
رفعت كتفيها و ردت:
_وأنا مالي، أنت عايز تلبسهالي علشان تهرب من عقاب فارس. انتهي من ارتدائه لملابسه، واقترب منها مقبلاً إياها بحب وغمز متسائلاً:
-ها ناوية تلبسيلي إيه انهارده؟ ابتسمت بسعادة وأظهرت الحيرة وهي تسأله:
-أنت تحب ألبس إيه؟ فكر قليلاً وهو زاماً شفتيه للامام ورد مجيباً:
-حلو لبس الممرضه. أومأت موافقة وهي تنظر للأرض بخجل، وسألته بنبرة رقيقة:
-ويا ترى هتكون مريض ولا دكتور؟ وقف بعد أن ارتدى حذائه ورد:
-هفكر وابعتلك الرد في مسدج.
❈-❈-❈
جلس ممتعضا ينظر بساعته كل فينة واﻻخرى، ومساعدته تجلس على يمينه ويساره فارغا، وعلى نفس طاولة اﻻجتماعات يجلس الوفد اﻻلماني ومترجمهم بجوارهم يترجم لهم كل كبيرة وصغيرة تحدث. ظل فارس يتابع مهام اﻻجتماع ويراجع بنود اﻻتفاقية التي يبرمها معهم، حتى دلف مازن مندفعا بتعجل والقى سلاما عابرا وجلس بمكانه الفارغ يسار فارس الذي لم يلتفت له أو حتى رد على سلامه. ظل يقلب اﻻوراق زاما شفتيه متابعا اﻻجتماع حتى همس له مازن بصوت خافت:
-فاتني كتير؟
القى فارس نظره عابرة على ساعة يده وعاد ينظر له بتجهم ولم يعقب عليه فقد تخطت العاشرة بقليل، فابتلع مازن ريقه بتوتر فهو يعلم جيدا تلك النظرة، ويعلم ايضا توابعها؛ فمنذ أن تزوج چنى ورغما عنه بدأ يتكاسل بالعمل قليلاً دون سبب معلوم لفارس الذي مل من كثرة توبيخه له فآثر مازن على الصمت حتى لا يُوبخ أمام العملاء اﻻجانب. انتهى الإجتماع وغادر الجميع إﻻ هو وفارس ومساعدته التي رمقها بنظره جادة وقال لها بصوت غليظ:
-روحي اعمليلي قهوة ووديها على مكتبي.
أومأت له وهي تشعر بالذعر من شكله الغاضب، فعاد مازن لابتلاع ريقه وقضم شفتيه بتوتر وفارس يراقب حركاته، فأخرج ضحكة هازئة وقال بغضب:
-اللي يشوفك يقول عاملي حساب مثلا؟! رد عليه بمحايلة:
-يا فارس أصل راحت عليا نومه و… قاطعه فارس هادرا:
-آه راحت عليك نومه، و امبارح كنت تعبان، وأول امبارح كانت چنى تعبانه، وكل يوم حجه شكل وأنا عشان ساكت أنت سايق فيها على اﻻخر. حاول اﻻعتراض ولكن غضب اﻵخر جعله يصمت وهو يستطرد:
-ده آخر تحذير ليك، أوعى تفتكر إن ممكن اتساهل معاك وأنت بتضر الشركه، أنت عارف إن الشغل عندي أهم حاجه وأهم منك أنت شخصيا.
اعتذر مطرقا رأسه لاسفل:
-آسف يا فارس، مش هكررها تاني. وضع يده بتجويف عينه، فاقترب منه فارس وسأله باهتمام:
– أنت تعبان؟ نفى و رد:
-لا الحمد لله. زفر انفاسه بارتياح واكد حديثه بجدية:
-لما تتأخر وتيجي تقولي أصل راحت عليا نومه ارحم واحسن بكتير من انك تقولي انك تعبان، بلاش تقلقني عليك على الفاضي خلي عندك دم. ضحك مازن ومسح على ذراعه قائلا:
– انا كويس والله يا فارس متقلقش، بس اختك مجنناني.
