روايات

الفصل الرابع والثلاثون من رواية طمس الهوية بقلم اسماء المصرى

الفصل الرابع والثلاثون طمس الهوية

تعجب من حديثها فرمقها بنظرة متحيرة:
-تجاوزات؟ أنا تجاوزت معاكي في ايه فهميني؟ ردت بعد أن حاولت أن تزيل خجلها:
-كلامك وغزلك ده ميعتبرش تجاوزات من وجهة نظرك؟ أنت بتقول صداقة سفر، فاهم معنى كلمة صداقة؟ بلل شفتيه وأومأ مؤكدا حديثها ومعتذرا:
-معاكي حق، أنا بعتذرلك ومش هتتكرر تاني بس. صمت ليستجمع شجاعته وهتف:
-لو لقتيني سرحان فيكي متسألنيش سرحان في ايه وأظن من حقي اسرح بالشكل اللي انا عايزه.

ضحكت رغما عنها من طريقته بالحديث فحركت رأسها معترضة عليه ومستسلمة لما ألقاه على مسامعها فابتسم هو بسمة جاذبية جعلتها تذدرد ريقها بصعوبة وبسبب تحديقه بها فهتفت بحدة:
-تمام بس متزودهاش. أومأ وبسمته تكاد تتسع ﻷذنيه شاعرا بنفسه وقد حلق بالسماء لمجرد ابتسامتها الرقيقة بوجهه، وفكرت هي بداخلها فما الضرر الذي قد يحدث إن استمعت بوقتها قليلا. انتهت أخيرا من تناول الشطيرة فهتف ساخرا:
-أخيرا، ده انتي بطيئة أوي في الأكل، تحبي اجيبلك قهوة؟ رفضت ووقفت تخبره:
-أنا لازم أرجع الفندق عشان بعيد عن المعرض ولسه جايه بكره تاني.

وقف مسرعا يسألها:
-هشوفك بكره؟ رفعت كتفيها بغير علم:
-مش عارفه، أظن انك مسافر فممكن منتقابلش. ابتلع ريقه وسألها:
-نازله في أي فندق؟ أجابته باسم الفندق فبحث عنه بهاتفه الخلوي وأخبرها كذبا:
-ده على سكتي، تعالي أوصلك أنا معايا عربية. لم تكن لترفض عرضه بتوصيلها بهذا المكان الغريب ورهبتها للتعامل مع سيارات الأجرة وهي لا تعلم لغة البلد وتجد صعوبة بالتواصل مع السائقين؛ فوافقت وذهبت خلفه وركبت السيارة بجواره وسألته متعجبة:
-جبت عربية هنا ازاي؟

أجابها ضاحكا:
-مأجرها من الفندق، دي إحدى مزايا الإنتماء لعائلة الفهد وأنا بتمتع بالمزايا دي عشان كنت محروم منها طول عمري. أومأت بتفهم وركز هو بالقيادة ناظرا بجهاز تحديد المواقع فسألته:
-هو مش الفندق على طريقك؟ أومأ فسألته مجددا:
-أومال ليه حاسه انك مش عارف الطريق؟ أوعى نتوه. ضحك عاليا يخبرها:
-هحفظ انا الطرق والكباري دي كلها في بيكين؟ ده انا بتوه جوه الفندق اللي قاعد فيه. أيدته ضاحكة:
-معاك حق والله. وصلا للفندق فنزل وفتح بابها بلباقة فابتسمت له وقبل أن تتحرك سألها بلهفة ظاهرة:
-هشوفك بكره؟

أومأت وهي تشيح نظرها عنه:
-لو مسافرتش. حرك رأسه يخبرها:
-مش هسافر لو وافقتي. ردت بجمود:
-لو وافقت ده مش معناه حاجه غير اننا اتنين مصريين بنحضر نفس المعرض بالصدفة و… قاطعها:
-موافق، موافق على أي تسميه انتي عيزاها بس قبل المعرض تقبلي عزومتي ع الغدا. ضحكت وهي تفتح ذراعيها:
-فين؟ مفيش مطعم واحد ينفع ناكل فيه؟ غمز لها بطرف عينه:
-وافقي انتي بس ومحلوله بأمر الله. سحبت نفسا عميقا وحدثت نفسها:
-بلاش مقاوحه يا نرمين انتي جواكي حاجه وخايفه تظهريها ليطلع زي اللي قبله واللي قبله بس انتي متأكده انه مش زيهم.

شرودها جعله يبتلع ريقه متخوفا فردد سؤاله:
-موافقه ولا ﻷ؟ أومأت بعد طول تفكير:
-موافقه يا يزن بيه.
❈-❈-❈ طرق على باب مكتبه وأنتظر إجابته للسماح له بالدخول فأذن له بعد عدة لحظات، دلف وجلس أمامه ينتظره أن يرفع وجهه عن الأوراق التي أمامه، ولكن فارس ظل على حالته حتى تنحنح مازن:
-مش فاضي ثواني؟ ترك ما بيده ونظر له منتظرا سماع حديثه فتكلم الأخير فورا:
-كل ما أحاول افتح معاك كلام في الموضوع اياه تقفل كل الأبواب في وشي و…

قاطعه فارس فورا بعصبية:
-هو أنت مبتزهقش؟ خلاص بقى حل عن دماغي منا سايبك اهو عايش معاها ومفتحتش كلام تاني في طلاقكم. ابتلع مازن ريقه وتكلم ممتعضا:
-عارف بس محتاج أفهم بعد إصرارك اني أطلقها ايه اللي خلاك تغير رأيك؟ رفع فارس حاجبه ورد:
-انا مغيرتش رأيي انا سكت وسبتك تاخد قرارك لكن أنا لسه عايزك تطلقها. زم شفتيه متسائلا بحنق:
-لسه عايزني أطلقها حتى بعد ما أقسمتلك اني بحبها؟ أنا مش فاهمك بجد، كل ده عشان اعترفتلك إن لسه جوايا بواقي مشاعر لنرمين؟ طيب هل ده معناه اني مبحبش چنى ولا ايه فهمني؟

ضحك فارس ساخرا:
-انت شايف ايه؟ سامع نفسك بتقولي ايه؟ صر على أسنانه غاضبا:
-طيب هو انا لو لسه بحب نرمين كنت هسيبها تتجوز ولا راجل تاني يلمسها؟ كل الحكاية ان مشاعري تاحيتها متمسحتش 100% لكن لا أنا عايزها ولا هي عيزاني… قاطعه فارس وحدقتيه تنطق بغضبه المؤجج:
-أيووووه، ولا هي عايزاك ﻷن لو هي كانت عيزاك مكانش ده هيبقى رأيك دلوقتي، بس خلاص اللي حصل حصل وطالما أنت شايف نفسك هتقدر تكمل مع چنى من غير ما تخونها بمشاعرك فأنا هسيبك لضميرك مع مراتك، مع اختى وبنت عمك يا مازن.

حاول الدفاع عن نفسه:
-يا فارس افهمني، انت عشان بس محبتش غير واحده مش قادر تفهمني او مش عايز. رمقه فارس بنظرة غاضبة وانهى حديثه وأشار له بالمغادرة بشكل مهين؛ فتركه مازن يدب الأرض غاضبا فشرد الأول لما قبل عدة أشهر عندما عاد من تأديته مناسك الحج وتقابل مع أخته الصغرى بعد أن عادت من تمضية أجازتها برفقة مازن:
-حمدالله ع السلامه يا حاج فارس. قبلها من رأسها واحتضنها:
-وحمدالله ع السلامه ليكي انتي كمان يا چوچو.

صافح مازن بفتور لاحظته هي، ولكنها تصنعت أنها لا تعلم ولا تدر ما يحدث حولها وجلست برفقة العائلة لتناول الغداء فاستمعت لفارس يخبر زوجها:
-بعد الغدا عايزك في اوضة المكتب شويه. علمت فورا عما سيتحدثان فاستبقت رد زوجها:
-ممكن تأجل كلام في الشغل شويه يا فارس عشان عيزاك في موضوع مهم. ترك الشوكة والسكــ,,ـــــين من يده ونظر لها بجمود:
-لو عايزه تتكلمي في حوار فريدة هانم ف… قاطعته متوسلة:
-اديني 10 دقايق من وقتك يا فارس أظن أنا ليا غلاوة وحق عندك اكتر من كده بكتير.

وافقها بحركة من رأسه ودلفا غرفة المكتب فجلس أمامها واستهل حديثه:
-عارف اللي عايزه تقوليه، حالة ميار وساهر وانتي طبعا ولازم أنا اتنازل عن حق اللي ماتت عشان خاطركم. ارتبكت وأطرقت رأسها بحزن:
-أكيد هنتكلم في موضوع مامي بس انا مش عيزاك عشان خاطر كده. حيرته ظهرت على معالم وجهه وهو يسألها:
-أومال في ايه؟ أجابته بتوتر:
-أنا سمعت حوار مازن ونرمين وعرفت مشاعره ناحيتها. بكت رغما عنها فلم يستطع سوى أن يحتضنها ويربت عليها مواسيا:
-حقك عليا، مكانش المفروض أوافق على جوازك منه من الأول بس حسبتها غلط و…

قاطعته تنفي حديثه:
-انت مغلطش ولا هو، انتو اللي الاتنين كنتوا بتحاولوا تحلوا مشكلتي اللي اتسببت بيها لنفسي بغبائي، وبغبائي برده ورطك وورطت مازن مع الزفت شادي وكل اللي حصل من مصايب ليك ولياسمين كان بسببي. بكائها جعله يحكم من احتضانها ويربت عليها بحنان أخوي:
-اللي فات مات يا چنى ودلوقتي بما انك عرفتي فأكيد عارفه قراري في الموضوع ده. أومأت مؤكدة:
-أيوه بس مش موفقاك عليه. اندهش من ردها وهي تتابع:
-مازن ميعرفش اني عرفت ومش عيزاه يعرف، وأنا دوري دلوقتي اني أحافظ على بيتي وجوزي عشان خاطر ابني وعشان علاقتكم ببعض متتأثرش بسببي.

بكت وانتــ,,ـــــحبت وهي تضيف:
-مازن مره قالي أنا علاقتي بفارس محدش قدر يهزها طول ال38 سنه من لحظة ما اتولد وإن أنا الوحيدة اللي ممكن أهز العلاقة دي وأثر فيها وأنا مش عايزه كده. تكلم فارس بصوت خشن وحاد:
-ملكيش دعوة بعلاقتي بمازن، فكري في نفسك وابنك وبس، مظنش هتبقي مبسوطه وانتي عايشه مع واحد وعارفه إن مشاعره مش معاكي و… قاطعته رافضه حديثه:
-مازن بيحبني بس هو اتهز من وجودها حوالينا، عشان كده أنا مش عايزه منك غير طلب واحد بس.

استمع لها تخبره بحزن:
-تبعد نرمين عن طريقه بأي شكل والباقي عليا أنا هعرف اخليه يرجع يحبني زي الاول وأنسيهاله خالص. سألها ممتعضا:
-أنتي متاكده من كلامك؟ أومأ فاعترض بملامحه قبل صوته:
-چنى، أنا فهم انتي عايزه تعملي ايه وتحمي بيتك ازاي؟ الحياة الزوجية اللي قايمه على السر,,ـــــير بس دي لا هي علاقة ناحجة ولا سوية ولا هتتقدم لقدام ولو عملتي كده في نفسك هتظلــ,,ـــــميها….

قاطعته موضحة:
-علاقتي بمازن مش سر,,ـــــير وبس يا فارس، انت مش عايش معايا وشايفه بيعاملني ازاي، مازن بيعاملني أكني أميره ومش بيزعلني أبدا وأنا متأكده من حبه ليا هو بس مشتت شويه وأنا هعمل المستحيل عشان اضيع تشتته ده، بس المهم عندي انه ميعرفش حاجه أرجوك. تنهد بحيرة فارتمت بحــ,,ـــــضنه تتوسله:
-عشان خاطري يا فارس أنا لو سبت مازن همــ,,ـــــوت، ارجوك. ابعدها وكوب وجهها براحتيه ومسح عبراتها وسحب شهيقا عميقا وزفره باستسلام:
-أنا هسكت مؤقتا لحد ما اشوف وضعكم انتم الاتنين، بس لو لقيت وضع مش عاجبني هتدخل فورا مفهوم؟

أومأت فقبلها من أعلى رأسها واحتضنها بقوة واستمع لصوت طرقات على الباب اتبعها دخول مازن يمزح كعادته:
-الله الله الله، وأنا أقول غيبتوا جوه ليه كده. سحبها من بين أحضان فارس وأحكم ذراعه عليها:
-مش انتي عارفه اني بغير. ابتسمت من بين بكائها فاحتضنها يربت عليها ونظراتها مرتكزة على أخيها تتوسله بأن يصمت ويقبل بما طلبته منه. عاد من شروده ينظر أمامه للفراغ وحدث نفسه متسائلا:
-يا ترى اللي عملته صح ولا غلط؟ في مصلحتك فعلا ولا بسكوتي اذيتك أكتر من الأذى اللي شوفتيه زمان؟

رفع راحتيه يتضرع لله طالبا المساعدة:
-نور بصيرتي يارب وارشدني للطريق الصواب. يتبع..

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى