روايات

الفصل الرابع عشر من رواية طمس الهوية بقلم اسماء المصرى

الفصل الرابع عشر طمس الهويه

شكرتها وهي ترسم البسمة الكاذبة على شفتيها: -شكرا يا بوسي. جلست على الاريكة تفكر ماذا عليها أن تفعل الآن بعد حديث الطبيب معها، هل تتركه وتهرب فيعود هو لسابق عهده أو الأسوأ كما ترى منه من بوادر؟ أم تنتظر حتى يعيد علاجه من جديد ولكن بعد أن تكون اتخذت قرارها بالانفصال النهائي عنه؟ هل يستحق التضحية من أجله والعيش بين براثن وحش يحاول إخفاء شراسته وعندما تظهر للسطح تكون هي أحد المتضررين بل أولهم؟ أم تقف بجواره حتى يمر من أزمته التي سببها أقرب الاقربون لها وله.

صمتت وفكرت فهداها تفكيرها لزيارة والدته التي تمت بالصباح الباكر، ماذا يمكن أن يكون دار بينهما من حديث جعله يصل لذروة غضبه الذي لم تره من قبل؟ بالرغم من معرفتها الوطيدة بطبيعة العلاقة بينه وبين والدته ولكن متى رأته قد تطاول عليها بالحديث أو بالضـ,ـرب، اللعنة لقد قام بصفعها ودفعها بقسوة غير عابي لا بسنها ولا بكونها والدته، فما السبب وراء هذا التصرف؟ تمتمت بداخلها:

-اكيد قالت له حاجه وصلته للحالة دي، هو حالته صعبه من كذا يوم والدكتور قالي انه كان عنده من يومين، يعني حاسس بنفسه انه بينتكس وأكيد زيارة مامته كانت السبب في اللي حصل ويمكن موضوع شادي كانت القشة اللي قسمت ظهره، كانت نقطة المية اللي ملت السد وخلت حصل فيضان. استجمعت شجاعتها الغير موجودة ووقفت تاركة غرفة صغيريها وتحركت متوجهة لمكتبه ولكنها تقابلت مع مربيته فاحتضنتها وشكرتها: -تسلميلي يا داده، لولاكي كان فارس اتعصب لما شاف موبايل بوسي.

ربتت على كتفها تحثها بتوسل: -وحياة أغلى حاجه عندك يا ياسمين اقفي معاه لحد ما تفهمي ماله، مش يمكن لما تعرفي اللي جواه تعذريه. ابتسمت وهي عازمة على تنفيذ قرارها بالانفصال عنه ولكن بتوجيهات الطبيب حتى لا تصبح هي الخنجر الأخير الذي يطعنه بقلبه. طرقت الباب قبل أن تدلف وتنحنحت عندما وجدته مستلقٍ على الاريكة بغرفة المكتب يخبئ عينيه بذراعه الأيمن والذراع الأيسر أسفل رأسه؛ فجلست أمامه على الأرض تربت عليه بهدوء:

-فااارس. فتح عينه فوجدت حدقيته ملونتين باللون الأحمر بل وتفاجئت بقطرة دماء على منامته فنظرت إلى جوارة لتجد كومة من المحارم الورقية المغطاة بالدماء فهزته بلهفة وخوف: -فااارس، مالك؟ اعتدل جالسا وأطرق رأسه بين راحتيه فنزل شريط دماء من أنفه جعلها ترتعد وتسرع للمكتب تمسك كومة أخرى من المحارم وترفع له رأسه تحاول إيقاف نزيف أنفه وهي تتوسله: -اوم نروح المستشفى. رفض وهو يجاهد لفتح عينيه: -لأ، هاتيلي بس العلاج من درج المكتب.

هرعت لتنفيذ طلبه وناولته إياه فأخذه وعاد يلقي بجسده على الأريكة بتعب فقالت بصوت متاثر من منظره: -ممكن تسمع كلامي مره واحده وتقوم نروح للدكتور، الساعة لسه 10 قبل ما الوقت يتأخر ونضطر نستعدي حد منهم من بيته. وقف وسحبها من راحتها محتضنا إياها وتمتم بتعب ولا زالت أنفه تنزف؛ فبلل منامتها الحريرية هي الأخرى وقال بصوت حزين: -تعبت، مش قادر اكمل يا ياسمين ولا قادر امثل اني مكمل. ابعدته ومسحت أنفه وهي تتوسله:

-طيب عشان خاطري تعالى نروح للدكتور. رفض موضحا: -مش عايز حد يعرف، ولا حتى عمي مراد. وافقته وهي تجدها فرصة سانحة لتنفيذ رغبة طبيبه بزيارة سريعة: -طيب نروح لأي دكتور بره المستشفى، العمارة اللي فيها عيادة الدكتور جابر مليانه دكاتره. ابتسم وأومأ لها وصعد معها لجناحهما لتغيير ملابسهما والذهاب للطبيب وصل بهما سائقه بمفرده بعد أن رفض اصطحاب حارسه الأمين؛ فترجل فارس واتجه للناحية الأخرى ليفتح لزوجته الباب فتعجبت في قرارة نفسها من تصرفه، هل لهذا الحد هو غير مدرك لحجم الكارثة التي فعلها بها منذ لحظات؟

