
بكت وهي تتحرك للخارج وكالعادة تبعتها عدسات المصورين حتى ركبت سيارة مازن وتحرك صوب منزل أخيه الروحي. غفت وهي تستند على زجاج السيارة بعد ان ظلت تبكي بكاءا يقطع نياط القلب؛ فامسك مازن هاتفه واتصل بشقيقه الأصغر وهمس متحدثا: -ايه يا ساجد، أنا عارف إن شيري ممكن متعرفش تبات مع ياسمين عشان فارس الصغير، بس روح هاتلها نرمين تبات معاها عشان… قاطعه ساجد يخبره: -العيلة كلها هنا يا مازن. سأله بحيرة:
-هنا فين؟ أجابه فورا: -في الڤيلا عند فارس، كلنا هنا وروحت جبت چنى من عندك كمان، حتى فريده هانم وميار وساهر كلهم هنا وكانوا عايزين يروحوله القسم بس أنا وبابا منعناهم وقولنالهم اننا معرفناش ندخل. استحسن فعلته ولكن قلق الآخر لم يتوقف فسأله: -هو فارس محجوز في التخشيبه؟ نفى مؤكدا: -لا طبعا، في مكتب رئيس المباحث وفي كنبه بتفتح سرير وعمر الباشا معاه متقلقش. تمتم ساجد بضيق: -وهو يعني هينام، فارس مستحيل يجيله نوم للصبح.
❈-❈-❈ صرخت والدته رافضة لما ألقاه ابنها على مسامعها وهي تتوسله: -عشان خاطري يا بني بلاش تعرض حياتك للخطر. رد بتجهم وهو يجلس محتارا لما يود فعله: -أعمل ايه بس يا ماما؟ فارس بيمر بكل ده بسبب بابا، تفتكري أنا هعرف اعيش بإحساس الذنب ناحيته؟ ارتمت على الاريكة تضـ,ـرب على فخذها بحزن وهي تتذمر: -الله يسامحك يا مروان، مش عارفه ادعي عليك وأنت بين ايدين ربنا. ربت آسر على كتف أخيه وهو يعقب:
-نزولك مصر في التوقيت ده ومن قبل ما نعرف ايه الحكاية خطر علينا كلنا مش شجاعه يا يزن، بطل تهور وفكر مره واحدة بعقلك يا أخي. نفرت عروق وجهه وهو يشعر بالغضب وقد تأجج بداخله لما يعايشه منذ أشهر أو ربما سنوات لمجرد ارتباط اسمه باسم مروان الفهد ذلك النذل الذي لم يضع أي اعتبارات لا أبوّه ولا لعائلته التي تربى وكبر بكنفها؛ فظل يجاهد غضبه حتى يهدأ، ولم يقطعه سوى جرس الباب فتحركت والدته لتفتح فوجدتها لاميتا.
ابتسمت لها الأخيرة وهي تستأذن بأدب: -كيفيك خاله؟ فيني مر لعندكن شوي؟ أومأت وهي تفتح لها المجال للدخول فدلفت فانتفض آسر على الفور يرحب بها: -أهلا أهلا البيت نور. رمقه يزن نظرة نارية من لا مبالاته وسحب نفسا عميقا بداخله ورحب بها باقتضاب: -اهلا يا انسه، اتفضلي اقعدي. جلست وابتلعت ريقها بتوتر وهي تخرج ورقة مطوية من جيب سروالها وهتفت توضح: -أنا وعم راجع أوراق الورث ياللي أرسلها المحامي تبع البابا…
تلعثمت واختنقت بحروفها وهي تصحح: -بقصد غسان الصباغ. أطرقت رأسها وناولت الورقة ليزن وهي تكمل: -وجدت هاي الورقة، بتخص مروان بك وبظن هي السبب بكل اللي عم يصير. نظر للورقة والمكتوب بها خطاب من مروان الفهد يخاطب المنظمة التي يعمل معها، وبدأ يزن يقرأ ما بها بصوت عال وهو يصر على أسنانه من الغيظ. (مرحبا بكم يا سادة أنا مروان الفهد أحد رجالكم بالمنظمة بالشرق الاوسط وبالتحديد بمصر.
بالآونة الأخيرة تعرضت للكثير من الصعوبات والمضايقات بتجارتي التي تصب بمصلحتكم، وكان السبب الأساسي بتلك العرقلة هو شخص اعتبرته عدوي اللدود لما ذاقني من خسارة مادية ومعنوية وتكبدت بسببه العديد من الخسائر وهو فارس الفهد ابن اخي الراحل ماهر الفهد. لذا اطلب منكم الوقوف معي وحل تلك المعضلة لأنه أصبح كالعضمة التي تقف في حلق الكلب وقد تؤدي لوفـ,ـاته تماماً. وشكرا لكم على سعة صدركم.) احكم يزن قبضته على الورقه فسحبتها منه والدته لتتاكد أنه خط زوجها؛ فاغلقت عينها وهي تؤكد:
-خط ابوكم فعلا. لمح نظرات لاميتا التي تلمع بما يثور بداخلها فسألها بحيرة: -في حاجه تانيه عايزه تقوليها؟ أومأت له وهي تبتلع: -المحامي عم يساومني على براءة فارس الفهد قريبكن. لمعت عينه واحتدت نظراته وهو ينتظر منها توضيح فاضافت: -بده كل مصاري غسان الصباغ ترجع للمنظمة وعم يهدد إذا علم الانتربول أو الأمن بمصر رح يقوصوه لفارس. نهجت انفاسه وهو يعقب عليها: -فلوس غسان مش في ايدنا، أنااا… قاطعته توضح:
-هو كتب نصها لأيلي والنص التاني لعاليا، فيكن تبلغوها تتنازل منشان فارس و… قاطعها آسر يحزن: -عاليا انتـ,ـحرت ومتهمين فارس بقتـ,ـلها. تخوفت من حديثه وقالت بقلق: -يا الله شو هاد؟! أنا ما بدي هاي المصاري، رح اتنازل عنها وهلأ ما بعرف مصاري عاليا شو مصيرن بس رح اتواصل مع هادول الناس و… قاطعها يزن ينبهها: -أوعي، استني لما نعرف راسنا من رجلنا، احنا مش هينفع نتصرف من دماغنا وروح فارس تحت ايديهم.
صرخ بحدة وغضب: -انا مش عارف اتنفس وانا محبوس هنا، انا عايز انزل مصر كده كتير. جلس على ركبتيه أرضا يشعر بالعجز وهو يصر على اسنانه وصرخ متألما بقوة: -آاااااه. وقف بعد أن أخرج نوبه غضبه ونظر أمامه با٥صرار وهو يتحدث صارا على أسنانه: -أنا نازل مصر وخليكم هنا أنتو، مبقاش ينفع أسيب فارس لوحده في المصايب دي وخصوصا اننا عشنا مع عاليا وشوفنا جنانها بنفسنا. ابتسم آسر لثورة اخيه الذي كان دائما وابدا ممتعض من فارس وتصرفاته، ولكنه الآن يشعر وكأنه شقيقه ويحاول منع الأذى عنه حتى وإن عرض نفسه هو للخطر.
❈-❈-❈ دلفت لا ترى أمامها من كثرة عبراتها فهرع ناحيتها توأم حياتها واحتضنتاها بقوة وهما تربتا عليها ونرمين تهتف: -حبيبتي يا سو، إن شاء الله ربنا هيظهر الحق وفارس بكره يكون في بيته. بنفس الوقت اقتربت چنى من زوجها باكية وعيونها مغيمة من عبراتها وتمتمت بحزن وتلعثم: -أخووويا فييين يا مازن؟ أخويااا. احتضنها بقوة وظل يمسح على ظهرها، ولكنها لم تتوقف عن البكاء بل زاد نحيبها فانحنى بطوله ينظر لها وهو ممسك براحتيها وأكد بجدية وهو يمسح براحته على بطنها المنتفخ:
-چنى، بلاش كده عشان اللي في بطنك. بكت وهي تعقب: -مش قادره، حاسه إن في حاجه وحشه اوي هتحصل. رمقها بنظرة حاده وقال: -حرام كده ياسمين مش ناقصه. صرخت غير عابئة بأحد: -هو يعني مش أخويا زي ما هو جوزها، انت مش عايزني أقلق زيها؟ لم تنتبه المعنية بحديثها، ولكن انتبه الآخرون فنظرت لها هدى بامتعاض وتمتمت بصوت منخفض: -بت قليلة الأدب، والله لولا المصيبه اللي احنا فيها لكنت جبتها من شعرها الدلوعة دي.
التفت محمود يحثها على الصمت بتعابيره فصمتت واضعة يدها على فهمها بحركتها المعتادة وهي تتذمر: -اهو سكت. وقفت ياسمين تتحرك صوب جدها وارتمت بداخل حضنه وهي تتوسله: -جدووو، ادعيلو يا جدو يمكن ربنا يستجاب لك. احتضنها وتضرع للمولى: -ربنا يفك كربة يا بنتي، إن شاء الله يطلع منها على خير. هنا لم يتمالك مراد نفسه فصرخ بالجميع: -جرى ايه يا جماعة؟ ايه المندبه دي ما بلاش الفال الوحش ده. عقبت هدى على الفور باسلوبها المستفز:
-ايوه والله معاك حق، هو يعني فااااارس باشا على سن ورمح مش هيقدر يخرج نفسه حتى لو عملها بجد! ده اقل واحد شغال عنده يروح يعترف على نفسه بداله وتبقى خلصت. تجهم وجه رجال الفهد ولم يسعهم الرد فردت دينا على الفور: -الكلام ده لو عاملها ويكون كمان معندوش ضمير، بس فارس الحمد لله بيخاف ربنا يا هدى ومش بتاع السكك دي. ردت الأخرى وكأنها تصحح ما قالته:
-يا دينا انا مش قصدي، أقصد أنها لو لبسته يعني ليها حل ومش مستاهله عياط، ده الست فريده هاتم اهي ما شاء الله قاعده زي الأسد ولا دمعة نزلت من عنيها فهل بقى هم موجوعبن اكتر منها؟ لم تتمالك ياسمين نفسها فصرخت دون وعي: -بس خلاص، كفايه انا مش مستحملة كلام من ده. نظرت حولها وتسائلت بحزن وبكاء: -فين ولادي، انا عايزه ولادي. اقتربت منها شيرين تخبرها: -الولاد في اوضتهم ومعاهم فارس الصغير كمان، تعالي اطلعي ارتاحي شويه وبعدها…
قاطعتها صارخة: -لأ، أنا عايزه ولادي في حضني، عايزة ريحتهم في حضني. سحبتها نرمين بهدوء وصعدت برفقتها صوب غرفة صغيريها واخذتهما من المربية وتحركت صوب جناحهما؛ فأراحت جسدها على فراشها وهي تحتضن صغيريها وجلست نرمين بجوراها تربت على شعرها بهدوء حتى غفت ودموعها لا تزال تشق وجهها. ❈-❈-❈ فتح الباب ودخل يجلس برفقته وهو يحمل معه أكياس الطعام فانتبه له فارس واعتدل بجلسته متسائلا: -أنت لسه هنا؟ أنا بحسبك روحت.
ابتسم له وجلس بجواره وبدأ بفتح الاكياس وهو يخبره: -كنت بجيب أكل وميه وشوية عصاير، ومنستش علاجك. غمز له وهو يمزح معه: -مدام ياسمين مسابتنيش إلا لما حلفت لها اني هأكلك واديلك العلاج بايديا. سحب نفسا عميقا وطرده للخارج ف٦اشار عمر للطعام وهو يبدأ بتناوله: -بسم الله، ولا لازم شوكة وسـ,ـكينه؟ ضحك فارس وبدأ بتناول الطعام هو الآخر، ولكنه توقف ونظر لعمر وتكلم بحزن: -ياسمين أكيد مأكلتش حاجه، انا عايز اطمن عليها.
اشار عمر لعينيه بالتتابع وهو يقول: -من عنيا يا باشا. اخرج هاتفه المحمول وناوله لفارس الذي اتصل فورا على الرقم الخاص بها، ولكن وجده مغلق فأغلق واتصل بمازن الذي أجاب فوا وبلهفة: -ايه يا عمر حصل حاجه؟ أجابه فارس بصوت هادئ: -انا فارس يا مازن. صرخ مازن دون وعي: -فاارس، أنت كويس؟ هو عمر لسه معاك؟ أجابه مؤكدا: -أيوه وشكله هيبات هنا، المهم بس انت عندي في البيت؟ أوما وهو يجيب:
-أيوه كلنا هنا. استحسن حديثه واخبره: -ياسمين عامله ايه؟ أجابه كاذبا: -كويسه والله متقلقش وطلعت مع بنات عمها تنام. سأله مجددا: -أكلت حاجه؟ عاد لكذبه وهو يجيب: -أيوه اكلوها بالعافيه، متقلقش انت عليها وخد علاجك لحد ما نجيلك بكره. أغلق معه وعاد للجلوس بعد أن ابتعد قليلا فهتف عمر مازحا: -الكباب والكفته لو بردوا مش هيبقوا حلوين، يلا بقى انا جعان. عاد لتناول الطعام فشرد قليلا فسأله عمر بحيرة: -هو انت متغير ليه كده؟ أنا كنت متخيل أنك هتقوم الدنيا ومش هتقعدها و…
قاطعه وهو يوضح: -متأكد إن في حاجه مش مظبوطه من أول نظرات الظابط ليا لحد الحبسه دي، عشان كده ساكت لحد ما أعرف ايه اللي بيحصل. ارتبك عمر فهو لم يخبره بالمعلومات التي وصلت له، ولكن حقا فذكاء فارس لا يضاهيه أحد فسأله عله يجد إجابات للعديد والعديد من التساؤلات التي تشغل ذهنه: -تفتكر مين اللي ورا اللي حصل؟ والأهم من مين عايزين ايه؟ وهل عاليا انتـ,ـحرت فعلا ولا ممكن حد قتـ,ـلها وعايز يلبسك الجريمة؟
نفى غامزا بعينه: -لأ انا متأكد أنها انتـ,ـحرت لانهم عملوها قبل كده وقت قتـ,ـل كارما ومعرفوش يلبسوهالي. عقب عمر بضيق: -بس المرة دي غير يا فارس، سـ,ـلاح الجـ,ـريمة بتاعك وعليه بصماتك. عقب مؤكدا: -بس في كاميرات إلا لو في حد عنده سلطه كافيه انه يحذف التسجيلات دي وساعتها هعرف انهم المنظمة دي وإن لسه لهم ديل وماتتش بقطع الراس زي ما كنا فاكرين. تنفس عمر بحدة وهو يستمع استطراده:
-ممكن جدا يكونوا عايزين فلوس غسان الصباغ، لأن الفلوس دي تعتبر ميزانيه دوله ومش بالساهل يتخلوا عنها بسهوله كده، والغالب إن في مساومه جايه قريب عليها، ده انا لاحظته وانا بتفاوض مع المحامي بتاع غسان على اسهم الشركه. سأله عمر وهو ينظر له باعجاب على تحليله الشبه صائب: -ولو كلامك صحيح، اعتقد ممكن يلعبوا في الأدلة عشان يساوموك تتنازل مش كده؟ أومأ وهو يتذمر:
-انا اصلا مش عايز الفلوس دي، وبمـ,ـوت عاليا أصلا بقت ورث مش لعيلة الفهد وبس لعيلة ابوها كمان؛ فانا لو قدرت اتحكم في نصيب الناس اللي تبعي فحقيقي معرفش رد فعل أهل عاليا هيكون ايه خصوصا ان علاقتها بيهم كانت شبه معدومة وغالبا محدش ممكن يتنازل بسهوله. أكد عمر: -لما يعرفوا الكـ,ـوارث اللي جايه من ورا الفلوس دي مظنش حد عاقل ممكن يحتفظ بيها. وافقه بايماءة خفيفة من رأسه ولمعت عينه فجاة وهو يقول:
-الفلوس اتقسمت بين عاليا وبين البنت اللي عاملها بنته، وأكيد هيحاولوا يوصلولها عشان يساموها هي كمان وده معناه انها مش في أمان لا هي ولا يزن وآسر. انتفض فورا وهو يصيح بعمر: -بلغ القوات اللي بتحرسهم عشان يعملوا حسابهم ويشددوا الحراسه عليهم أنا معنديش استعداد ينقص فرد تاني من العيلة لصالح المنظمة دي. وافقه ولم يكمل حديثه على إثر رنين هاتف عمر الذي أجاب فورا: -أيوه يا فندم. تجهم وجهه وهو يستمع للطرف الآخر وأومأ بحيرة:
-أنا عارف إن القانون مش بيجبر حد على الحماية بس هل في خطوره برجعوهم؟ صمت ليستمع للطرف الآخر فحرك رأسه مستمعا بانصاب وعقب قائلا: -خلاص براحتهم، الخيره فيما اختاره الله، وكده كده فارس باشا كان عايز كده المهم بس التأمين بتاعهم يفضل معاهم لحد ما يوصلوا. استمع من جديد لحديثه ورد: -مش عارف الحقيقة بس أظن إن الموضوع هيفرق لأن في توقعات كده جت في بال فارس ومستبعدش أنها صح.