انعقد حاجبيه بدهشة وسأله:
-مالها عملالك ايه؟ هو انتو مش مرتاحين مع بعض؟ نفى سريعا وأوضح بشكل ملتوٍ:
-ابدا، بالعكس ده المشكله اللي بينا إننا مرتاحين مع بعض اكتر من اللازم. ضحك بنهاية حديثه، فجعد فارس ملامحه ووبخه بحدة:
-يا بغل، أولا مينفعش تتكلم عن مراتك مع حد حتى معايا، أو باﻻخص معايا عشان دي اختي، وثانيا متخليش أي حاجه تعطلك عن شغلك أنت عمرك ما كنت كده، حتى وأنت تعبان عمرك ما قصرت في الشغل، متخليش حاجه تأثر عليك.
ابتلع ريقه بخجل لحظي، ولكنه لم يلبث أن تذكر جنونهما معا منذ ساعات قليلة بالصباح قبيل مجيئه لعمله؛ فضحك رغما عنه وفهم فارس بالطبع ملامح رفيق دربه واخيه الروحي، فحرك رأسه يمينا ويسارا ممتعضا ومستسلما من تصرفاته الهوجاء، فتركه وخرج متوجها لغرفة مكتبه. عاد لمنزله بعد يوماً طويلاً من اﻻشغال الشاقة، فدلف لبهو فيلته فلم يجد أحدا بسبب تأخر الوقت، فصعد فوراً لجناحه فوجدها جالسة تنتظره بحزن وبكاء؛ فهرع ناحيتها وسألها باهتمام:
-في ايه؟
نظرت له بحزن وردت بصوتٍ باكٍ:
-طول اليوم مبتطلتش عياط وأنا مش عارفه أعمل لها ايه؟ جلس بجوارها على الفراش وسأل ليتأكد من ظنه:
-بتتكلمي عن چاسمين؟ أومأت له بغضب واردفت:
-زنانه بشكل مش طبيعي، حتى جاسر اللي مكانش بيعيط بقى هو كمان بيعط على عياطها، انا خلاص أعصابي مش متحمله. ربت على ظهرها ووضح لها اﻻمر كما فهمه من قراءاته المستمرة:
-انتي أعصابك تعبانه وده طبيعي لأي واحده لسه والده، وهي بتعيط وده طبيعي لاي رضيعه معرفتش ترضع لبن طبيعي، وعياط جاسر برده طبيعي لأنه كبر وفاهم إن اهتمامك بيه قل بسببها؛ فبيحاول ياخد اهتمام بالعياط.
رفعت وجهها تنظر لتفسيرة وعبراتها لا تزال على وجنتيها، فابتسم و مسح عبراتها وهو يكوب وجهها براحتيه وقبلها من وجنتها هامسا:
-بكره الصبح هكلم مكتب التوظيف يتصرفوا ويجيبوا ناني ترتاحي معاها، وانتي معلش اتنازلي شويه إنك تلاقي ناني زي داده حنان واقبلي باللي موجود. رمقته بنظرهة ممتعضة، فضحك بوجهها وقبلها من جبينها هامسا:
-بحبك يا سلطانه. مسحت عبراتها بظهر يدها وابتلعت ريقها وعقبت:
-وانا كمان بحبك أوي. تنحنح مبتعدا عنها وهو يحاول إخفاء تعابيره المثارة فضحكت وقالت بمشاكسة:
-لااا… ده انت بقيت خفيف خالص، مش لسه الصبح كنا مع بعض!
رفع حاجبه اﻻيسر والتفت لها موضحا:
-اولا يا سلطانه انا بقيت خفيف بسبب بعدك عني فترة مش قليله، وثانيا اللي حصل الصبح ده كان مسكن، اسبرينه وتصبيره وأنتي فاهمة انه مش كافي أبداً. اقتربت منه بدلال وسألته بغنچ:
-طيب قولي عايز إيه وأنا تحت امرك؟ غمزت بعينها فمسح بيده على طول ذراعها ورد:
-عايزك تخفي بسرعه عشان مشتقالك ونفسي فيكي انتي، مش في العلاقه والسلام. احتضنته هامسة له بتنهيدة عميقة:
-هحبك اكتر من كده ايه بس؟
قبلها قبله خاطفة على شفتيها وعقب داعيا:
_يارب بس تفضلي عاقلة كده ومتخليش الجنونه بتاعتك تعكر علينا حياتنا. زمت شفتيها بشكل اضحكه كثيرا، وقالت متذمرة:
-الله يسامحك. سحبها داخل حــ,,ـــــضنه بعد أن ادعت الخصام، وحاولت أن تبتعد عنه فقال بغزل:
-السلطانه ياسمين، أجمل سلطانه في العالم محدش يقدر يزعلها أبدا وأنا من الضمن. ❈-❈-❈ انتظرته حتى عاد من عمله وهي تتزين وترتدي له ذلك الزي التنكري الذي طلبه منها بالصباح، فابتسم فورا وهمس بتلاعب:
-انا صحتي راحت.
امتعض وجهها فدبت اﻻرض بقدمها وقالت بتذمر وتوبيخ:
-هو مش انت اللي طلبت؟ أومأ لها غامزا واقترب منها هامسا باذنها:
-أنا بهزر معاكي يا حبيبي. دفعته بعيداً عنها وصعدت لأعلى وهي تتمتم بعبارات مبهمة، فتحرك يتبعها ودلف غرفة نومهما وحاول اثناءها عن مشاكسته كلما اقترب منها ودفعها له فتحدث بجدية:
-وبعدين معاكي، مكانتش كلمة هزار قولتها. حركت كتفيها باعتراض وقالت متأففة:
-عشان تتعلم بعد كده تاخد بالك من كلامك. بدلت ملابسها بأخرى بيتية عادية، عبارة عن منامة حريرية غير متكلفة وازالت غطاء الفراش واندثرت أسفله فزم شفتيه وقال:
-طيب أنا جعان.
رمقته بنظرة جامدة وتصنعت اللامبالاة وقالت:
-سخن أي أكل من التلاجة. رفع حاجبه وقال بضيق:
-طيب خلي حد من الخدم يجهزلي أكل. ردت بعدم اكتراث:
– الخدم روحوا. نفخ هواء من فمه بصوت مسموع وقال:
-مشتيهم ليه يا چنى طيب وانتي مبتعرفيش تعملي بيض بالبسطرمة حتى؟ انتفضت من مكانها هاتفة بحدة وضيق:
-نعم! مين دي اللي مبتعرفش تعمل بيض بالبسطرمة؟
ضحك على غضبها الطفولي ومنظرها المثير وهي واقفة على ركبتيها على الفراش واضعة يديها بخصرها تهتز بعنــ,,ـــــف مثير للحواس، فظل يتسائل بداخله متى أحبها ووقع بعشــ,,ـــــقها إلى هذا الحد؟ هل يعقل أنه كان يحبها دائمًا وقد فسر مشاعر الحب هذة بمشارع اﻻخوة التي جمعتهما منذ أن كانت بالمهد؟ شرودة بشكلها جعلتها تظن انه قد تضايق منها فاقتربت منه تسأله باهتمام:
-انت زعلت؟ أومأ بنعم متلاعبا بها قليلاً فكم يعشــ,,ـــــق مشاكستها واغضابها ورد متسائلاً:
-من امتى بتعلي صوتك عليا بالشكل ده؟
ردت فورا تفسر طريقتها:
-بهزر يا مازن انت قفشت ليه كده؟ انقض عليها مقبلاً اياها بنهم وجوع لشفتيها، وقال وهو يلهث من فرط اثارته:
-ما انتي مقبلتيش هزاري. دفعته بغضب وهي تصر على اسنانها وقالت موبخة:
-انت بقيت غلس، والواحد مبقاش عارف امتى بتتكلم جد وامتى بتهزر؟! سحب نفسا عميقاً وسحبها داخل حــ,,ـــــضنه وقال بجدية:
-لما بقولك بحبك بكون بتكلم جد، ولما بقول مشتقالك بكون بتكلم جد، ولما بقول تعبت أو زهقت او مليش مزاج فأكيد كل ده هزار؛ لاني مقدرش أبعد عنك لحظه واحده.
رفعت نظرها ترمقه بنظرات عاشقة وسألته بهمس:
-انا حبيتك امتى وازاي؟