صعد الدرج وطلب رؤية الطبيب المختص لعلاج مرضى ضغط الدم ولكن وجد قائمة طويلة من الانتظار فأعقد حاجبيه ولكنها وجدتها فرصة سانحة لتخبره: -ما تيجي نشوف الدكتور جابر ونخليه يكلم الدكتور ده اكيد اصحاب. رفض وهو ممسكا براحتها مخللا أصابعه بخاصتها: -أكيد عنده حالات وأنا لو حد شافني عند دكتور نفسي هتلاقي الصبح الاخبار نازلة ترف في كل حته. ابتسمت بتفهم وهي تجاهد عبراتها وهمست له: -طيب ما تكلمه يفضي العيادة وندخل نتكلم معاه شويه على العيادة هنا ما تفضى شويه.

التفت ناظرا لها بحدة ووقف يحدث المساعدة الخاصة بالطبيب: -انا محتاج كشف مستعجل. أومأت وهي تخبره: -للأسف في كذا حالة مستعجلة برده قبل حضرتك قوس فمه وسألها: -يعني قدامي وقت أد ايه؟ أجابته وهي تشير للكشف أمامها: -لو مستعجل 5 حالات إنما بقى لو كشف عادي ففي 24 حالة. هز رأسه وضغط بأصبعيه تجويف عينيه: -احجزي مستعجل وشويه وهرجع. سحب زوجته الجالسة على المقعد ووقف خارج العيادة وأخبرها وهو ينظر لها بتفحص:

-أنا كنت لسه عند الدكتور اول أمبارح، وقالي ان عندي شوية ضغوطات مش أكتر وعارف اني اتنرفزت عليكي، بس مش منطقي ابدا يا ياسمين كل ما اتنرفز شويه أجري على الدكتور النفسي، أنا مش مجنون والمفروض انك ست عاقلة وزوجه تتحمل جوزها في عصبيته زي ما أنا بتحمل هرموناتك. بللت طرفي شفتيها ورفعت وجهها تنظر لعينيه المحتقنتين وسألته بهدوء ورهبة: -يعني انت هادي دلوقتي مش متعصب؟ أومأ وهو يؤكد: -أيوه، هديت بعد ما ركبت عنتر شويه، وانتي ابقى اركبي ياسمينا وخرجيها احسن هيجيلها اكتئاب من الحبسه في الاسطبل.

عنى بحديثه فرستها التي أشتراها لها بحفل مولد صغيرتهما ولم تجد الوقت حتى الآن لرعايتها، أومأت له وتلعثمت قليلا وهي تسأله: -أنت نسيت اللي حصل بينا في الحمام؟ دفع لسانه بداخل فمه للجانب ممتعضا وهو يرد: -عارف اني اتعافيت شويه، بس ما انتي ساعات بتطلب معاكي كده؟ تعجبت وانعقد جبينها بشدة وهي مندهشة: -بتطلب معايا انك تغتـ,ـصبني؟! سحبها بعيدا عن الممر قليلا وهو يرمقها بحيرة ودهشة: -اغتـ,ـصبك؟ انتي بتهزري صح!

نفت برأسها فضحك بسخرية: -أنا اغتـ,ـصبتك؟ انا اتعافيت عليكي شويه ومش اول مره ممارستي معاكي تبقى كده. نفت مجددا ونزلت عبراتها على وجهها ووجنتيها فحدق بها وعينيه جاحظتان من هول حديثها الذي وقع على رأسه وتكلم وهو مطبق لأسنانه: -اغـ,ـتصاب ايه يا ياسمين انتي عايزه تجننيني؟ محصلش بينا قبل كده إن الممارسه كانت عنيفة شوية وقولنا كسر ملل وتجديد واتبسطي بيها؟ حصل ولا انا مجنون وكنت بحلم. بكت وارتفع صوت نحنحتها وهي تفسر:

-حصل، بس لما يكون برضايا. ابتعد خطوة للوراء وهو مندهش من حديثها وسألها: -ليه؟ هو أنتي رفضتيني كمان وانا كملت غصب؟ هو أنا كنت شارب حاجه لدرجة اني لا كنت حاسس بنفسي ولا فاكر حتى اللي حصل! وجد انهيارها الوشيك فسحبها من راحتها صاعدا للطابق الثاني وهو يؤكد: -لأ أحنا كده فعلا محتاجين زياره للدكتور. سحبته تهمس ولا زال آثار البكاء عالق بصوتها: -طيب كلمه يفضي العيادة. لم يهتم بها ودلف فوجد المكان خال تماما والطبيب على وشك المغادرة فابتسم فور أن وجدهما وقال مازحا:

-كنت بدأت افقد الامل انكم جايين. التفت فارس برأسه ناحيتها وهو يتكلم بحدة: -ده انتي كلمتيه كمان! انا مش فاهم اللي بيحصل. أشار لهما جابر: -طيب تعالوا جوه ونتكلم بهدوء لاني حقيقي مفهمتش كلام المدام كويس. دلف ثلاثتهم وفارس يعقب: -والله ولا انا فاهم، دي بتقولي اغتـ,ـصبتني. جلس بعصبيته الهادرة على المقعد فجلست هي أمامه وجسدها يرتعش فتفاجي وجحظت عينيه ناظرا لها بذهول وحيرة: -انتي خايفه مني ليه كده؟ كل ده عشان اتعصبت شويه وقولت كلمتين في لحظة غضب؟

نفى الطبيب وهو يسأله: -هل لسه حاسس بنفس الغضب دلوقتي ولا هديت؟ أجابه وهو يجاهد غضبه: -مش اوي، هديت بس مش اوي، لكن ياسمين اصلا مش طرف ولا سبب في عصبيتي بس اتنرفزت عليها غصب عني. سأله جابر وهو يدون بعض الكلمات: -والممارسة؟ نهج بأنفاسه وهو ينظر لها مجيبا: -أكتر من مره ممارستنا تبقى فيها عنف بسيط، ولو حصل ورفضت الطريقه بوقف واهي قدامك اسألها. نظر لها الطبيب منتظرا تفسيرها للأمر:

-بيحصل فعلا، بس المرة دي كانت غير كل مره. سألها جابر: -وضحي الفرق من فضلك، هل ربطك أو ضـ,ـربك او استخدم أي معدات تعذيب أو اتعافى عليكي بعد رفضك للطريقة؟ نفت فتعجب وهو يسألها: -معلش يا مدام ياسمين اسمحيلي، أومال اغتـ,ـصبك ازاي؟ قصت له ما حدث بحرج وهي تحاول انتقاء كلماتها بعناية: -دخل الحمام بعد خناقتنا على مقاطعة اهلي وكان شكله يخوف بجد، وبدل ما يصالحني أو يحضني راااح… صمتت وأطرقت رأسها باكية فأكمل هو عنها:

-روحت ايه يا ياسمين؟ مارست من غير ما أصالحك؟ هو ده الاغـ,ـتصاب؟ وقف من مكانه وهو يدور حول نفسه مطنبا: -لما كل زعله بينا اجي اصالحك وبعدها ننام مع بعض بتكوني مبسوطة مش كده، بس المره دي انا مصلحتكيش عشان كنت لسه متعصب وعملت معاكي الحاجه اللي بحبها وبحس انها بتهديني… أوقفه الطبيب مستفسرا: -ممارسة عنيفة هي الحاجه اللي بتهديك؟ نفى بسرعة وموضحا: -لأ، ممارسه مع مراتي اللي بحبها، make love مش ممارسة وخلاص.

سألته وهي تبكي: -أي ممارسه حتى لو بالشكل ده؟ جلس أمامها على ركبتيه وأمسك راحتيها معا فحاولت سحبها منه ولكنه أحكم قبضته عليها: -لأ، كانت بطريقة وحشه ومهينه معاكي حق، بس مش اغـ,ـتصاب لانك لو كنتي رفضتي كنت هوقف وانتي عارفه ومتأكده من ده. حركت رأسها رافضة لحديثه: لأ يا فارس، شكلك واسلوبك وقبلها تهديدك ليا بولادي كلها كانت بوادر لنوبة الغضب اللي لو منعت نفسي عنك كنت هتعمل زي اول الجواز ومش بعيد كنت ربطتني وكملت بالضـ,ـرب.

نظر لها بحزن وشعر بسيلان أنفه من جديد فوقف بسرعة ملتقطا المحارم من أمام الطبيب الذي وقف بدوره يطمئن عليه ولكنه ابتعد ورفض المساعدة وهو يقول بامتعاض: -عمرك ما هتنسي، من ساعة ما بدأت اتعالج من بعد اليوم المشئوم ده مكررتهاش تاني، ومن ساعه ما رجعنا لبعض عمري ما عملتها ولا فكرت اعملها ولا في نيتي اعملها، بس انتي عمرك ما هتنسي. جلس على الاريكة المعدة لراحة المرضى أثناء جلسات علاجهم وأراح جسده عليها فاقترب منه جابر حاملا بيده جهاز لقياس الضغط وهو يسأله:

-قست ضغطك انهاردة؟ نفى فجلس بجواره وبدأ بقياس ضغط دماءه فلمعت عينيه وهو يخبره: -140 على 190. انتفضت ياسمين فورا وهو يضيف: -ضغطك عالي بشكل خطر، انا شايف نأجل الجلسه والعتاب والكلام ده وتروح حالا المستشفى. رفض وظل مسترخيا على الأريكة فصرخت به: -بتعاند ليه طيب؟ عشان خاطري روح المستشفى. ابتسم بحزن وهو يسخر منها: -خايفه عليا؟ بكت وانهارت وهي ترجوه: -يا فارس بلاش عشاني، عشان الولاد هم محتاجينك. اعتدل ونظر لها بضيق وسألها:

-وانتي مش محتجاني؟ اقتربت منه واحتضنته هامسة: -محتجاك، يلا نروح المستشفى ونتعاتب بعدين.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى