
قاطعها هو بحدة: -أنا مش عايزك ترميه وافضل أنا موضع شك أو اتهام، أنا عايزك تعرفي حقيقته و… هنا قاطعهما مازن يصيح بعصبية: -يا جدعان هو ده وقته؟ محفوظ فين يعرفنا الدنيا هتمشي ازاي وهتخرج امتى؟ حرك فارس كتفه بعدم معرفة فوقف مازن وهو يوضح: -طيب أنا هروح اشوفه فين وارجع لكم. ❈-❈-❈ تلقى ذلك الاتصال فنزل الدرج بلهفة وهو يكمل ارتداء ثيابه وزوجته تتسائل من خلفه: -ايه اللي بيحصل يا ساجد؟ معقول قبضوا على فارس؟
تكلم بضيق وهو يهم بالخروج:-ايوه، البسي وروحي لمامتك وأنا لما أخلص هعدي عليكي هناك وخدي بالك من نفسك ومن فارس الصغير. أومأت له بحزن فخرج ليجد والده بانتظاره فركب بجواره وهو متجهم الوجه وسأله: -ايه اللي بيحصل يا بابا؟ أجاب بغضب: -عاليا ومصايبها، مؤذية بكل أحوالها والواحد مش عارف حتى يترحم عليها. توجها صوب قسم الشرطة وبالطريق تلقى مراد اتصال من رقم محجوب فعلم انه ابن اخيه فاجابه فورا: -أيوه يا بني.
سأله يزن بحزن: -الدفـ,ـن امتى يا عمي؟ اجابه بضيق: -دفـ,ـن ايه يا بني بس! ده لسه في طب شرعي وليلة طويلة، ودلوقتي أحنا مشغولين بقضية فارس. رفع يزن حاجبه وهو يستائل: -ماله فارس هو كمان؟ اجاب وهو ينظر للطريق أمامه: -اتهموه بقتـ,ـلها. اندهش وهو يعقب: -ايه؟ هي مش انتـ,ـحرت؟ أجابه مؤكدا: -انتـ,ـحرت بس قال شاكين في دوافع وكلام فاضي كده مش عارف ايه طبيعته. هتف يزن محتدا: -هو ايه اللي بيحصل بجد؟ أنا مش قادر اصدق الحياة اللي انتوا عايشينها دي.
لم يكن مراد بحال تسمح له ان يرد على ابن اخيه الراحل فاغلق معه هاتفا: -انا سايق دلوقتي يا بني، لما اعرف تفاصيل هبلغك. اغلق معه وصف السيارة أمام قسم الشرطة وتوجه فورا للداخل ليجد حشد الصحفيين قد زاد حجمه لدرجة اضطرت قوات الأمن أن تضع حاجز مانع دخول حتى يحجم الموقف، وعندما حاول الدخول رفضت القوات المرابطة فاضطر أن يعود أدراجه لسيارته وهاتف مازن ليدخله. ❈-❈-❈ تلقى الخبر بدهشة فاتصل برفاقه بالأمن الوطني علهم يعرفون مجريات الأحداث؛ فتحدث مع زميله الذي ساعدهم بقضية غسان الصباغ وقص عليه ملابسات القضية فرد الأخير:
-أنت عارف يا عمر لو في حاجه في ايديا مش هتأخر، بس الموضوع شكله مش مريح. رد عمر وهو يصر على أسنانه من الغيظ: -ما ده اللي مجنني، بعد ما فارس اتعاون معانا وقدرنا بمساعدته نوقع حد مهم أوي كده زي غسان ده ومن قبله لما بلغ عن عمه فالمفروض الراجل ده يكون عندكم ذو أهمية مش تسيبوه كده الداخليه تبهدله بالشكل ده! رد وهو ينظر أمامه لشاشة الحاسوب قائلا بتردد:
-صدقني انا قدامي الملف بتاعه وكل كلامك مظبوط بس الواضح كده أنه متوصي عليه من فوق. جعد عمر جبينه وهو يتسائل: -من فوق ازاي؟ مين يعني؟ رفض صديقه الإفصاح عن هوية عدوه وهو يوضح: -فوق يا عمر، حد فوق الداخليه وفوق الأمن الوطني كمان، بالعربي كده حد عايز حاجه من فارس وعنده سلطه جامده اوي أنه يحبسه من غير لا دوافع ولا جريمة. شخّص عمر عينيه وهو يفكر بماهية هذا الشخص وتأكد بالنهاية أن الوحيد القادر على حصر اعداءه هو فارس بنفسه؛ فقرر أن يذهب لملاقاته والتحدث معه بشأن ما حدث.
