعها بحده وهو لا يزال يخفض صوته:
-ايه؟ ما تنطقي.
ارتعدت فرائضها وهي ترد:
-چاسمين سخنه خالص ومش عارفه أعمل لها ايه؟
اتسعت عينه بالخوف والقلق وهدر بها:
-وساكته ليه؟ روحي بسرعه جهزيها عشان أنزل بيها للمستشفى.
أومأت له وهرعت من أمام ذلك الثائر، وبنفس الوقت فتحت ياسمين عينيها بكسل من إثر صوته واعتدلت تلف غطاء الفراش على جـ ـسدها وسألته فور أن دلف مجدداً لداخل الجناح:
-في ايه يا فارس؟
تكلم وهو يخرج ملابسه ويستعد لدخول المرحاض:
-چاسمين سخنه، اومي بسرعه استحمي والبسي.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى