روايات

الفصل السادس عشر من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل السادس عشر روضتنى الجزء الثالث

-عارفه يا هانم وجاهزه متقلقيش.
خرجت برفقة ابنة عمها وتوجهت لجناحها، وفور أن دلفتا جلستا على اﻻريكة وسألتها بتوتر:
-فارس مقالش ناوي يعمل ايه مع مالك؟
نفت وهي تعقب:
-ومش هيقول إﻻ لما يعرف أنتي عايزه إيه بالظبط، عايزاه ولا نويتي تنفصلي؟
سحبت شهقياً عميقاً وطردته خارجها وأجابت:
-كل الموضوع أني محتاره ومش عارفه آخد قرار.
تجهم وجه ياسمين وهي تستمع لوجة نظرها المطنبة:

-من ناحيه مش عايزه اسيبه لاني بحبه يا ياسمين وهو كان كويس معايا لحد الجواز، ومن ناحيه تانيه شخصيته الضعفيه قدام أهله مخلياني مش مبسوطه معاه وخايفه طول الوقت ومش حاسه باﻻستقرار، ومن ناحيه تالته عزراه لأن الطبيعي محدش يصدق أبدا أن الضــ,,ـــــرب في الظهر ممكن ييجي من اللي منه واللي المفروض سنده في الدنيا، ومن ناحيه رابعه فكرة الفشل في حد ذاتها وأنا زي ما كلكم بتقولوا العاقلة والذكيه اللي فيكم؛ فيكون اختياري بالفشل ده؟
صمتت ونظرت لها بعد أن تجمعت العبرات بمقليتها واختنق صوتها بالبكاء:

-وفي النهاية كل ده جاي على أعصابي وحاسه اني مش عارفه آخد قرار.
حاولت ياسمين التحدث ولكنها لم تمهلها الوقت وتابعت:
-وكل ده في كفه ولحد اللحظه اللي مالك مكانش يعرف بتصرفات أخوه وبقت حياتي في كفه تانيه خالص، لان أنا دلوقتي بقيت محطوطه في اختبار صعب جداً وهو عمره ما هيصدق، وبالتالي عمره ما هيتنازل أو يفكر في سعادتنا وهياخد الموضوع عند وعشان كده مكنتش عايزه اقوله.
لم تفهم ما تعنيه فسألتها بحيرة:
-أنا مش فاهمه أنتي تقصدي ايه؟
أجابتها فوراً:

-يا ياسمين افهمي، الأول المشاكل كانت عشان بيت العيله وتحكم أهله، وكان رافض الفكره بس بضغط مني شويه كان ممكن يوافق، لكن بعد ما الموضوع بقى فيه إتهام صريح ﻷخوه؛ فدلوقتي لو جابلي شقه بره يبقى صدق أو على الأقل بين لي أنه مصدق وده اللي مستحيل مالك يقبله أبدا.
فهمت مقصدها فربتت على ظهرها برقة وقالت بطمانة:
-سبيها على ربنا، وهو لو بيحبك هييجي لحد عندك ويقولك أنا مش قادر أعيش من غيرك.
ابتسمت بأسى وأومأت رأسها عدة مرات تراجع برأسها الكثير من الأحداث وتحاول أن تتخذ الكثير من القرارات.

❈-❈-❈
جلس كعادته بإجتماعات كثيرة حتى يحاول حل اﻷزمة، حتى دلفت مساعدته الخاصة تستاذن بأدب:
-عمر بيه بره وعايز يقابل جنابك.
أومأ لها دون تعقيب؛ فخرجت ودخل عمر مبتسماً بسمة لطيفة وجلس أمامه هاتفاً:
-وصلت لكل المعلومات اللي طلبتها مني يا فارس باشا.
أعجب فارس بسرعة أداءه ورد عليه مبتسما:
-شيل اﻷلقاب بقى يا عمر أنت بقيت صديق مش مجرد مدير شركة حراسات.
استحسن الآخر حديثه مبيتسما؛ فتنهد فارس بهدوء وسأله بفضول:
-ها، ايه اللي لقيته؟
أجابه وهو يخرج من جيبه قرص مدمج ووضعه بمشغله وهتف:

-غسان الصباغ… ظاهرياً رجل أعمال، ولكن من الباطن تاجر أسلحة ومهرب وتقريبا بيشتغل في كل شيئ ممنوع وخطر.
ضغط على جهاز التحكم لينتقل للصفحة التالية التي تعُرض على الشاشة أمامهما وأضاف:
-عنده شركات كتير في كذا بلد كواجهه لغسيل الأموال، وتقريبا متعاون مع مافيا التجارة الدولية وأي مصلحة دايس فيها.
عاد ضغطه على أزرار التحكم فانتقل لصورة عاليا وهي برفقته وأكمل:
-جمعته علاقة بالآنسه عاليا لفترة طويله في الوقت اللي كانت عايشه في امريكا، وتقريبا كل الناس كانوا بيشوفوهم مع بعض وكان في أخبار بتقول انهم على مشارف الجواز.
تجهم وجهه وسأله:

-وبعدين ايه اللي خلاه ميكملش ويتجوزها؟
رد عمر موضحاً:
-واضح إن السبب كان من الآنسه عاليا؛ لأنه كان تقريبا مجهز كل حاجه عشان الجواز بس هي رجعت مصر وبعدها اتقطع التواصل بينهم خالص، أو ده اللي واضح عندي في التحريات.
ضغط مجدداً واكمل:
-المراقبه اللي محطوطه عليه بتقول إن حركته قليله وكمان معندوش كمية حراسه كفايه، وبيتنقل من بلد لبلد بطيارته الخاصه، وحالياً موجود في لبنان في قصره.
صمت قليلاً وأضاف:

-مقدرتش أوصل لكل الناس اللي شغال معاهم لانه هو الواجهه بتاعة كل الشغل بتاعهم، وهو ده اللي مخوفني انه يكون وراه ناس احنا منقدرش عليهم وندخل نفسنا في متاهه أكبر من اللي احنا فيها.
اخذ نفساً عميقاً ونظر أمامه لعمر الواقف أمام الشاشة ورد موضحا:
-انا السكــ,,ـــــينه محطوطه على رقبتي ورقبة عيلتي، ولو الموضوع هيتحل بدفع الفلوس اللي طلبها كنت دفعت وسكت، بس أنا متأكد أنه مش هيخلص على كده وهيشتغلني ويعملني لعبته؛ لأن واضح جداً إن الموضوع شخصي مش قضية مخزن وبضاعه وخصوصا بعد ما أنت أكدت لي انه كان هيتجوز عاليا.

زفر زفرة طويلة وصاح بصوت أجش:
-شايف إن أنا السبب تقريبا في رجوع عاليا أو يمكن مرضها، والواضح أنه فعلا كان عايزها وإلا ما هي كانت عايشه معاه من غير جواز فكان إيه اللي غصبه على الجواز منها.
تفهم عمر لحديثه والذي يبدو منطقيا ولكنه رد متخوفاً:
-أنا معاك في كل اللي أنت بتقوله، بس برده اللي أنت بتخطط له ممكن يدخلنا في متاهه كبيره وأنا قلقان، عشان كده عايزك تفكر شويه قبل ما تاخد قرارك وزي ما قولتلك أنا معاك وهعملك اللي هتقول عليه.

أنهى إجتماعه مع عمر الباشا وتوجه لآخر وهو يشعر بالإجهاد الشديد من كثرة العمل، ولكن هذا الإجتماع هو الوحيد الذي بيده انقاذه من الافلاس.
جلس أمام مدير شركة التأمين واضعا قدما فوق اﻷخرى بعجرفته التي لا يستطيع التخلي عنها أبداً ورمقه بنظرة حادة، ومازن يجلس بجواره ومعهم خبراء من جميع التخصصات من شئون مالية لإداية لمختصين بالحوادث، وكان كل ما يشغل بال موظفي شركة التأمين هو التهرب من دفع مبالغ التأمين المقررة.
استهل فارس الحديث وهو يتحدث بثقة وقوة:

-أظن بعد شهر وشوية من التحقيقات ولسه لحد دلوقتي مش عارفين تلاقوا سبب للحــ,,ـــــريق يبقى ده ينفي تماماً إحتمالية أنه بفعل فاعل؟
رد مدير الشركة بتوتر:
-في حاجات ممكن تظهر لما اﻷنقاض تتشال و…..
قاطعه مازن بحدة:
-هو أحنا لسه هنستنى لما تتشال؟
وضع فارس راحته على كتف مازن وغمز له متحدثا بهدوء:
-اهدى شويه.
ثم التفت ينظر لمدير الشركة وقال بأسلوب تحذيري:
-هو بس المسئولين عن شركة التامين مش عارفين مصلحتهم ومفكرين انهم لو اتهربوا من دفع التعويض ده هيكسبوا.
أبتسم نصف إبتسامة بزاوية فمه وأضاف :

-بس في الحقيقه هم هيخسروا وهيخسروا جامد كمان، ﻷن طبعا أنا مستحيل استمر مع شركه معندهاش مصداقيه في الدفع وكل اللي فالحه فيه تاخد مبلغ التأمين كل أول شهر ووقت الدفع تخلع، والأكيد اني هقول لكل اصحاب الشركات اللي بيتعاملوا معاهم على اللي حصل منهم والكل هيسحب تأميناتهم وشوف انت كام رحل أعمال مستعد يجامل فارس الفهد، وساعتها الشركه فعلا هتخسر وخسارتها مش هتكون مبلغ التعويض اللي هم مستكترينه دلوقتي …. لاااا دي الخسارة هتتسبب في إعلانهم للإفلاس.
ابتلع مدير الشركة ريقه؛ فهمو يعلم فارس الفهد عندما يتحدث يتلك الطريقة إن كان يعني حديثه أم يهدد؟

وقد تأكد تماماً أنه يعني كل حرف خرج من فمه؛ فتكلم بهدوء محاولاً التوصل لحل لتلك اﻻزمة فهتف:
-أنا لو دفعت المبلغ دة مره واحده يبقي برده هفلس يا فارس باشا، علشان كده لو تسمحلي أقسط على دفعتين ولا تلاته.
رفض بتعابيره قبل أن ينطق ببنت شفه وقال صارا على اسنانه:
-أنا يعني اللي استنى على حقي مش كده؟ هو انتم في الشركه لو حد من العملا اتاخر في السداد اسبوع واحد بتعملوا ايه؟
رمقه بنظرة مغتاظة وهو يجيب تسائله:
-اقولك أنا بتعملوا ايه؟ بتلغوا عقد التأمين وبيضيع عليه كل المبالغ اللي دفعها.

عقب مازن على اخيه الروحي:
-أحنا نفسنا في الظروف دي ودفعنا في ميعادنا يا بوص ومقولناش حتى إن المصنع اتحــ,,ـــــرق والمفروض إن ده وقت سداد منهم لينا مش العكس، ومع ذلك دفعنا القسط بتاعنا.
ابتلع المدير من جديد ريقه بتباطئ وأوما له وهو يؤكد:
-خلاص يا فارس باشا، اديني بس أسبوع ولا أتنين احاول اظبط لحضرتك المبلغ كله على بعضه و…
قاطعه فارس واقفا ومتحدثا بصوت آمر:
-اﻻسبوع ده مبلغ التأمين يكون عندي وإلا….
صمت رافعا سبابته أمام وجهه وهو يضيف:

-انا ورايا بيوت مفتوحه وأهالي هتتشرد لو المصنع ده فضل أنقاض كده كتير، ومن حقي عليكم والتزامي معاكم أنكم توفوا شروط العقد اللي بينا وإلا متلوموش إلا نفسكم على اللي هعمله، وصدقني مش هخلي شركتهم تقوم لها قومه من تاني.
❈-❈-❈
تجهزن وذهبن برفقة الحرس الخاص لمشفى الفهد ودلفت ياسمين برفقة نرمين للطبيب المسئول عن متابعة فلذتي كبدها، ولحقت بهما دينا التي ابتسمت فور أن وقعت عينها على چنى تجلس بالخارج بجوار المربية؛ فوقفت تتحدث معها بحنان:
-ايه يا چوچو عامله إيه يا حبيبتي؟
أجابتها اﻷخرى ببسمة فرحة:
-الحمد لله يا طنط حضرتك عامله ايه؟

