
-هي للأسف دخلت في غيبوبه ومش عارفين ممكن تفوق منها امتى!
اتسعت حدقتيه بعد أن استمع لكلمات عمه التي أنهت ما تبقى من تماسكه الزائف وأودت بقوته طي الرياح فكاد أن يسقط لولا جسد مراد الذي أسنده فحال دون سقوطه أرضا وقاده ﻷقرب مقعد ليجلسه وصرخ بفريق التمريض المار بجوارهما:
-استدعولي أي دكتور طوارئ أو مخ وأعصاب بسرعة، وهاتولي جهاز الضغط.
مسح على ظهره وهو يتحدث معه قاصدا تشتيته حتى لا يرتفع ضغط دماءه:
-أنا بعت استدعي خبير اجنبي من بره مصر وفي خلال 24 ساعه بالكتير هيكون هنا وإن شاء الله هتفوق، بس أنت لازم تتماسك عشان لو فاقت ولقتك تعبان كده هي كمان هتتعب.
لم يهتم بثرثته التي يعلم تماما مغذاها فسأله بوضوح:
-والدكتور ده يعني هيعمل اللي محدش هيعرف يعمله؟ هيجيب التايهه ولا أصلا حالتها ملهاش حل؟
ابتلع مراد ريقه بصعوبة وهو يعلم مدى ذكاء ابن أخيه:
-الغيبوبه العضويه اللي بسبب مرض معين بيكون صعب نعرف المريض ممكن يفوق منها أمتى! ما بالك بقى بالغيبوبة النفسية زي حالة ياسمين.
هز رأسه عدة مرات ونظر له اخيرا بعد أن استجمع نفسه وقام عمه بقياس ضغط دماءه وحقنه بدواء يحجم من ارتفاعه المتزايد:
-أظن هتقولي مينفعش أشوفها؟
بالطبع يعلم ذلك الجالس أمامه إن رفض طلبه الخفي ما قد يحدث فنفى برأسه وهو يسحبه معه:
-هي في العناية الخاصة وتقدر تدخلها طبعا وتفضل معاها لو عايز كده.
دلف فوجدها نائمة وقناع التنفس يغطي وجهها والأسلاك معلقه بجسدها توضح مؤشراته فالتفت يسأل عمه وهو يبكي:
-أنتو حاطين لها نفس صناعي ليه؟
رد مراد مبللا شفتيه بتوتر:
-نوبة الخوف اللي اتعرضت لها كان موقف التنفس بتاعها وجسمها اختار يدخل في غيبوبه من قلة الأكسجين وللأسف احنا مضطرين نفضل حاطينها على جهاز التنفس لحد ما تفوق.
أنهار عبراته التي سالت على وجهه جعلت عمه يقترب منه ويحتضنه بقوة وهو يربت عليه:
-ادعيلها يا حبيبي.
نظر للنافذة ولشروق الشمس وتضرع لله:
-يااارب.
**
ارتمت بحــ,,ـــــضنه بالرغم من تجمع السجــ,,ـــــناء وزويهم بمكان الزيارة فأسند هو جسدها المستند عليه براحته وابعدها برفق وانحنى يقبل رأس ابنته وحفيده وهو يبتسم لهم ويتسائل:
-عاملين ايه؟ وحشتوني أوي.
جلست فريدة بجواره تستند برأسها على كتفه وهي تربت على طول ذراعه:
-وأنت وحشتني أوي يا مدحت.
نظر ﻷبنته نظرات شوق وحسرة وهو يسألها:
-وانتي يا ميار عامله ايه يا بنتي مع ابنك؟
ابتسمت وهي تشاكس الصغير وتشعث بشعره:
-أهو مجنني يا بابي والله، بس الحمد لله فارس مش منقصنا حاجه.
شعر بغصة فور ذكرها له فالتفت ينظر لفريدة وهو يحاول أن يكبت مشاعر الضيق والحزن التي اعترته منذ زيارة فارس الأخيرة له، ولم يود أن يفتح الحديث بوجود كل من ابنته وحفيده ولكن تلك ليست بزيارة استثنائية داخل مكتب آمر السجــ,,ـــــن، ولكنها زيارة عادية بالمكان المخصص للزيارات بوقت محدد فسحب نفسا عميقا وهو لم يستمع لثرثرتها عن كم اشتياقها له وما تعانيه من بعده عنها وسألها:
-ساهر مجاش ليه؟
ردت وهي تتعلق أكثر وأكثر بذراعه:
-عنده امتحانات وأصلا أنا نفسي مش بشوفه.
تسائل بملامحه فأجابت ميار عنها:
-بصراحه يا بابي ماما بتتخانق كتير أوي مع ساهر لدرجة انه ساب البيت وراح قعد عند عمي مراد شويه ولما فارس عرف قاله يروح يعيش معاه من تاني بس من كتر المصايب اللي فارس فيها ساهر مرضاش وقال كفايه على فارس الحمل اللي شايله على كتافه.
نفذ صبره بعد تلك الكلمات البسيطة الخارجة من فم ابنته فصاح محتدا:
-ايوه يعني فينه دلوقتي؟
ردت فريدة متذمرة:
-قاعد مع ولاد مروان، قال يعني هناك هيرتاح أكتر.
ضغط على أسنانه وهو ينظر لها يرمقها بنظرات نــ,,ـــــارية:
-لو كان لقى راحته في بيته يا فريدة مكانش راح عند حد، احتوي الولد شويه عشان ده في سن خطر وأنا معنديش استعداد أخسر حد من ولادي عشان تصرفاتك الغريبه دي.
تعجبت من حدته التي لم تعتادها أبدا وسألته بتوجس:
-أنت مالك بتتعامل معايا كده ليه من أول الزيارة؟
لم يجد بد سوى بفتح ذلك الحديث الذي ود ان يؤجله أو ربما يتجاوزه تماما:
-فارس كان عندي من يومين.
تعجبت وحدقت به بنظرات قلقة وهي تعلم تماما سبب زيارته فابتلعت ريقها واستمعت له يسألها دون حذر وأمام نظرات ابنتهما:
-انتي ليه قولتيله الكلام الفارغ ده؟
في ست عاقله تعمل عملتك دي؟
لم تجب بل أدرات وجهها وكأنها تنظر للحرس بانتظارهم لإنهاء الزيارة ولكن حظها لم يكن بتلك الجودة وانصاعت لإصراره عندما ردد:
-فهميني عملتي كده ليه؟ ازاي توصمي نفسك وتوصميني بالشكل القذر ده؟ وياريته حقيقه!
تسائلت ميار بفضول:
-في ايه يا بابي؟
لم يجبها ولكن جاءت الإجابة من والدتها الفاقدة لعقلها وهي تسرد لها كذبتها دون حياء فلمعت عين الأخرى وهي لا تعلم ما تقوله سوى بسؤال بسيط:
-واصلا الكلام ده مش حقيقي؟
رد مدحت فورا وهو يصيح:




