روايات

الفصل الخامس عشر من رواية طمس الهوية بقلم اسماء المصرى

الفصل الخامس عشر طمس الهويه

أومأ وهو يؤكد عليها: -بس عشان تعرفي انك كمان هتتعالجي زي الدكتور ما قال، هتشوفيه هيرشح لك مين من الدكاتره وتروحي من غير حجج. وافقته بحركة طفيفة من رأسها، كل هذا والطبيب النفسي يراقبهما من أمام شاشات المراقبة الموضوعة بداخل مكتبه، وفور أن شعر أنهما أصبحا على خير ما يرام استدعى الطبيب المختص بحالة فارس المرضية فصعد الأخير وقام بالاسعافات اللازمة له وتحركا للعودة لعشهما الهادئ. ***

استيقظ قبل صوت مؤقته ودلف المرحاض ليزيل عنه إرهاق ليلة أمس بكل ما فيها من حلوها ومرها بعد أن انتهت زيارته مع طبيبه أمس بطلب الأخير له بالمكوث بالمشفى لرؤيته الخاصة بأمر مرضه الذي لا يعلم عنه سوى القليلون ممن حوله وأولهم زوجته التي تنال النصيب الأكبر من تداعيات هذا المرض. وقف أسفل المياه وهو يتذكر عودته معها ومكوثها بغرفة صغيريها حتى تلك اللحظة بعد أن تحججت أنها تود الإطمئنان عليهما ولم تعد إلى الآن؛ فلم يرد أن يزعجها وتركها تفعل كما يحلو لها.

خرج من أسفل المياه ساحبا منشفة وربطها أسفله فالتقطت عينيه شيئا ما يلمع بالأرضية الرخامية فانحنى ليلتقطه فتفاجئ عندما وجده محبس زواجهما الذهبي والمنقوش اسمه بالداخل، هذا الذي لم تقم بخلعه من بنصرها الأيسر منذ أن تزوجا وحتى بفترة انفصالهما. تنهد بحزن وخرج ليكمل ارتداء ملابسه استعدادا للمغادرة؛ فتفاجئ بها داخل الجناح تحضر حقيبته بنفسها فتكلم وهو يقترب منها بحذر: -صباح الخير. ردت وهي لا تنظر له وتصب كامل تركيزها على ما تفعله:

-صباح النور. دلف غرفة ملابسه ليلتقط شيئا يرتديه واختار اليوم ارتداء شيئا نهاريا من تلك الملابس الشبابية التي اشترتها له زوجته وقت سفرتهما، وخرج ليجدها لا تزال تركز بتجهيز حقيبته فاستهل هو الحديث متسائلا: -صاحية بدري ليه كده؟ تركت ما بيدها بعد أن انتهت: -قولت اجهزلك الشنطه. شردت به وبما يرتديه وبذكرى شرائهما لتلك الملابس وحقيقة أنه ولأول مرة يرتديها وابتسم هو بزواية فمه ورد ساخرا عندما وجدها انتهت من تحضير حقيبته:

-ده انتي مستعجله اوي على مشياني من البيت. لم تعقب وأطرقت رأسها لأسفل فاقترب منها ورفع وجهها لتنظر له وتكلم وهو يركز حدقتيه بخاصتها: -بلاش تشيلي مني اوي كده يا ياسمين، انا غلطت وغلطي كبير ومش عايز غير انك تسامحيني. رفع يده اليمنى ممسكا بمحبس الزواج وأضاف بحزن: -اول مره تقعليها من ايدك. مسك راحتها اليسرى ونظر لبنصرها الخال وتلك العلامة التي تركها المحبس به فداعبها بأصبعه: -الدبله سايبه حفر في صباعك من كتر ما بتلبسيها.

دمعت عينيها فصاح راجيا: -طيب اتخانقي معايا، عاتبيني، ناقشيني بس بلاش السكوت ده. مسحت وجهها وتكلمت اخيرا وهي تشعر أن رأسها سينفجر مما تشعر به من ألم: -أنا قولتلك نتكلم بعد ما تخرج من…. قاطعها وهو يتنهد محاولا تمالك نفسه أمامها: -مش ال3 ايام دول هم اللي هيحلوا مشاكلنا يا ياسمين، أنتي لازم تفهمي اننا عندنا مشكله ومش هتتحل من يوم ولا اتنين ولو مش هتقدري يبقى زي ما قولتلك امبارح ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

رمقته بنظراتها الواجمة وتكلمت وهي مقوسة فمها: -أنت مش ملاحظ انك من امبارح اتكلمت اكتر من مره في الانفصال وأنا لأ! الطبيعي انا اللي اطلب ده بس عادي أنا تعودت على طريقتك يا فارس. جعد جبينه مرددا بدهشة: -طريقتي؟ أومأت وهي توضح: -تغلط وتحول الموضوع إن انا الغلطانه او المتسرعة أو اللي فهمت غلط، بس تمام خلينا نأجل كلامنا لما ترجع. لم يتحمل طريقتها ولا حتى تقبلها الشكلي للأمر فهتف بضيق:

-أنا بعمل كده؟ واضح انك بعد كل ده ومعرفتنيش لسه؟ لم تعقب عليه فسألها: -بعد ما أخرج ايه اللي هيتغير فهميني؟ هكون اتعالجت مثلا فهتعدي اللي حصل وتكملي معايا؟ ولا انتي عارفه إن المده مش كافيه فهتكوني مستنيالي على غلطه؟ أدارت وجهها فلفها بسرعة وهو يتكلم بعصبية: -متدنيش ظهرك وأنا بتكلم، فهميني ناويه على ايه؟ ارتعشت شفتيها وحاولت إخفاء حزنها وكتم دموعها فخرج صوتها مبحوحا: -ناويه اقف جنبك يا فارس عشان بحبك، بس لازم اسلوبنا مع بعض يتغير.

ابتلعت ريقها وسعلت قليلا لتزيل بحة صوتها وأضافت: -مش واخد بالك ان دي اول مشكله تعدي علينا ومطلبش الطلاق؟ آه كنت ناويه اروح لأهلي لاني خوفت منك بس مكنتش هطلب الطلاق ومش علشان بينا ولاد زي ما قولتلي، لكن عشان بحبك. غزا حديثها كل كيانه فاقترب منها محاولا سحبها داخل حضنه ولكنها أبت وهي تؤكد:

-مش معنى كلامي اني مسمحاك، بس هستحمل عشان مكنتش في وعيك واللي اكدلي ده هو انك مفكر اللي حصل عادي، لانه مش عادي يا فارس، العادي لما بنكون مع بعض هو الحب والحنيه ونبادل بعض كل حاجه من مشاعر لرغبه حتى لو كانت بالقوة، لكن اللي حصل منك كان إهانة وعقاب في صورة ممارسه عنيفه وجعتني، وجعتني نفسيا وجسمانيا. ظل يستمع لها وهي توضح مدى معاناتها: -العادي بتاعك لما بتكون عايزني بالشكل ده انك تهديني وتفهمني والاكتر من ده انك كنت دايما بتأكد عليا لو في اي حاجه حصلت مش متقبلاها اني ارفضها عشان افرملك لو الامور خرجت من اديك.

رد وهو ممسكا بكتفيها يقربها منه: -وليه معلملتيش كده؟ ليه موقفتنيش؟ كنت هفوق ومش هكمل بالشكل ده. بكت وهي تستطرد: -أنت مكنتش حاسس بنفسك عشان كده أنا سكت ولو كنت منعتك معرفش ساعتها رد فعلك هيكون ايه! انت عملت كده وانت مش حاسس وده أنا مقدره وفهماه، بس مش هقبل انك تقلل منه وتقول انه عادي. بلل شفتيه وأومأ مؤكدا: -لأ مش عادي، وآسف، وعارف مفيش حاجه ممكن اعلمها تنسيكي اللي حصل بس عندي امل تسامحيني وتطلبي مني الترضيه اللي تناسبك وهعملها من غير نقاش.

كل ما مرت به معه حتى الآن ربما يظن البعض أنه مر مرور الكرام، ولكن حقيقة مشاعرها المختلطة الآن ما بين عشقها له وبين رهبتها منه جعلتها تتردد باتخاذ قرارها، ولكن مهما حدث فهي تعشقه كما تعشق التربة المياه، تحبه ولا يمكنها أبدا التخلي عنه خصوصا وهي تعلم ما مر ويمر به إلى الآن. رفعت وجهها ناحيته تسأله بتوتر: -هتراضيني فعلا ولا كلام عشان اسامحك؟ ابتسم وقبلها من جبينها مؤكدا:

-لو طلبتي مني المستحيل هعمله عشانك، ومش كلام يا سلطانه وانتي عارفه ده. سحبت شهيقا بداخلها وأخرجته ونظرت له تفكر بكيفية الاستفادة من هدوءه هذا لتساعده أولا للرجوع لما كان عليه قبل أن ينفجر غاضبا بسبب الأحداث الأخيرة، وبنفس الوقت لا تثير حنقه تجاه طلبها هذا. تكلمت بعد تنهيداتها العميقة: -أنا فكرت ايه ممكن اطلبه منك عشان تراضيني يا فارس بس ملقتش حاجه نقصاني، حقيقي أنت مش مخليني محتاجه حاجات ماديه خالص بس اللي محتاجاه هو حاجات معنويه.

استمع لها بتركيز واهتمام: -يعني مشاعر وتصرفات مش هدايا وألماظ. تذكرت الخاتم الماسي الذي ألقته برفقة محبسها فسألته: -بمناسبة الألماظ، مشوفتش الخاتم الألماظ مع الدبلة؟ نفى بحركة رأسه فحاولت التحرك للبحث عنه: -اكيد جوه. سحبها من ذراعها وطلب منها بهدوء: -خلينا نكمل كلامنا الأول، عيزاني اعمل ايه عشان أراضيكي. رمشت بعينيها وأومأت وهي تكمل: -ترجع فارس الهادي والرومانسي وتحاول تبطل العصبية وأسلوب التحكم. أومأ فأضافت: -عايزه فارس اللي بيصلي وبيشدني معاه للصح وبيفكر في ربنا قبل ما يفكر في هيبته وغروره والأهم من ده كله تفتكر انك رايح تحج لبيت ربنا فلازم تصرفاتك كلها تناسب ده.

ارتمت بداخل حضنه قاصدة إخفاء وجهها حتى لا يرى توترها ولا خوفها من كلماتها التالية وهي تستطرد: -والأهم من كل ده تمشي قانوني في موضوع چنى لأنك شوفت لما مشيت مش قانوني الوضع مبقاش شرعي كمان ودخلنا في حرمانيه ازاي. شعرت بأنفاسه المتلاحقة وصدره الذي أرتفع وانخفض من حدة تنفسه؛ فابتعدت رافعه وجهها ناحيته لترى ملامحه وهي تسأله: -عندك استعداد تعمل ده ولا هتخذلني؟ سألها وعيونه اللامعة بحزن وغضب ترتكز على صفحة وجهها البيضاء:

-ولو نفذت كل طلباتك ما عدا الطلب الأخير؟ ارتعشت شفتيها وهي تجيبه: -أنا عمري ما هسيبك لو فاكر اني بساومك على وجودي معاك يا فارس، بس… صمتت ودمعت عينيها وهي تضيف: -مش عايزه الشرخ اللي بينا يزيد، عيزاه يلم ويتقفل. أومأ وهو زاما شفتيه بقوة مطبقا على أسنانه: -حاضر، هعملك كل اللي طلبتيه وهمشي في الموضوع قانوني. لمعت عينيها بالفرحة وابتسمت تحتضنه بقوة وتسأله: -بجد؟ ربت على ظهرها وأكد: -بجد.

هم بتقبيلها ولكن طرقات الخادمة على الباب ما قاطعه واستمع لمن بالخارج: فارس باشا، عيلة ياسمين هانم تحت. رد وهو يبتسم لزوجته: -بلغيهم اننا نازلين، وحضروا الفطار بسرعه. ردت الخادمة: -الفطار جاهز يا باشا.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى