
الفصل السادس عشر الإنسان لديه من العناد والكبرياء ما يجعله يرفض أي تعلم أو تعليم.
عبدالرحمن منيف.
❈-❈-❈
هناك دائما حداً فاصلاً ما بين القوة والضعف وما بين الفطنة والغباء، وليس بالضرورة أن يظهر المرء قوته فقط بذراعه أو بفرض سطوته على الآخرين، ولكن تكمن القوة حقاً عندما يستخدم الإنسان ذكاءه في حل المشكلات لا قوته العضلية.
فهناك من يغتر بقوته الإجتماعية أو مركزه، ولكن فاعلم أيها الإنسان أن هناك دائماً وأبداً من هو أكبر وأقوى منك؛ فلا تغتر بما وهبك الله به، ولا تبتعد عن طاعته حتى تجد من يؤازرك بمصائبك ومحنك.
استيقظ الجميع بيوم جديد غير عالمين بمقدرات الغيب وما قد يحدث به، فمن لديه عمل استعد له، ومن وراءه مهام قام بها ولكن القدر والغيب دائماً بعلم الله وحده.
فتحت عينها على صوت المؤقت؛ فاغلقته ونظرت بجوارها فلم تجده؛ فأبعدت غطاء الفراش من على جسـ دها وتحركت صوب الحمام ودلفت لتجده أسفل المياه فتكلمت بهدوء ورقة:
-حبيبي.
التفت يرمقها بنظراته التي لا تكتفي منها أبداً، وهي نظرات وله وولع لا ينتهي وتكلم وهو يلف تلك المنشفة حول خصره:
-صباح الخير يا سلطانه.
اقتربت منه وقبـ ـلته وهي تقول:
-جدول أعمالك إيه انهارده يا باشا؟
اتسعت بسمته واحتضـ ـنها هامساً بدوره:
-شغل، شغل، شغل بس لو عيزاني آجي معاكي متابعة الولاد ممكن افضي نفسي عشان خاطرك.
حاصرها بين جسـ ده والحائط وانحنى يقـ ـبل عنقها وهو يحاول أن يفك از رار كنزتها البيتية من على جسـ دها فقالت متمنعة بدلال:
-مبتشبعش؟!
خلل أصابعه بشعرها الطويل وتكلم بغزل:
-في حد يقدر يشبع من الجمال ده كله؟ تعالي ننزل قبل ما اغير رأيي واسيب الشغل اللي ورايا.
ضحكت وأومأت له فارتديا ملابسهما وتوجها صوب غرفة أبنائهما فطرق الباب وهو يسألها:
-الناني مريحاكي؟
أجابت مؤكدة:
-جداً، لدرجة ممكن طول اليوم محسش بوجودها هي والولاد.
دلف بعد أن فتحت له وأطرقت رأسها باحترام وهو يتجه لصغيرته، حملها ليقـ ـبلها وتركها متجهاً لنجله البكري وقبـ ـله هو اﻵخر وسألها بحيرة:
-الولاد بياكلوا ويناموا كويس؟
أومأت له مجيبة بإحترام:
-ايوه يا باشا، چاسمين هاديه ومعظم الوقت نايمه، هو جاسر بيه بس اللي شقي شويه بس خلاص اخدنا على بعض.
ترك الصغير بفراشه وعقب:
-طيب خلي بالك عليهم كويس ومتخليهومش ناقصهم أي حاجه.
خرج برفقة زوجته ونظر لها بجانب عينه وقال بضيق:
-أنا مشغول عن الولاد غضب عني يا ياسمين، مش عايزك انتي كمان تنشغلي عنهم.
انحنى هامساً بأذنها:
-متنسيش تشحني أجهزة التتبع بتاعتهم وميخلعوهاش أبداً فاهمة؟
وافقته بطاعة ونزلا الدرج فوجد مربيته وابنة عم زوجته تتسامران؛ فألقى سلاماً عابراً وجلس على مائدة الطعام ناظراً لمربيته وسألها ممتعضا:
-مازن بيه لسه نايم طبعا؟
ضحكت وهي تجيبه:
-ده مازن جه هنا لقضاه، أنا هبعت حد من الخدم يصحيه.
وقبل أن تكمل نداءها استمعوا لصوته الساخر من الخلف:
-انا صاحي، معقول هنام وأنا بايت هنا؟ أنا مش مستغني عن عمري.
جلس الجميع وبدأوا تناول الإفطار فتكلم فارس وهو ينظر لزوجته:
-وانتي عند الدكتور خلي الدكتوره دينا تدخل معاكي عشان تتطمن اكتر على الولاد وطمنيني على طول.
أومأت له دون تعقيب فأضاف:
-وخدي معاكي الناني عشان تاخد بالها منهم ومتحتاسيش.
عقد مازن جبينه وسأل بفضول:
-هي ياسمين رايحه المستشفى انهارده عند بابا؟
أكد له بحركة بسيطة من رأسه فتكلم فورا:
-طيب ما تاخدي معاكي چوچو بالمره تتطمن على الحمل، أحسن مروحناش لحد دلوقتي غير مره ومنعرفش الحمل وصل لفين ولا نظامه ايه.
تجهم وجه اﻵخرى وهي تستمع له، وعقبت بحزن:
-وانت مش ناوي تكون معايا المره الجايه اللي هنروح فيها للدكتور يا مازن؟
زم شفتيه وابتسم نصف إبتسامة، وأجابها بمرواغة:
-أنتي عرفاني مبحبش الدكاتره والمستشفيات وبالذات مستشفى الفهد، جاتلي منها عقده.
ضحكت بسخرية وهي ترد:
-بتكره الدكاتره ومامتك وباباك دكاتره! مش غريبه دي؟
ادار وجهه صوب أخاه الروحي يطلب الدعم؛ ففهم اﻵخير وتدخل فوراً بالحديث هاتفاً:
-روحوا المره دي بنات مع بعض، والمره الجايه أكيد هنكون كلنا معاكي يا چوچو عشان نشوف الزتونه اللي في بطنك دي، بس أنهارده أنا محتاج مازن معايا في كذا حاجه.
ابتسم الجميع على مزحته فوافقت دون تعقب، وأطرقت رأسها بضيق؛ فاقترب منها مازن وقبل كتفها أمام الجميع وهمس لها بصوت مسموع ورقيق:
-حقك عليا والله، بس انهارده فعلا مشغول، والزياره دي مش محسوبه لأن أكيد المره الجاية هكون معاكي.
ابتسم لها بوسامته المهلكة وغمز له قائلا:
-متزعليش.
انهي حديثة بقبلة طائرة على الهواء جعلتها تبتسم على الفور، وكل هذا على مرئى ومسمع من الجميع وباﻵخص نرمين الجالسه بالجهة المقابلة لهما مطرقة رأسها تنظر لطبقها وهي تحاول عدم التدخل بالحديث أو حتى اﻻستماع له.
انتهى الجميع من افطارهم وتحركا كل من فارس ومازن صوب الباب؛ فتعبتهما زوجتيهما؛
فانحنى فارس هامساً بأذن زوجته:
-خدي بالك على نفسك، أنا هسيبلك زين وأمجد مع طقم الحراسه عشان ياخدوا بالهم منكم ومتحسسيش چنى بحاجه.
أومأت له واستمعت لحديثه:
-وحاولي تشوفي نرمين ناويه على ايه ﻷن مبقاش ينفع تفضل قاعده هنا ومازن معانا، من ناحية جوزها عارف بموضوع مازن وكده احنا بنركب نفسنا الغلط، ومن ناحيه تانيه چوچو أكيد مش هتكون مرتاحه.
تنهدت بعمق وأومأت من جديد بصمت فقبـ ـلها من أعلى رأسها وتحرك للخارج ليتبع مازن لسيارته،
دلفت هي للداخل فوجدت نرمين جالسة بجوار حنان تتسامران؛ فجلست بجوارهما وتسائلت بحيرة:
-أومال چنى فين؟
ردت حنان فوراً:
-طلعت فوق.
التفتت تنظر لنرمين وغمزت لها لتتبعها ووقفت تقول باحترام:
-معلش يا دده أنا هطلع فوق أشوف الولاد لو محتاجين حاجه قبل ما نروح المتابعه بتاعتهم.
ابتسمت لها وأجابت بطيبة:
-روحي شوفي اللي وراكي يا بنتي متعطليش نفسك، أنا هدخل أقرا الورد بتاع انهارده وارتاح شوية لحد ميعاد نزولكم.
صعدتا وتوجهتا لغرفة اﻻطفال فوجدتا الطفلين نائمين والمربية جالسة تتحدث بالهاتف بهمس حتى لا توقظهما، وفور أن وجدت الباب يفتح ابتسمت بلباقة وحدثت الطرف اﻵخر:
-طيب يا حبيبي هقفل معاك دلوقتي وأبقى أكلمك بعدين.
اغلقت فابتسمت لها ياسمين وسألتها بفضول:
-ده خطيبك؟
أومأت لها فتعجبت وهي تضيف متسائلة:
-بس في الأنترفيو قولتيلي أنك سنجل!
أومأت وهي توضح:
-ما هو لسه مش رسمي، يعني بنحب بعض لكن لسه متقدمش.
انحنت ياسمين تقبل صغيرتها وهي تقول:
-أوعي لما تتخطبي أو تتجوزي تسبينا.
ابتسمت لها وهي تنفي برأسها مؤكدة:
-لا متقلقيش يا هانم، أنا مفهماه طبيعة شغلي وهو موافق وعارف النظام كويس.
استحسنت حديثها واخبرتها على الفور:
-طيب عموما اعملي حسابك عشان هننزل على الظهر كده نروح المتابعه بتاعة الولاد.
ردت بحرفية:



