
-جوجو يا حبيبتي، عامله ايه دلوقتي؟ بكت بحضنه وهي تسأله: هونت عليك تسيبني وتسافر؟ أجابها وهو محكما لذراعيه حولها: -معلش يا جوجو الشغل ظروفه كده وبعدين منا سايبلك مازن اهو معاكي ليل ونهار. جلست وهي لا تزال بحضنه وعاتبته: -بس برده زعلانه منك، كنت حتى اسأل عليا بالتليفون؟ رد وهو يقبل أعلى رأسها: -كنت بسأل عليكي كل يوم يا مع مازن يا ياسمين. نظرت لياسمين وتكلمت بضيق: -دي جاتلي مرتين بس. اعتذرت الأخيرة منها: -حقك عليا والله، بس مكنتش عارفه اسيب البيت وفارس مسافر.
ظلت بداخل حـ,ـضنه واستمعت له يرحب بأخويه: -ازيك يا ساهر وأنتي يا ميار؟ ردا بنفس واحد: -الحمد لله. سألته اخته باهتمام: -انت عامل ايه؟ عينك حمره ليه كده؟ رد مبتسما: -الضغط بس مش متظبط اليومين دول. انتبهت ياسمين لحديثها فنظرت لحدقيته لتجدهما قد تلونتا بالأحمر القاني وربطت ما بين تغير لونهما وانفراده بوالدته منذ قليل فتأكدت أن هناك أمرا جللا يحدث بينهما وهو كالعادة اختار تخبئته والتعامل معه بمفرده دون مشاركتها معه فتنهدت وهي تستمع له يحدثهم:
-بالمناسبة، عايزكم بكره تعملوا توكيل قضايا لمحفوظ المحامي بتاعي عشان يخلص لكم شويه حاجات خاصه بالأسهم بتاعة الشركة. سأله ساهر: -في مشكله ولا حاجه؟ أنت معاك صلاحيات توقيع وإدارة… قاطعه فارس بفروغ صبر: -ده شغله هو بقى، اعملوا التوكيلات له عشان يظبط لكم الشغل وأصلا محفوظ هيجيب معاه الموظف يعملكم كل حاجه وانتو في مكانكم من غير تعب. ظلوا جميعا بتلك السهرة العائلية وهو جالسا ينظر للجميع صامتا لا يتحدث فاقترب منه اخيه وسأله: -فيك ايه يا مازن؟
أجابه مبتسما: -مفيش يا ساجد، تعبان شويه غادر الجميع وعلى رأسهم فارس الذي ظل حانقا وحاول أن يخفي غضبه دون جدوى وفور أن دخل من باب فيلته هتف يحدث ياسمين: -هدخل المكتب اشتغل شويه، ياريت محدش يزعجني. بالطبع هي تعلم جيدا سبب حالته، أو على الأقل تعلم أن لوالدته ضلعا اساسيا بحالته تلك فصعدت تطمئن على صغيريها وقررت النزول من جديد للتحدث معه وربما إجباره على إخبارها لما يحدث معه.
دلفت وراءه بعد أن وجدته شارداً ووجهه محتقن بالحزن أو الغضب ربما، وكان من الطبيعي أن تستمع له عندما أخبرها أنه يريد البقاء بمفرده قليلاً، و لكنها تعمله جيداً ربما أكثر ما يعلم هو نفسه؛ فلم تعر لأمره المستتر أهمية وتبعته لغرفة مكتبه، فحتى وإن قال أنه يريد الإختلاء بنفسه لإنهاء بعض مهام العمل إﻻ أنها متأكدة تمام التأكد أن هناك أمراً جللاً قد حدث ولا يريد أن يشعرها به. رفع رأسه المسندة على مكتبه عندما شعر بها تغلق الباب وراؤها، فحاول أن يتمالك نفسه قليلاً، ورمقها بنظرة متضايقة و هتف:
-مش قولتلك يا ياسمين محتاج أقعد مع نفسي شويه عشان الحق اخلص الشغل اللي ورايا؟ انتي ليه مبتسمعيش الكلام؟اقتربت أكثر غير مهتمة بحدته، فهي لن تهتم سوى به وبحالته الحزينة التي تعلمها جيداً، فقالت بصوت مهتز: -كنت دايماً بتقولي أنا الوحيده اللي مسموحلي أشوفك وأنت بالحالة دي، إيه اللي أتغير دلوقتي؟أجاب فوراً و بحدة: -حالة إيه؟ أنا كويس بس مشغول.اقتربت أكثر حتى باتت تقف بجوار مقعده، وربتت على كتفه وهمست بحب:
-كده برده يا فارس؟ أنت فاكر إنك تقدر تخبي عليا حزنك واللي جواك؟ انت كنت هادئ خالص وعينك مكانتش حمره بالشكل ده لحد…أدار وجهه للناحية اﻷخرى وزفر أنفاسه عاليا وتحدث مقاطعا إياها: -أنا مبقتش عارف أتنفس من حصارك ليا، مش فاهم بقيتي كده ليه؟! عيزاني هادي ومخبيش عنك حاجه بس متنرفزش لا عليكي ولا مع نفسي، ارحميني شويه وسبيني لوحديرفضت بتعابيرها أن تغادر فانتفض واقفا بغضب وهو يضيف: -هو مين فينا الراجل ومين الست؟ اوعي تفتكري عشان غلطي اللي فات هقبل أكون النموذج اللي انتي عيزاه ده.تجعدت ملامحها ورددت حديثه بذهول:
-مين الراجل ومين الست؟ إيه الكلام ده؟ ونموذج ايه ده؟ انت سامع نفسك؟ اندفع مبتعدا عنها وهو يهدر بها: -اديني مساحتي يا ياسمين مش معقول كده، أنا بقيت حاسس بخنقه من الأسلوب ده، ومع ذلك بحاول مزعلكيش، وعشان مش قادر اتحكم في نفسي دلوقتي بقولك ابعدي، وعشان مش عايز آخد المهدئ هتعصب غصب عني فبقولك ابعدي.