وصل لقسم الشرطة ولم يكن من الصعب عليه الدخول حتى مقر اللواء الذي يدير القسم كاملاً فرحب به الاخير وصافحه: -اهلا اهلا بالبطل، ازيك يا عمر ووالدك اخباره ايه؟ أجابه مبتسما باقتضاب: -الحمد لله يا فندم، انا للأسف معنديش وقت ومحتاج من حضرتك تطلع قرار اخلاء لفارس الفهد طالما كده كده نتيجة المعمل الجنائي هتظهر بكره. حرك رأسه رافضا بأسف: -آسف جدا يا عمر مش هينفع، فارس الفهد مطلوب في قضية كبيرة وجايلي توصية عليه انه يبات في الحجز.
لمعت عين عمر وهو يرمقه بتعجب والآخر يكمل: -أنا بقولك الصراحه عشان عارفك مش هتسكت وهتفضل تكلم ده وده عشان تخرجه، فالخلاصه كده فارس الفهد هيبات انهارده في التخشيبه مهما حصل؛ فياريت بدل ما تتعب نفسك انك تخرجه حاول تستغل الوقت ده وتعرف مين اللي واقف له وعايز منه ايه، لأن اللي يقدر يعمل كده يقدر يغير في نتايج المعمل الجنائي لو حب يلبسهاله. تنفس عمر بحدة وجلس يفكر قليلا ورفع رأسه ناظرا للواء وتكلم بمودة:
-طبعا يا فندم حضرتك هتعملي خاطر ومش هتدخله التخشيبه؟ حاول الأخير الضغط عليه أكثر فاكمل: -مش مطلوب حد يعرف هو نام فين، بس ممكن يقضي الليل هنا في مكتبك ويتحط عليه حراسه بره الباب، مع إن فارس الفهد مش هيهرب يعني. أومأ له اللواء وهو يربت على كتفه هاتفا ببسمه واسعة: -أنت عارف إن غلاوتك من غلاوة سامح ابني يا عمر ومش ناسي وقفتك معاه أيام الجيش، ولحد انهارده انا وامه بندعيلك إنك كنت السبب انه رجع لنا سالم، بس…
قاطعه عمر برجاء: -من غير بس يا سيادة اللوا، أرجوك أنا عمري ما طلبت منك طلب قبل كده بس دلوقتي فعلا أنا محتاجك تنفذ الطلب ده، فارس الفهد مينفعش يتحط في التخشيبه. أومأ له اللواء مربتا على كتفه فهتف الثاني: -ينفع اشوفه؟ اجابه وهو يتحرك به للخارج: -طبعا. تحرك للخارج فالتقى بمازن الذي كان على وشك الخروج من بوابة القسم فسأله عمر بحيرة: -رايح فين يا مازن؟ اجابه وهو يشير للخارج:
-بابا وساجد بره و… قاطعه وهو يسحبه لركن هادئ وتحدث بجدية: -تعالى بس أنا عايزك في موضوع مهم. نظر له مازن باهتمام فقص عليه محاولاته البائسة للافراج عن فارس دون جدوى، وما علمه من رجال الأمن الوطني بالاضافة للواء رئيس القسم؛ فهدر مازن بحدة انتبه لها الصحفيين بالخارج: -ايه التهريج ده؟ أسكته عمر على الفور وهو يوضح: -افهم بالراحه بلاش التهـ,ـور ده، دلوقتي لازم نعرف مين اللي ورا الموضوع ده ونعرف عايز ايه بالظبط.
رد وهو يصر على أسنانه: -هيكون مين غير توابع غسان الصباغ ورجالته! أومأ عمر مؤكدا: -وأنا كمان بقول كده، بس عايزين ايه هو ده السؤال. تنهد واخرج زفيرا عنيفا طرده بحدة وتمتم: -بلاش فارس يعرف باللي قولته، أنا شايفه ساكت وهادي هدوء ميطمنش، وخايف عليه انت عارف صحته اليومين دول مبقتش زي الأول. حرك عمر رأسه رافضا وهو يقول: -فارس لازم يعرف عشان… قاطعه مازن بحدة: -وأنا بقولك بلاش يعرف، كده ولا كده هو هنا مش هيعرف يعمل حاجه والموضوع كله في ايدنا انا وأنت يبقى ليه نشغل باله على الفاضي!
زم عمر شفتيه وأومأ منصاعا لرغبته واستمع لمازن يضيف: -المهم تتأكد من انه مش هيبات في الحجز، فارس لو دخل الحجز ممكن يجراله حاجه. ربت على كتفه مطمئنا: -متقلقش. دلف عمر للمكتب بعد أن تركه مازن وخرج لملاقاة والده وصرفه من المكان لصعوبة دخوله، جلس عمر أمام فارس وياسمين المتمسكة براحته بقوة وبدأ يتكلم بهدوء: -احنا حاليا لازم نستنى لبكره عشان تتعرض ع النيابة لان تقرير الطبيب الشرعي وخبير الخطوط لسه مطلعش.
سأله بايجاز: -فرغوا الكاميرات؟ أومأ له وهو يوضح: -أيوه، بس لسه التقارير هتتقدم بكره مع باقي الأحراز. سألته ياسمين: -هو الاستاذ محفوظ المحامي فين كل ده؟ أجابها دون مماطلة: -راح المعمل الجنائي عشان يثبت الأحراز في المحضر بدل ما يتحط حرز كده ولا كده بره القضية. أومأ فارس بنفس الهدوء المريب الذي تملكه فنظرت له ياسمين بحيرة: -مالك يا فارس أنت ساكت ليه كده؟ أجابها وهو يبتسم بسمة مقتضبة: -ابدا يا روحي، ملوش لزوم العصبية في الحالات اللي زي دي لأن لو في حد عايز يلبسهالي هتلبسني؛ فسايبها على ربنا.
ترقرت عينيها بالعبرات ووضعت رأسها على صدره تحتضنه من خصره؛ فأشاح عمر بصره عنهما بنفس توقيت دخول مازن فحاول المزاح معهما وهو يطلق نكاته الساخرة: -طيب انا وواخد على الجفاف العاطفي ده، انما الراجل الغلبان اللي واخدينه من مراته ليل ونهار ده ذنبه ايه في المشاهد ال +18 دي؟ ضحك عمر رغما عنه ووقف مبتعدا ليسمح لهم بالتحدث باريحية، ولكن صوت فارس الأجش ما جعل ثلاثتهم يدخلون نوبة ضحك عندما هتف:
-اتلم يا جحش انت بدل ما هحطك مكاني وأخرج انا مع مراتي. ضحكوا ومازن يعقب: -لا ومش هياخدوا بالهم من الفرق، مجرد 40 سم فرق طول، على كام درجه فرق لون عين، على شويه عضلات مش هيلاقوها عندي بسيطه يعني. نظر لياسمين وابتسم متسائلا: -ايه كمان يا ياسمين فرق بيني وبين فارس. رد وهي تنظر لقطعة روحها: -كأنك بتقارن الشمس بالقمر، مفيش وجه شبه أصلا. سألها مازن ساخرا: -ويا ترى هو الشمس ولا القمر؟
اجابت بغزل: -الشمس طبعا اللي بتنور كل حياتنا وهي السبب في كل حاجه حلوة احنا عايشينها. ابتسم فارس لغزلها، ولكن لم يتوقف مازن عن العبث معهما وهو يعقب: -قصدك إن أنا القمر، الحق يا فارس مراتك بتعاكسني، يا كسوفي. قالها وهو يضم طرفي سترته حول صدره كفتاة خجلة؛ فضحكوا جميعا على مزاحه الذي دائما ما يأتي ليخرجهم من حالة الحزن والوهن التي تستعر بهم. دلف أحد الضباط المناوبين وهو يبتسم لعمر وهتف باحترام:
-أزيك يا عمر باشا؟ سيادة اللوا بيقولك ان لازم الاساتذة تتفضل دلوقتي لأن ملوش لزوم القاعدة كده لحد بكره. أومأ له فوقفت ياسمين رافضة: -أنا مش همشي، أنتوا هتسجنوه؟ رد الضابط باحترام: -لا يا فندم سجن ايه بس، الباشا هيفضل هنا معزز مكرم لحد العرض ع النيابة بكره إن شاء الله. التفتت تنظر له بعيون دامعة فاقترب من أذنها وهمس لها برقة: -وبعدين معاكي يا سلطانه، أنا كده هفضل قلقان عليكي بلاش تتعبيني بدموعك دي.
اسندت رأسها على صدره فحاوطها بذراعيه وتمتم: -كله خير إن شاء الله، روحي عشان الولاد لوحدهم من بدري وتعالي بكره. ابعدها ينظر لعينيها وابتسم متغزلا بهما: -عيونك دي هي السبب في عذابي، بحبك. ابعدها، ولكنها عادت ترتمي بداخل حضنه رافضة ومتمسكة به كأنها طفلة صغيرة تتمسك بوالدها: -لا يا فارس مش هسيبك، أنا هفضل معاك هنا عشان خاطري. ابعدها بقوة وهو يأمر مازن: -خدها يا مازن يلا. سحبها مازن بالقوة وهي تعافر:
-لأ يا فارس وحياتي عندك. ربت عليها وهو يدفعها: -روحي مع مازن وتعالي الصبح وهاتيلي معاكي هدوم نضيفه، يلا يا حبيبتي. سحبها مازن للخارج فبكت بانهيار وما كان من مازن إلا أن احتضنها وظل يربت على ظهرها يواسيها: -هو ده اتفاقي معاكي برده؟ كده فارس ممكن يتعب من منظرك ده مش من المشكلة اللي هو فيها. ابتعدت ترمقه بنظرة حزينةوقالت: -هاتله أكل والعلاج بتاعه وميه و… قاطعها عمر مؤكدا: -متقلقيش، كل اللي هيحتاجوا هيلاقيه، وأنا هنا معاه مش ماشي متقلقيش انتي.



