
سيطر الغضب على سلمى وهي تقف في مطبخها تقلب في صفحات الكتاب وكأنها تبحث عن كنز ثمين، وقالت: «أين ذهبت الوصفة؟ ألم أقل لكي لا تتحركي؟». حاول نور كتم ضحكته وهو يرى هيئة زوجته وغضبها الطفولي وقال: «وصفة عديمة الأخلاق، لا تسمع الكلام». رفعت وجهها إليه وقد كساه العبوس أكثر وقالت بحدة: «تسـ,ـخر مني يا نور؟! تسـ,ـخر مني وأنا أريد إسعادك وإعداد الكعكة التي تشتهيها!». لم يستطع نور التحكم في ضحكته أكثر من ذلك فأفلتت منه وقال:
«لو وضعتِ نفسك مكاني ورأيتِ هيئتك تلك لضحكتِ أكثر من ذلك». ازداد احمرار وجهها ودبت الأرض بقدمها وقالت: «لماذا؟ هل تراني مهرجًا أم أمشي على بطني كالسلحفاة؟». كاد نور أن يجيبها لولا ارتفاع صوت الهاتف الأرضي، فرفعت سلمى سماعة الهاتف وسمعها تقول «مرحبًا يا أمي، كيف حالك؟». صمتت ثوانٍ تستمع خلالها إلى رد والدتها ثم عادت تقول: «أمي… هل تذكرين طريقة إعداد الكعك؟». وصمتت من جديد بضع لحظات وقالت بعدها:
«حسنًا يا أمي… فهمت الطريقة… شكرًا لكِ». وضعت سماعة الهاتف ثم رفعت رأسها إلى نور وقالت بتحدٍ: «لقد أعطتني أمي الوصفة، وأعدك أن أعد كعكة لم ترَ مثلها في حياتك، وحينها ستكون مضطرًا على الاعتذار مني على سخـ,ـريتك». مرت ساعة تلو الأخرى ولم تخرج سلمى من المطبخ، فتوجه نور للمطبخ ليرى ماذا تفعل زوجته، وما إن خطى أول خطواته داخله حتى وجد سلمى ترفع يدها في وجهه مستوقفة إياه قائلة:
«توقف عندك لا تدخل». قال بدهشة: «لماذا؟ ألم تنتهي بعد؟». أعطته ظهرها و قالت وهي منهمكة في فعل شئ ما ” لا لقد انتهيت منها و لكن أضع اللمسات النهائية عليها ” و بعد مرور بضعة دقائق خرجت سلوي من المطبخ حاملة الكعكة في يدها و أبتسامتها تملأ وجهها و قالت و هي تضعها علي الطاولة أمام نور “ما رأيك في الكعكة التي أعددتها …. رائعة أليست كذلك” أتسعت عينا نور بفزع و هي يري الكعكة و رفع وجهه الي زوجته ينظر لها بصدمة من ما رأه فقالت سلوي
“لهذه الدرجة انت منبهر بكعكتي … ألم أخبرك انك لم تري مثلها ” عاد ينظر للكعكة من جديد وقال بأسي “معكي حق … أنا لم أري و لن أري مثلها أبدًا في حياتي” أنهي جملته و رأي ابنته صغيرة أتيه نحوه فاستوقفها قائلا “توقفي يا نشوي لا تنظري ” وضعت يديها في خصرها بغضب طفولي وقالت: «لماذا… ماذا تخفي عني؟». أنهت حديثها ونظرت على الطاولة لترى الكعكة التي أعدتها أمها فصرخت بفزع.
قال نور وهو يحتويها بين ذراعيه: «ألم أقل لكي لا تنظري… اهدئي يا صغيرتي… اهدئي». كسي الحزن وجه سلمى وهي ترى ردة فعل ابنتها وحديث زوجها وقالت بصوت مخنوق: «أنا لم أقصد إخافتكم… أردت فقط تزيينها ورسم وجه مبتسم عليها». أنهت جملتها وفرّت دمعة من عينيها فمسحتها سريعًا وقالت: «لقد نسيت ضوء المطبخ مفتوح… سأذهب لأغلقه»، وانصرفت سريعًا من أمامهم. لم تغب عن نور عيناها الحزينة ودمعتها النافرة، فاقترب من ابنته قائلًا:
«حان وقت نومك يا نشوى… هيا اذهبي لفراشك». أنهى جملته وطبع قبلة حانية على جبهتها، وانتظر حتى ذهبت إلى غرفتها وذهب هو خلف زوجته. شعرت سلمى بخطوات خلفها فمسحت دموعها والتفتت لتواجه زوجها. قال نور بحنان: «لم كل هذا الحزن؟» قالت بدهشة مصطنعة: «حزن؟… أنا لست حزينة». اقترب منها وقال وهو يداعب شعرها: «حبيبتي الكاذبة… لو حاولتِ إخفاء حزنك عن الجميع فلن يخفى عني أبدًا». عادت دموعها تنهمر من جديد وقالت:
«أنا لم أقصد إفسادها… صدقني كنت أريد صنعها من أجلك». امتدت أنامل نور تمسح دموعها برقة بينما التفّت يده الأخرى حول خصرها يضمها إليه وقال بحنان: «وأنا يكفيني أنك حاولتِ صنعها وأنتِ لا تجيدين الطبخ من أجلي… ثم إنها ليست سيئة إلى هذه الدرجة، فقط شكلها هو المخيف». قالت: «آسفة… أعدك في المرة القادمة أن لا أزينها». شد نور من ضمها له وقال: «أعتقد أنه أنا من يجب علي الاعتذار هذه المرة، فأنا السبب في تلك الدموع… آسف… ما رأيك في سهرة ليلية في الحديقة على ضوء القمر؟».
ابتسمت بحماس وقالت: «تسألني… بالطبع أوافق»، ثم قالت وكأنها تذكرت شيئًا: «ما… ولكن نشوى». قال بهدوء: «نشوى خلدت للنوم». وبعد قليل كانا يجلسان في الحديقة، وعلى الطاولة أمامهم طبق فيه قطعة من الكعكة. قطع نور قطعة من الكعكة بالشوكة ووضعها في فمه ليتذوقها، وقال لسلمى التي تنظر له في ترقب: «جميلة يا حبيبتي… سلمت يداك». ابتسمت سلمى بتردد وأخذت قطعة لتتذوقها، ولكن ما إن وضعتها في فمها حتى انكمشت ملامحها بضيق وهي تحاول مضغها وقالت:
«ما هذا… إنها بشعة… كيف أكلتها يا نور؟». أمسك نور يدها ورفعها ليقبـ,ـلها بحب وقال: «سبق وقلت لك يكفيني أنك صنعتها من أجلي».