أومأت لها وهي تجيب:
-والله الحمد لله، طمنيني عنك وعنك النونو!
اتسعت بسمة چنى على الفور ووضعت راحتها على بطنها بحركة تلقائية وقالت:
-أنا الحمد لله، بس مازن قالي أروح اطمن انهارده لحد ما هو يفضى ويبقى ييجي معايا.
ربتت على كتفها وكانها تفهم شكوتها الخفية، وقالت بتوضيح:
-معلش يا چوچو انتي شايفه الحال عامل أزاي يا بنتي والمصيبة طايله الكل.
وافقتها الرأي فسألتها:
-ياسمين جوه مع الدكتور؟
أومأت مجيبة:
-ايوة، ونرمين معاها.
تجهم وجه دينا بشكل عفوي وتسائلت بضيق:
-ايه اللي جابها؟
ردت زامة شفتيها بحنق:

-معرفش، دي قاعده عند فارس وأنا كمان روحت اقعد هناك كام يوم عشان حظي تتقابل مع مازن ويشوفوا بعض صبح وليل.
اقتربت منها دينا وتحدثت بوجل وقلق:
-انتي شوفتي تصرف ضايقك منها ولا من مازن؟
نفت على الفور وهي تؤكد:
بصراحه لأ، هي بتحاول تتحاشي التعامل معاه خالص، وهو بيتعامل معاها ولا كأن اللي بينهم عمره ما كان.
تعجبت دينا وسأتلها بحيرة:
-انتي مضايقة من ايه طيب؟ ولا الهرمونات عامله عمايلها؟
انهت حديثها بضحكة رقيقة؛ فبادلتها الضحك وهي ترجوها:

-ابوس إيدك يا طنط متقوليش الكلام ده قدام مازن أحسن هيمسك فيه انتي عارفاه ما بيصدق.
مسحت على ظهرها وهي تقول باستحسان:
-مازن بيحبك يا چوچو، والله يا بنتي أنا ما كنت مصدقه الحكايه دي، بس الظاهر انه كان جد!
تنهدت الأخرى والقلوب تخرج من عينها مرسومة ببسمة مشرقة؛ ففرحت دينا وهي تقول بسعادة:
-ده واضح إن مش ابني بس اللي واقع لشوشته
أطرقت رأسها خجلا وهي ترد:
-متكسفنيش بقى يا طنط.
أومأت لها والتفتت متوجهه لغرفة الكشف وهي تقول:
-طيب هروح أطمن على ولاد فارس وارجعلك.

دلفت فوجدت الطبيب قد انتهى من فحص الطفلين؛ فسألته بعد أن رحبت بياسمين وصافحت نرمين بعدم اهتمام:
-ايه اﻷخبار يا دكتور؟
أجاب بعمليه ومهنية شديدة:
-الحمد لله الخطر راح تماماً عن جاسر و صحته بقت زي الفل.
سألته مجدداً:
-طيب وچاسمين؟
أجاب وهو يخط بقلمه:
-الحمد لله أحسن بس هتحتاج نقل دم ﻷن عندها فقر دم، وده طبعا نتيجة التسمم اللي حصل أثناء الولادة وحمى النفاس.
صرت ياسمين على أسنانها وهي تحاول كتم عبراتها فتشوشت رؤيتها من دموعها التي حجبتها، وقالت بصوت مختنق من البكاء:

-انا كنت بحسب بعد كل اللي عملناه ده مش هنحتاج ندخل في موال نقل الدم ده، بس الظاهر إن مفيش فايده.
رد وهو يناولها الوصفة الطبية:
-احنا عملنا اللي علينا بس هي عندها فقر دم صريح ومحتاج نقل دم ضروري، وبعدين يا هانم جلسه في الشهر مش قضيه ولا حاجه خطر، متقلقيش.
خرجن فنظرت چنى لبكاء زوجة أخيها؛ فهرعت ناحيتها تسألها بلهفة:
-في ايه؟
ردت دينا على الفور موضحة:
-مفيش يا حبيبتي متتخضيش كده عشان اللي في بطنك، هي بس چاسمين محتاجه نقل دم وياسمين عملاها قضيه.
التفتت تنظر لدينا وسألتها بحيرة:

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى