
الفصل السابع والعشرون عاد منزله والشمس تسطع بالسماء وهو لم يذق طعم النوم ولا الراحة منذ ليلة أمس بعد ما مر به وعاصره مع رفيقه الذي أصبح مقربا له كثيرا.
فتحت له زوجته ذراعيها تحتضنه وتسأله باهتمام:
-حبيبي، عملت ايه طمني؟
حرك رأسه وهو يتوجه للداخل بتعب:
-حصل حاجات كتير أوي يا ديچا، فارس ده غلبان أوي هو وعيلته بصراحة.
جلست بجواره تدلك له عنقه عندما وجدته يضغط عليه متألما وتسائلت عما يقصده فقص لها أحداث خطف ياسمين وصغيرتها وإيداعهما للمشفى حتى تلك اللحظة فاتسعت حدقيتها تسأله والحزن قد اعترى وجهها:
-يعني ياسمين في غيبوبة؟
أومأ وعقب على حديثها:
-فوبيتها أخطر من فوبيتك بكتير على الأقل انتي بتقدري تنزلي الميه لكن هي مجرد حبسها في شنطة العربية كان كفيل يوصلها للحالة دي.
تنهدت ومسحت على كتفه:
-أحضرلك تاكل؟ تلاقيك مأكلتش حاجه من ساعة العيد ميلاد أمبارح.
قبلها قبلة رقيقة وابتعد يسند رأسه على مسند الأريكة متعبا:
-أنا جعان نوم وكنت مخطط لسهره امبارح معاكي اشحن فيها شوية بس جه تليفون فارس بوظ كل خططي.
ابتسمت وهي تربت على ظهره:
-أدخل خد شاور على ما اسخنلك الأكل وأنا موجودة مش ههرب يعني.
غمز لها وهو يسحبها معه لداخل غرفتهما:
-ﻷ الأكل بيتقل ويخليني عايز أنام، أشحن الأول.
سحبها بنهاية حديثه فسقطت على جسده وسقط كلاهما على الفراش وهي تضحك فكمم فمها وهو يتوعدها:
-عارفه لو بنتك صحت من صوتك هعمل فيكي وفيها ايه؟
لم تعقب عليه بل بادرت هي بالخطوة الأولى وقبلته ولكنها شعرت بالخجل كعادتها وعادت للوراء قبل أن تتعمق بالقبلة فزفر هو ممتعضا وهو يحكم ذراعيه حولها وهسهس بصوت منخفض ومثار:
-ﻷ متبعديش، كملي.
لحظات واندمجا قلبا وكيانا وارتاح يتنفس بحرارة متأثرا بلحظاتهما معا وقبّل أعلى رأسها ممتنا:
-ربنا يخليكي ليا.
نهض فورا ودلف المرحاض وهو يرجوها:
-سخنيلي الأكل بقى أحسن لو سبت نفسي هروح في النوم وأنا ورايا مشاوير كتير أوي.
زمت شفتيها للامام رفضا على حديثه:
-حرام عليك نفسك، أنا لولا بحب ياسمين ومقدره اللي فارس فيه كنت قولتلك ابعد عن الشغل ده.
تبعته لداخل المرحاض لتترك له منشفة نظيفة وهو لا زال يعدل من حرارة المياة فرد عليها وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا حزينا على ما آلت له أمور صديقه:
-وضعهم صعب أوي ومع كل ده هو بيحاول يتماسك بس أنا لو مكانه كان زماني انهارت من زمان.
أخرجت تنهيدة حارة وخرجت وهي تخبره:
-هروح أسخنلك الأكل على ما تخلص.
خرجت وقف أمام الموقد وبدأت بتجهيز الطعام فاستمعت لغمغمة صغيرتها فتحركت لداخل الغرفة لتحملها وعادت للمطبخ لوضع الأطباق على المائدة المستديرة الموجوده به فخرج هو بعد أن انتهى من اغتساله وارتدى ملابسه وحمل عنها الصغيرة وهو يبتسم:
-شوفتي بقى، كويس أننا خلصنا قبل ما تصحى.
جلس لتناول طعامه والصغيره بحــ,,ـــــضنه يناولها القليل من الطعام فاستمع لرنين هاتفه فتركت خديجة ما بيدها وهي تشير له:
-خليك كمل أكلك أنا هجيبهولك.
أحضرته بعد أن توقف عن رنينه فسألها:
-مين اللي اتصل؟
رمقته بنظرة متضايقة وهي تخبره:
-مازن الفهد.
حاول الوصول للهاتف ولكنها ابعدته عن متناول يده وهي تصر عليه:
-والله ابدا، كل الأول وبعدين ابقى كلمه.
❈-❈-❈
نظر لشاشة الهاتف زاما شفتيه والصراخ من حوله قد صم أذنيه فهدر بالجميع:
-بس، مش عايز أسمع صوت حد فيكم.
التفت يرمق أخيه بنظرات حائرة والأخر يهز رأسه مستنكرا ما يحدث ودينا لا تزل تحاول اسعاف تلك التي سقطت دون إظهار أي مظاهر للحياة.
وقفت دينا أخيرا بعد أن فقدت قدرتها على التحكم بنفسها فبكت بانهيار وهي تخبر نجلها:
-ماتت يا مازن، ماتت.
ترقرقت عينيه بالعبرات والتفت يرمق فريدة بنظرات حادة وهو يصر على أسنانه وتسائل بتلعثم:
-أنتي متأكده يا ماما؟
أومأت تؤكد:
-ايوه يا بني، نبضها كان شغال بس وقف خلاص والنزيف اللي ورا دماغها كمان بيأكد أنه مستحيل تعيش.
شرد لحظة ولم يفق إلا عندما سأله ساجد:
-هنعمل ايه يا مازن؟
لم يجبه وظلت كل من شيرين وچنى تبكيان بحــ,,ـــــرقة وهو يمسك هاتفه:
-هحاول أكلم عمر يلحقنا، أنا مش عايز ابلغ فارس دلوقتي هو مش ناقص.
هاتفه من جديد ولكنه لم يجب للمرة الثانية فأكد ساجد ظنه:
-أكيد نايم يا مازن لانه منامش من امبارح.
صر مازن على أسنانه وهو يردد:
-محدش فينا نام من امبارح.
عقب عليه أخيه الأصغر:
-بس هو مش من عيلة الفهد ومع ذلك كان موجود من اللحظة الأولى وأكيد روح يرتاح.
التفت بحدة يسأله:
-طيب والعمل؟
وجد والدته وقد أحضرت ملاءة بيضاء وقامت بوضعها على جسد حنان تغطيه فشعر بألم قاسي ينحر بداخله:
-لازم تقول لفارس يا مازن ملهاش حل، من ناحية داده حنان غاليه عليه أوي ومن ناحية اللي عملت كده امه فيمكن يكون له رأي انه مبيلغش مثلا وكده كده داده كبيره ومــ,,ـــــوتها مش هيكون غريب ولا مثير للشبهات.
بنفس اللحظة كانت فريدة جالسة بجوار الدرج على الأرضية الرخامية تحيط جسدها بذراعيها وهى بحالة من الذهول والشرود وترديد الكلمات الخارجة من فمهما مرارا وتكرارا:
-مكانش قصدي كده، مكانش قصدي كده.




