روايات

الفصل الرابع عشر من رواية طمس الهوية بقلم اسماء المصرى

الفصل الرابع عشر طمس الهويه

خرج اسمها من فمها بعفوية: -ياسمين. تحركت صوب الجناح وتبعتها المربية بعد أن حملت بيدها جهاز خاص بسماع الصغيرين عندما تكون بعيدة عنهما، طرقت حنان وهي تناديها: -ياسمين. لم تجد رد فكررت طرقاتها ونداءها: -ياسمين يا بنتي، أنتي جوه. ❈-❈-❈ بنفس اللحظة ظلت ياسمين داخل المرحاض بعد أن ارتعدت من تصرفه، وما زاد خوفها ورهبتها هو سماعها لتكسيره لبعض المقتنيات بالخارج فانهارت من البكاء ونظرت لراحتيها وما بها من حلى أحدها مطبوع اسمه بالداخل والأخر من الألماس الثمين والذي قدمه لها بذكرى زواجهما.

خلعت المحبسين من أصبعيها وألقت بهما على الأرض وهي عازمة على إنهاء عذابها الذي لم تعد تتحمله بعد فعلته الشنيعة معها. تخوفت حنان بالخارج من عدم ردها ففتحت الباب ودلفت فلم تجدها، ولكنها وجدت إناء زهور محطم ففزعت وهرعت صوب المرحاض المفتوح الباب على مصراعيه. وجدها تجلس بأرضية الحمام ترتدي ثوب الاستحمام وتضم ركبتيها بذراعيها ووجهها وعينيها محتقنتين بشكل محزن وتبكي بصمت. انحنت بمساعدة بوسي وسألتها بقلق: -ايه اللي حصل بس يا بنتي؟

انهارت بحضنها باكية وهي توضح: -فارس رجع أسوأ من الأول يا داده، أنا خلاص حياتي معاه انتهت لحد كده. ربتت على ظهرها تواسيها بعد أن لاحظت محبسها الذهبي ملقى على الأرض بالقرب من مكان جلوسها ولاحظت الآخر على بعد خطوات أيضاً فحزنت على حالهما: -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مبتلحقوش يا بنتي، لله الامر من قبل ومن بعد. رفعت ياسمين وجهها الباكي لمربية صغيريها وسألتها: -الولاد فين؟

أجابتها فوراً وهي ترفع الجهاز بيدها: -نايمين يا هانم، فارس باشا عدا عليهم باسهم ونزل. وقفت على الفور تسألها: -يعني هو خرج؟ أومأت فالتفت تطلب من حنان: -هاتي موبايلك يا داده بسرعة. ناولتها إياه وهي تسألها: -في ايه بس؟ لم تجب والتفت تطلب من مربية صغيريها: -روحي لبسي الولاد وجهزي لهم شنطه هدوم. وافقتها وخرجت فسألتها حنان باهتمام: -ناوية على ايه؟ رأت الغضب وقد تجلى بعينيها وملامحها فحاولت تهدأتها مؤكدة:

-لما يهدى هيعرف انه زعلك وهيصالحك، بلاش تكبري الموضوع يا بنتي جوزك… قاطعتها رافضة: -اوعي تقوليلي جوزك بيحبك، اوعي يا داده أنتي متعرفيش عمل معايا ايه. تحركت وهي تنهي حديثها فربتت حنان على كتفها وتبعتها خارج المرحاض متسائلة: -طيب انتي تتخيلي إن فارس يزعقلي ويهيني؟ حدقت بها بذهول وهي تسألها: -ده افتراض ولا حصل فعلا يا داده؟ بكت حنان وهي تقول:

-حصل يا بنتي، اول مره من اربع سنين من ساعة ما جيت عشت معاه يعملها، والصبح اللي دار بينه وبين فريده هانم وخلته عمل اللي عمله في المكتب وبعدها زعيقه لمازن واللي كان معاه بالشكل الرهيب ده ورجع كسر المكتب ومعاهم منظر الاوضة واللي عمله فيها ده معناه ايه يا ياسمين؟ لاحظت صمتها وشرودها فاقتربت منها ممسكة بكتفيها لتسترعي انتباهها: -ده معناه انه بيمر بأزمة كبيرة اوي، وأكيد انتي عارفه ايه اللي حصل.

صرت على أسنانها وهي تجيبها: -حتى لو عارفه، حتى لو عنده مشاكل فأنا مليش ذنب أبدا كل مره يبهدلني بالشكل ده. كلماتها خرجت متقطعة وكأنما أصابها مرض التلعثم؛ فحاولت حنان مؤازرتها بكافة الطرق وربما إصلاح ما أفسده من اتخذته ولدا: -طيب أنتي عايزه تكلمي مين؟ أجابتها بنفس التلعثم والانهيار: -اهلي، عايزه اهلي. نزلت دموع حنان على وجنتيها وهي تسألها: -نويتي تسبيه لوحده في الظروف اللي هو فيها؟ طيب افتكريله حاجه كويسه واحده.

ابتسمت ساخرة وهي تعلق عليها: -للأسف كل الكويس بيمحيه بعمله واحده من اللي بيعملها معايا، سبيني يا داده الله يخليكي امشي قبل ما يرجع ويحبسني زي زمان. تبعتها للخارج وهي تتوسل لها: -طيب استهدي بالله واستنيه يرجع وأنا… قاطعتها فورا ولم تتركها تكمل: -لأ يا داده، أبوـ,ـس ايدك سبيني. بكت حنان وهي تمسكها من ذراعها: -لو سبتيه هيضيع يا بنتي، لانك انتي الفرامل بتاعته ولو سبتيه هيدهس الكل وبعد ما يأذيهم مش بعيد يأذي نفسه.

دلفت غرفة الصغيرين فأضافت حنان: -طيب فكري في ولادك وانهم يبعدوا عن ابوهم، ده بيعشقهم وزي ما ميقدرش يعيش من غيرك برده ميقدرش يعيش من غيرهم. انهارت ياسمين وهي ترجوها: -يا داده الله يخليكي كفايه، مش هقدر، انتي متعرفيش حاجه أبـ,ـوس ايدك سبيني ولو مش هتساعديني أمشي من هنا يبقى على الأقل متمنعنيش. أخرجت حنان تنهيدة انهزام وفقدان للأمل وأومأت باستسلام: -اعملي اللي يريحك يا بنتي ضـ,ـربت كف على كف وفكرت وهي بطريقها لأسفل، هل عليها الأن إخباره أن زوجته ستترك عش الزوجية بطفليها أم تبتعد عن التدخل في شأنه كما طلب منها منذ قليل؟

أهداها عقلها لربما إن أخبرته فيعود ويلحق بها قبل مغادرتها ويراضيها وربما لا! ربما يعود غاضبا من محاولتها تركه فتتأزم بينهما الأمور أكثر إن ما قام بحبسها كما تتوقع الأخرى؛ فتشتت تفكيرها واختارت عدم التدخل عله يهدأ ويعود لصوابه الذي فقده بكل تأكيد. تركتها ونزلت الدرج متجهة للباب الداخلي وسألت أحد الحراس الواقفين بالقرب منه: -متعرفش فارس راح فين يا بني؟ أجابها باحترام وتوقير: -ناحية الاسطبل يا ست الكل، غالبا بيجهزوله الحصان بتاعه.

أومأت وقررت الصعود لتخبرها أنه لم يغادر المنزل كما ظنت فوجدتها تطلب من بوسي: -هاتي موبايلك اعمل منه مكالمه فوني فاصل. ناولتها الهاتف مبتسمة فتركت الصغيرين بحوزتها وتقابلت وجها لوجه مع حنان التي اخبرتها فورا: -فارس لسه في الفيلا، في الاسطبل. ابتلعت ياسمين ريقها بغصة مؤلمة وفكرت بداخلها: -هيحبسني ويأذي اهلي لو حاولت اخرج أنا متاكده، اعمل ايه بس يا ربي؟ فكرت وفكرت وتركتها دالفة جناحها وأغلقت ورائها الباب بالمفتاح وبدأت تفتش بالأدراج حتى وجدت الكارت الخاص به وهاتفته فرد الطرف الآخر بعد عدة رنات:

-ألو، عيادة الدكتور جابر الجيار للأمراض النفسية. نظرت مجددا بالكارت الذي بيدها فأيقنت أنه لا يوجد به الرقم الخاص ولابد أن رقمه الخاص يعطيه فقط لمرضاه ذوي الشأن فتنحنحت متسائلة: -ممكن أكلم الدكتور؟ رفض المساعد وهو يوضح: -آسف يا فندم بس الدكتور معاه حالات وحجوزات كتير، اقدر أساعد حضرتك بايه؟ ردت بعصبية: -ساعدني بأنك تديني الدكتور. بالطبع هو مدرب للتعامل مع تلك الحالات من الهياج والعصبية فحاول امتصاص غضبها: -طيب بس قوليلي اسمك عشان اطلع الملف بتاعك واسجل رسالتك فيه للدكتور واول ما الحالة اللي جوه…

هدرت به بغضب: -اسمع بقى، بلغه اني الحالة اللي بتحجز العيادة برايفت وأكتر من كده مش هقدر أقولك. تفهم المساعد ووقف وهو لا يزال يحدثها: -طبعا طبعا لحظة معايا. طرق الباب ودلف هامسا بأذن الطبيب: -الحالة اللي بتحجز العيادة برايفت. تعجب من يكون يا ترى فهو لديه أكثر من حالة على هذا النهج وجميعهم من علية القوم وجميعهم أيضا يملكون رقم الهاتف النقال الخاص به، ولكنه لم يترك مجالا للتفكير بعد أن استأذن من مريضه:

-ايه رأيك نكتفي بكده واشوفك المره الجاية؟ وافقه المريض وخرج فتناول الهاتف من راحة مساعدة وأجاب: -ألو! سألته بتوتر: -حضرتك الدكتور جابر؟ أكد لها: -أيوه يا فندم، مين معايا؟ أجابته وهي تنظر من نافذة الجناح على مد بصرها لموقع الاسطبل: -أنا ياسمين غزال مرات… قاطعها وهو يرحب بها: -طبعا يا فندم أهلا بيكي، لحظة معايا. تركها على الهاتف ونظر لمساعده يسأله: -في حالات أد ايه بره؟ أجابه موضحا: -3 حالات.

أومأ وهو يأمره: -متدخلش حد إلا لما أرنلك الجرس. خرج المساعد فعاد جابر يحدثها: -معاكي يا ياسمين هانم، خير؟ بكت بانهيار وهي تخبره بتفاصيل ما حدث معها بتلعثم وانهيار والآخر يجاهد ليفهم مقتطفات من حديثها، وعندما شعر أنه مشوش أسكتها قائلا: -بالراحة بس عشان أفهمك، يعني دلوقتي فارس باشا انتكس؟ أومأت تلقي بكلماتها بسرعة دفعة واحدة وهي ترتعش من التوتر والألم الداخلي الذي تشعر: -أيوه، أومال تفسيرك ايه للي حكيته؟

زم الطبيب شفتيه للأمام وهو يتعجب: -أصله كان عندي من يومين لأنه حس بانتكاسه بس أنا لقيته كويس وطمنته، أنتي قولتيلي اغتـ,ـصبك؟ بكت بانهيار وهي تجيبه: -أيوه، أرجوك قولي أعمل ايه أنا خايفه منه اوي لأنه أخد موبايلي وشكله كده هيحبسني زي زمان. فكر قليلا واستمع لها وهي تضيف: -انا مشفتوش بالحالة دي حتى فـ الوقت اللي حضرتك كنت بتعتبره فيها مريض، يعني معنى كده انه بقى أسوأ من الأول

عقب عليها بمهنية: -أنا مقدرش احدد إذا اللي حكتيه ده انتكاسه فعلا ولا نوبة غضب إلا لما اشوفه. صرت على أسنانها وهي تهدر به: -يا دكتور بقولك اغتـ,ـصبني، نوبة غضب ايه بس ارجوك شوفلي حل عشان ميأذنيش واعرف أروح لاهلي، هو انا لسه هستنى لما تعالجه تاني؟ تعجب من حالتها فسألها بحيرة: -للدرجة دي مش قادره تتحملي؟ بكت وهي تجيبه بحرقة: -بقولك اغـ,ـتصبني وهددني بولادي و…. قطعت حديثها على صوت محاولة فتح الباب من قبله فارتبكت وهي ترجوه بهمس:

-فارس رجع، يا دكتور أنا خايفه قولي اعمل ايه بسرعة. أجابها محاولا الوصول لحل لتلك المضلة: -اتعاملي معاه بالراحة، بلاش تستفزيه وحاولي تقنعيه يجيلي أو يكلمني حتى. بكائها جعلها تخرج كلمات غير مفهومة ولكنه استشف بعضها: -أخاااف اكلمه يجيلك، أنا حاسه اني همـ,ـوت ورعبي منه دلوقتي اكتر من أي حاجه. طمئنها وهو يؤكد: -يا مدام ياسمين، فارس باشا بيحبك ولو دي نوبة غضب أو انتكاسه فانا وحضرتك عارفين أنه بيعرف يلحق نفسه وهيهدى ويرجع طبيعي، المهم حاولي متسفزيهوش ولا تردي عليه الند بالند وبالحنيه والحب كده اقنعيه يجيلي.

أغلقت الهاتف وتوجهت لفتح الباب بعد أن طرق عدة مرات بعنف فنظر لها وهي تتحاشي النظر له وسألها بصوت غليظ: -قافله الباب ليه؟ ردت وعينيها تنظران للأرض: -أسفه. دلف وجلس على الفراش فرأي الهاتف النقال ملقى بجواره فسألها رافعا حاجبه: -ايه ده؟ قضمت شفتيها داخل فمها وقبل أن تتحدث وجدت المربية تستأذن بلباقة: -آسفه يا هانم بس نسيت تليفوني. لمعت عينيها وشعرت بالارتياح بعد أن أنقذتها مربية صغيريها ولم تعقب بعد أن أمسكه فارس وناولها إياه فخرجت مغلقة الباب ورائها.

سحب هو نفسا عميقا وزفره بحدة وخلع عنه ملابسه متوجها للمرحاض: -ممكن تطلعيلي هدوم؟ أومأت وهرعت لتنفيذ طلبه فاغتسل وخرج وبدأ يرتدي ملابسه وهي لا زالت على حالتها الصامتة والهادئة، انتهى من ارتداءه ووقف متحركا للخارج وهو يخبرها: -هنزل المكتب اشتغل شويه، لو عايزه تنامي نامي ومتستننيش. لم تعلق على حديثه وتركته وجلست في حيرة من أمرها فذهبت لغرفة صغيريها لتجد المربية تقوم بإرجاع ملابس الصغيرين للأدراج وعندما انتبهت لها أخبرتها السبب:

-انا فهمت إن في مشاكل وخوفت يشوف الشنط فيعرف أن حضرتك كنتي ناويه تمشي، ده غير داده حنان اللي قالت لي اروح آخد منك التليفون عشان ميتعصبش.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى