
الفصل الرابع والعشرون هم لا يعرفون ما معنى أن تكون شخصاً يتجاوز كل شيء وهو صامت، يتجاوز ويتجاوز بكل هدوء حتى يعتقد من يراك أنك لم تتعثر يوماً..
لا أحد سيعرف إلى أي مدى أنت مُتعب، فـ ظاهرك منظم وتفاصيلك الهادئة لا تشير بمقدار التعب الذي تضمره ولأنك تبتسم كثيراً لن يشعر بك أحد..
لن يفهموك.. فأنت تتحدث عن أمر قطعت فيه آلاف الأميال تفكيرا ولم يمشوا فيه خطوة واحدة ولن يشعروا بك فأنت تشرح ما جال في قلبك كل ليلة ملايين المرات ولم يطرق قلبهم ليلة، ليس ذنبهم بل هي المسافة الهائلة بين التجربة والكلمات.
– أحمد خالد توفيق
❈-❈-❈
وقف منتـ صبا بجـ سده وهو ينظر أسفل قدميه مبتسما بإنتصار وكأنه فاز اخيرا برهان عمره وهو يتناول منهما الأوراق التي وقعاها قصرا؛ فسحبها منه وهو يبتسم بسخرية هاتفا:
-هاد كتير حلو يزن، بتشكرك كتير.. كفيت ووفيت
ابتلع يزن ريقه بغضب وهو يصر على أسنانه هاتفا بزئير أسد جريح تم طعنه بنصل حاد:
-خلصنا كده ولا لسه يا غسان بيه؟
انحنى بجزعه حتى يقرب وجهه منه وتكلم بصوت جاد ممتعض:
-لولا هاي اﻷسهم إلها عازه معي ما كنت أجبرتك انت وأخوك على توقيعها، وأبدا ما بتساوي التار اللي معكن بس راح كون أنا اﻷحسن وأترككم.
وقف معتدلا وسحب شهيقا عميقا وطرده بقوة وهو يقول:
-أعتقد بتفضلوا تحضروا زفافي ع عاليا باﻷول وبعدها فيكن تفلو من هون.
لمعت عين يزن وهو يسأل بحيرة:
-فرحك انت وعاليا؟ أنا مش فاهم حاجه!
ضحك بزاوية فمه وهو يقول بخبث:
-فارس الفهد عمل معي مقايضة، عاليا مقابل حياته وهو مرته.
امتعض وجهه وهو يرد:
-مش ممكن، ازاي يعمل كده؟
أمال غسان رأ سه للجانب دليلا على عدم معرفته وتصنع الجهل قائلا:
-والله ما بعرف حتى انا اذا بمحله ما بتركها لعاليا، بس هيك صار وبظن ان مرته اغلى كتير عنده من اي حدن فيكن معه لقب الفهد.
خرج فصاح يزن متألما بشراسة:
-آااااه…
حاول اخيه أن يثنيه عن غضبه فقال بهدوء:
-متتضايقش، الحمد لله انها جت على قد كده
نظر له بحنق وقال غاضبا:
-عشان نخرج اتنازلنا عن اسهمنا والباشا اللي عامل نفسه كبير العيلة ضحى بعاليا عشان ينقذ نفسه.
تكلمت والدته بصوت مجهد:
-أنا علاقتي بفارس تكاد تكون معدومه، بس اللي اعرفه عنه انه صعب يعملها، واللي عرفته عن غسان في الفتره الكبيرة اللي قعدت فيها معاه انه بيقدر يتلاعب بكل اللي حواليه يعني مش بعيد يكون بيعمل كده عشان يضــ,,ـــــرب بيكم فارس.
قاطعها اخيه اﻷصغر موضحا:
-وانت بنفسك كان عندك استعداد تضحي بأي حد في سبيل إنقاذ ماما، فلو هو عمل ده عشان مر اته وولاده محدش يقدر يلومه
صرخ رافضا:
-بس ميسميش نفسه كبير عيله بقى، طالما عنده مر اته وولاده اهم من العيله اللي هو حاطط نفسه كبير عليها.
حاولت والدتهما تهداة الوضع فقالت بمهادنة:
-سيبونا من الكلام ده وشوفوا غسان فعلا هينفذ وعده ويسيبنا ولا لأ؟
صعد هو الدرج بخطوات سعيدة ومنتصرة حتى دلف غرفتها فالتفتت تشهق بخضة وهى تحاول أن تغطي جـ سد ها العا ري بعد أن جربت العديد من أزياء الزفاف البيضاء؛ فضحك فورا وهو يحرك رأ سه لمصممة الملابس المرافقة لها لتغادر وهو يهتف مازحا:
-عم تستحتي يا عمري؟!
خرجت المصممة فأغلق وراءها الباب وإقترب منها يحتضنها قائلا بعبـ ث:
-أنا بحفظ كل قطعة فيكي حبيبتي، بقدر رسمها وأنا مغمض.
ابتسمت بتصنع وهي تسمعه يحاول التحدث باللهجة المصرية فأكمل حديثة:
-طالعه بتعقدي.
همهمت بصوت خافت:
-أنا عر يانه، ايه اللي عجبك في القطعتين دول؟
أشارت لملا بسها التحـ تية البيضاء فغمز لها مشا كسا:
-هيك أحسن.
حاولت التخلص من حصار يـ ـديه فأنحنت وامـ سكت بأحد اﻷلبسة وسألته رأيه:
-طيب ايه رأيك في ده؟
أومأ لها موافقا فتركته وأمسكت غيره:
-طيب ده ولا ده؟
ظل سارحا بها مبتسما فحركت راحتها أمام عينه:
-هاااي، أنت معايا…. غسان.
سعل ليزيل حشرجة صوته وقال وهو يبتلع ريقه بإثـ ـارة:
-هاد راح يكون احلى كتير عليكي حبيبتي.
أمسك قطعه من الملا بس التحـ ـتيه التي لا تسـ ـتر شيئا فقضـ مت اسفل شـ فتها تحاول أن تخفي امتعاضها وخوفها منه ولكنه أقترب منها اكثر وأكثر وناولها اياها هامـ ـسا:
-جربيه منشاني.
تنحنحت بهدوء قائلة:
-فال وحش انك مش بس تشوف العروسه قبل الفرح وبفستان الفرح، لا كمان عااايزز …
صمتت خجلا فنظر لها نظرة مليئة بالشـ ـهوة والإغـ ـواء وقال وهو يبتلع ريقه بنـ ـهم:
-ما في حدن قدر يحرك مشا عري متلك عاليا.
سحبها من خصـ ـرها وأسندها على الحائط منحنيا نحو عنـ ـقها وقال وهو يشتم عبير ها:
-انتي الوحيده اللي حبيتها من كل قلبي، وهلأ راح تكون مرتي وهاد كمان سابقه لم تحدث من قبل.
من بين شتات عقلها سألته:
-ومامة لاميتا؟ مش كانت مرا تك هي كمان؟
نفى برأ سه هامـ ـسا:
-لا، ما كانت أبدا مرتي، بس قلت هيك ل لاميتا منشان لا تضايق انها طفلة غير شرعية، ما حدن بيعرف هاد الموضوع غير خالها وأنتي هلأ.
اغلق عينيه وهو يقـ ـبلها قبلة شغو فة متمهلة فباد لته ولكنها توقفت وابتعدت تنظر له بحيرة فكيف له أن يعاملها بهكذا رقة وهو قاتل محترف كما رأت بنفسها؟
نادته بتلعثم:
-غساان..
نظر لها بعمق عيـ ـنيها فسألته:
–أنت بتحبني بجد؟
ابتسم وهو ينظر لها متمعنا النظر بها فرددت:
-بتحبني فعلا ولا واخدني تحدي، ولا فتره زيي زي اللي قبلي؟
أحكم ذر اعه على خـ صر ها وأستند برا حته اﻷخرى على الحائط خلفها وقال بصوت رجو لي جاد وقوي:
-أنا مش محتاج كذب عليكي عاليا، اذا ما بحبك وبدي اياكي للمتـ ـعه راح خبرك حبيبتي بهيك، لكن انا بحبك عن جد وبدي اياكي لتكوني مرتي.
انهى حديثه منقـ ضا على شفـ تيها يلتهـ مهما بعنــ,,ـــــف باد لته هي شغـ ـفه فحـ ملها واضعا اياها على الفر اش بعد أن ابعد اﻷردية التي تملؤه وما رس معها الرز يلة فتمتمت هي من بين نشو تها المحر مة:
-انا ليك يا غسان في اي حاجه، وأي حد هيقف ضدك من انهارده هيكون عدوي مهما كانت شخصتيه.
❈-❈-❈
طرقت بأناملها الرقيقة على الباب فإستمعت لصوته الرجو لي:
-اتفضل.
دلفت وهي تنظر للأرض بخجل وهتفت بصوتها الرقيق:
-السلام عليكم.
رد وهو يهم بالوقوف استعدادا للترحيب بها:
-وعليكم السلام، أهلا يا خديجة هانم اتفضلي.
ابتسمت وتحركت للداخل قائلة:
-الف سلامة عليكي يا مدام ياسمين.
اعتدلت الأخرى بجـ سد ها على الفر اش وابتسمت لها مرحبة بها:
-اهلا يا خديجة، وحشاني والله.
تركهما فارس مغادرا؛ فجلست بجوارها وهي تربت على راحتها برقة:
-سلامتك، زعلت عليكي جدا والله.
شكرتها فسألتها خديجة:
-حاسه نفسك أحسن دلوقتي؟
أومأت لها ولكن خانتها دمعة من عينها غافلة؛ فاقتربت منها ترببت عليها بمواساة وهي تقول:
-احمدي ربنا على كل حاجه، الحلو والوحش من عند ربنا كله له سبب، ودايما الخير في تدبير ربنا افضل بكتير من تدبير البني آدم.
ردت بهدوء:
-ونعم بالله.
تنهدت وعادت تتسائل:
-كلمتي عمر بيه انهاردة؟
أومأت لها، ولكنها تعجبت من سؤالها ففسرت لها فورا:
-كنت عايزه اطمن على مازن، فارس بيقولي انه كويس بس شكله مهموم اوي وخايفه يكون تعبان اوي وفارس يا حبيبي مش ناقص.
ردت خديجة بعفوية:
-عمر حكالي عن حالته، اظن هيحتاج وقت على الجرح ما يلم.
اكفهر وجهها بالدهشة فسألتها:
-جرح؟!
أومأت لها وهي تعقب:
-الرصاصة بتاخد وقت على جرحها ما يلم، مش بتخف بسرعه وكمان بتسيب أثر.
أطرقت نظرا تها أسفلا وهي تشعر بالذعر من مجرد تعرضهما لأطلاق نيران ادى لإصابة مازن، وربما كان فارس المقصود كالمرة الماضية؛ فبكت وهي تهمـ ـس:
-مش هنرتاح ابدا، أنا مش عارفه امتى هنخلص من المشاكل ونعيش حياتنا زي الناس الطبيعية؟
ابتسمت لها خديجه وكأنها دعست على وجعها فعقت:
-وخلقنا الإنسان في كبد، ربنا خلقنا عشان نعافر كلنا وأحنا بنحاول نتمسك بايمانا وسط معافرتنا، الإنسان المرتاح ده ملوش شفاعه يوم القيامة زي اللي تعب وعافر.
تنهدت ببطئ ونظرت لثيا بها قائلة بإعجاب:
-لبسك شيك اوي يا خديجه.