هل يجب عليها الإستسلام اﻵن؟ و ربما اﻻبتعاد مما تراه أمام عينيها من نوبة غضب وشيكة، ستكون هي ضحيتها بالتأكيد كما حدث سابقا، ولكنها الآن على يقين أن سبب تلك الحـ,ـادثة المزعجة التي أرقت عليهما حياتهما كانت والدته ولا غيرها وحقا لن تهتم حتى وإن قـ,ـتلها فهي تعلم تمام العلم أنه لا يمكن أن يصبح هكذا إﻻ بسبب أمراً جللاً، مصيبة كبيرة وقعت على رأسه لم يتحملها. وكم من مصائب مرت عليهما بسنين زواجهما واستطاع هو تخطيها! وربما كان أقوى مما يبدو عليه اﻵن؛ لذلك أصرت على الإقتراب منه وسؤاله بصورة مباشرة؟
-طيب ممكن تفهمني مالك؟ من يوم ما مامتك جت هنا واتكلمت معاك وأنت بالحالة دي! ورجعت لعصبيتك بعد ما شوفتها عند الدكتور مراد، ايه اللي حصل؟تنفس عاليا وبتوتر وصر على أسنانه صارخا بها: -ياسمين، أخرجي وسبيني لوحدي وروحي شوفي ولادك، أنا تعبان ومش قادر على المجادله معاكي.أطرقت عينيها بحزن وأخفضت صوتها هامسة بخفوت: -حاضر يا فارس، اللي تشوفه.همت بالمغادرة فشعر بحزنها، فلم يمهلها فرصة بالتحرك من أمامه؛ فسحبها فورا داخل حضنه وهمس بجانب أذنها معتذراً:
-حقك عليا، صدقيني أنا عارف أنك قلقانه عليا بس أنا كويس، وأول ما هلاقي نفسي قادر أتكلم وأحكي، فأنتي عارفه إن مليش غيرك أفضفض معاه.رفعت وجهها تنظر لمقلتيه الحزينتين، وقالت بخوف ظهر على ملامحها:
-أنا وولادك محتاجينك، وأنت لما بتزعل ضغطك بيوصل لمراحل مخيفه بتخوفني عليك اوي، مش كفايه النزيف والعملية، عايز يحصلك ايه تاني؟ عشان خاطري أرمي أي حاجه ورا ضهرك، وأي مصيبه جديدة ظهرت مستحيل تكون أكتر من اللي مرينا بيه يا فارس.أومأ لها وهو بداخله يسخر من نفسه؛ فبالرغم من خسارته السابقة والتي لا تقدر بثمن بعد أن مر بالعديد من المصائب التي قد تهدم الجبال وتشق الأرض لنصفين، إلا أن تلك المرة المصيبة لا يستعبها عقله فثقتها بنفسها وهي تطلب منه التأكد من نسبه لها معنى واحد وهو صدقها.
بكى وهو يتذكر والده وكم كان يتعامل معه بطيبة لا حدود لها وكم افتقده بعد أن تخلى عنه الجميع، هاتف صديقه الذي أظهر رجولته ووقوفه كالفهد الضاري بالمواقف الصعبة وفور أن أجابه سأله بصوت مهزوز: -ازيك يا عمر؟ أجابه الآخر: -الحمد لله يا فارس، حمدالله ع السلامه رجعت امتى؟ رد بفروغ صبر: -مش وقت رغي دلوقتي، اسمعني انا عايزك في حاجه ضروري. ابتسم عمر بعد أن اعتاد طريقته التي يعتبرها الكثير فجة ولا تمط للاحترام بصلة ولكن من يقترب منه ويتعامل معه ربما يتغاضى عن طريقته تلك بعد أن يفهم شخصيته المعقدة ويرى طيبته الخفية التي لا تظهر للجميع:
-أنا سامعك. سأله بتوتر: -تعرف مكان يعملي تحليل DND بس من غير شوشره ولا هويات؟ أومأ وأجاب بعد أن تذكر رفيقه الذي كاد أن يتسبب بالتفرقة بينه وبين زوجته وحبيبته النقية وأم ابنته الوحيدة: -في دكتور صاحبي، أنا بس مش بكلمه من فتره. حاول أن يفهم سبب طلبه وربما ارجاعه عما يود فعله حتى لا يقع بنفس مصيره الذي كاد أن يهدم بيته: -بلاش يا فارس مواضيع النسب دي، عمرك ما هتسامح نفسك بعد ما تتأكد أنك ظلمتها.
جعد فارس جبينه وانعقدت حاجبيه بعد أن فهم أنه يشك بزوجته فصاح رافضا: -لا يا بني انت فهمت ايه؟ الموضوع ميخصش لا مراتي ولا ولادي. زفر بارتياح ووافقه: -طالما كده يبقى بسيطه، بكره الصبح نتقابل ونروح سوا بس انت معاك العينات اللي عايز تعملها التحليل؟ نفى وهو يسأله: -لأ، المفروض أخدها ازاي؟ أجابه موضحا: -اسهل حاجه خصلة شعر من الاتنين اللي هيتعمل لهم التحليل.
وافقه واغلق معه وهو الآن يفكر كيف عليه أخذ عينة من عدوه اللدود وزوج والدته، والد أخوته الذي لا يحب أحدا غيرهم ولا يستطيع أحد التواجد بمكانتهم عنده، فكر وفكر حتى اتخذ قراره بالذهاب لملاقاته بسجنه حتى يقف على أرضا صلبة. يتبع…



