
ربما كانت الظروف الوحيدة التي تجعلنا نرى المرأة على حقيقتها، هي عندما نكون نحن على حقيقتنا، ومن النادر أن يكون الإنسان على حقيقته؛ ولذلك من النادر أن نفهم المرأة؛ ومن النادر أن نكون على حق معها.
أنيس منصور
❈-❈-❈ أحيانا ما تجد الحياة صعبة عليك أنت بالأخص دونا عن باقي البشر، ولكن هناك الكثير من الأسباب التي تحثك على المواصلة والأستمرار وتهمس بأذنك “أصنع قدرك بنفسك”.
فإن كان قدرك أن تصبح تابعا للأبد وأردت أن تغير هذا اﻷمر فأصنع قدرك بنفسك وتحرك للأمام ولا تنظر خلفك أبدا، أنتظر اللحظة الحاسمة وانطلق بقوتك مهما كانت العواقب التي قد تودي بك إلى الهلاك ربما، ولكن وقتها ستشعر بمدى سعادتك وأنت تهلك لأنك وأخيراً اتخذت قرار وفعلت ما يحلو لك. كانت تلك هي اﻻفكار والكلمات التي تدور برأسه بتلك اللحظة بالتحديد”أصنع قدرك بنفسك”
فهو يقف اﻵن أمام الطوفان بجسـ ـده المجرد من أي أداة لحماية نفسه وعلى اتم استعداد للمحاربة بكل قوته، ولكن…
انتمائه وولاءه لذلك المارد أمامه أكبر من كل شيئ ومن أي رغـ ـبة بداخله فما العمل اﻵن؟ ما المفترض به أن يفعل؟ يهدئ من غضـ ـبه الجحـ ـيمي بعد أن صـ ـرخ به لمعرفة سره المدفون بداخله وأمر سائقه بايقاف السيارة ونزل ممسكا إياه بقوة ساعده وهزه بعنـ ـف لاعـ ـناً إياه بحدة وغضـ ب:
-ما تنطق، مين اللي انت خا يف تقولي عنها؟ صمته جعل ذلك الثائر يقوس حاجبيه، وامتعض اكثر عندما تركت زوجته الرضيعة بالسيارة ونزلت تقف بجواره ممسكة إياه من كتفه:
-اهدى يا فارس، يعني كنت موافق عليه لبيري وبجد مش فاهمه ايه اللي معصبك؟
التفت ينظر لها بغضب وقال صارا على أسنانه:
-عشان خوفه ده بيقول انها واحده هو عارف ومتأكد اني هرفضها. ردت عليه بحدة أمام رجاله غير عابئة بشيئ:
-وانت دخلك ايه باللي هو عايزه؟ انت مديره يا فارس مش ابوه، هو حر. رمقها بنظرة غاضبة وأجزم بشرا سة:
-بتنسي كتير أوي يا ياسمين أنتي متجوزه مين! والظاهر ان لازم من وقت للتاني افكرك وأنا معنديش مشكله في ده.
ارتد جسـ ـدها للوراء وهي ترى الشرر يتطاير من عينه ففزعت على الفور فهي تعرفه حق المعرفة، فصمت عندما وجد خوفها منه بهذا الشكل فعاد ونظر لحارسه واشار له بمعنى هات ما عندك فابتلع زين ريقه بتباطئ واردف:
_اﻻنسه دعاء بنت عم ياسمين هانم. لم ينتبه للولهه اﻻولى للاسم ولكن عندما صاحت هي بتفاجئ:
-بتقول مين؟ التفت لها ووزع انظاره عليهما وقال بصوت اجش متصنعا الهدوء:
-اخت شادي؟! أومأ له فزم فارس شفتيه للأمام وصمت قليلا فتوتر اﻵخر وسأله بتلعثم:
-رأيك ايه يا باشا؟
أجابه بتساؤل:
-مستني رأيي ولا موافقتي؟ أجاب بدون تردد:
-الأتنين يا باشا. نظر له بنصف ابتسامة وسأله مجددا:
-متأكد أنك هتسمع لرأيي وتنفذه؟ أومأ وهو يؤكد:
-انا عمري ما عصيت سيادتك. هز رأسه باﻻيجاب وقال بتصميم:
-يبقى لأ، شوفلك واحده تانيه وأنا اجوزهالك الصبح. دبلت نظراته نحو رب عمله واطرق رأسه بحزن وظل صامتا فقال فارس بتأكيد:
-سمعتني ولا اعيد تاني؟ أومأ له مؤكدا:
-سمعتك يا باشا. اشاح بيده وقال بحدة:
-روح اركب في عربية الحرس وابعت امجد بدالك، وخد باقي اليوم اجازه.
تحرك دون تعقيب صوب سيارة الحراسة اﻻخرى التي تتبعهم، وصعد فارس السيارة ونظر لزوجته التي تحمل رضيعتها بجواره وهي تشعر بالحزن بل بالذعر منه، أمر سائقه بالتحرك فور أن دلف امجد ونظر لها متسائلا بضيق:
-ايه حكايتك؟ لم تعي سؤاله فهمست بتلعثم:
-انا علمت حاجه؟ أجابها بحدة:
-مالك؟ انتي خايفه مني ليه كده؟ أجابته بتوتر ملحوظ:
-مش شايف نفسك؟ من شوية مسكت السلاح وكنت مستعد تسخدمه ودلوقتي نظراتك وصوتك وتهديدك.
ضــ,,ـــــرب المقعد امامه صارخا بحدة:
-عشان انا قولتلك ميت مره متدخليش بيني وبين الناس اللي شغاله عندي وانتي مفيش فايده فيكي. صمتت واطرقت رأسها باكية فزفر باختناق وأمر سائقه:
-اقفل الshield (الحاجز) اللي بينا يا كارم. فعل الأخير على الفور فأصبحا بمفردهما فرمقته بنظرة متخوفه منه، ولكنه شعر بغصة بداخله بسبب خوفها منه بهذا الشكل فأمسك رضيعتهما وتركها بالمقعد المخصص لها والملحق بالسيارة وأمسك راحة زوجته وسحبها ليجلسها على فخذيه؛ فعلت انفاسها وحاولت تركه والجلوس بمكانها ولكنه شدد على خصرها واحتضنها بقوة رامقا إياها بنظرة معاتبة وقال هامسا بجوار أذنها:
-انا قولت لك كام مره أنك أهم حد في حياتي؟
رمقته بنظرة متشككة من حديثه الذي لا ترى صدقه؛ ففهم نظرتها وتضايق من تفسيرها الخاطئ للأمور ففسر بهدوء:
-هو لما بنكون لوحدنا بتشوفي مني حاجه تضايقك أو تخوفك؟ أومأت نافية فعقب على ردها بسرعة وضيق:
-طيب أومال إيه بقى؟ يعني انتي فاهمه كويس إني بحاول أحافظ على هيبتي قدام الناس اللي شغالين معايا، وأنتي بتحاولي بكل قوتك توريهم ضعفي ناحيتك. ردت عليه بحزن وبكاء:
-طول ما أنت شايف حبك ليا ضعف، عمري ما هكون سعيده معاك يا فارس.
صر على اسنانه وقال لها بحيرة:
-معقول ده تفسيرك؟ أنا عمري ما خبيت حبي ليكي بالعكس أنا بظهره قدام اي حد من غير لا خجل ولا كسوف، اللي مش عايز الناس تشوفه هو ضعفي ناحيتك يا ياسمين.
زفر بضيق واطنب:
-انتي ليه مش قادره تفهمي؟ بعمل المستحيل عشان اخليكي مبسوطه ومرتاحه معايا، ومع ذلك أنتي مستكترة إنك تديني مكانتي اللي استحقها منك قدام الناس، مش طالب اكتر من كده والدليل إن وأحنا لوحدنا عمري ما بعلق على اي تصرف بيخرج منك، لكن ازاي؟ ياسمين متحسش أن فارس بيحبها إﻻ لو هزئته وصغرته قدام الناس وهو قبل وسكت، غير كده يبقى مبحبكيش وتبقي مش سعيده معايا، بجد يعني مش مصدق نفسي.
حاولت ترك فخذيه واﻻبتعاد حتى ترد عليه، ولكنها وجدته متمسك بها بشده فقالت بوهن:
-سيبني. رفض محركا رأسه بالنفي:
-لأ. تنفست عاليا وحاولت كبح دموعها فهمس باذنها:
-يا سلطانه براحه عليا وعلى نفسك، أنا اتغيرت كتير أوي عشانك وأنتي محاولتيش تغيري أي حاجه فيكي عشاني، وأنا قابلك بكل ما فيكي، بس انتي مش قادره تقبلي فيا العيب ده بس.
رفع وجهه ينظر لمقلتيها الحزينتين وقال بفضول:
-يمكن يكون فيا عيوب كتير، بصراحه انا مش شايفها والعيب الوحيد اللي شايفه وحاسس بيه هو الهيبه، والهيبه بتخليني عايز معامله معينه من الناس واحترام أنا شايف اني استحقه، فأنتي بقى شايفاه عيب مستحيل تعديه وتستحمليه مش كده؟ أجابته موضحة:
-مش الهيبه يا فارس، الغرور والتسلط والتحكم في كل اللي حواليك حتى اللي ملكش عليهم سلطه. أعاد رأسه للوارء فتحركت من على فخذيه؛ فأحكم قبــ,,ـــــضته عليها وقال بصوت حزين:
-خليكي، عايزه تبعدي عني ليه؟
لم تجيبه فهمس لها:
-حاضر، كل اللي انتي عايزاه هعمله، مبسوطه كده؟ ركزت انظارها بعينيه وسألته:
-بجد؟ أومأ لها فقالت بسرعة:
-طيب وافق على جواز زين ودعاء هما….. قاطعها فورا:
-اي حاجه إﻻ ده. صمتت رومقته بنظرة جامدة، فرفع وجهه ساحبا ثغرها بقـ ـبلة عميقة لم تبادله إياها ولكنه أصر وزاد من تعميقها حتى تجا وبت معه؛ فأخرج اهه عفوية من مذاقها الذي ادخله الجنه وابتعد يرمقها بنظرة عاشقة وقال بحب:
-ايه رأيك نتغدى بره لوحدنا؟
أشارت للصغيرة فابتسم وقال:
-هنسيبها في العربيه مع أمجد ولو حصل وصحت يبقوا يدخلوهالنا. وافقت بحركة طفيفة من رأسها وهي تقضم شفتيها فقبلها من جديد قبلة عاصفة ومؤججة للمشاعر وقال هامسا داخل أذنها:
-عشانك هرجع استخدم وسيلة بكرهها ومش بحب افتكر الفترة اللي كنت بستخدمها فيها. ابتعدت عن حــ,,ـــــضنه ورمقته بنظرة غيورة وقالت:
-آه، أيام الصياعه. ضحك عاليا وأومأ مؤكدا:
-ايوه ايام الصياعة، الحمد لله الذي تاب علينا.
خللت ذراعها بتجويف ذراعه ووضعت رأسها على كتفه تحتضنه من جانبه، وقالت بحب:
-بحبك اوي، وفرحانه أوي أنك اتغيرت وبقيت انسان تاني بتصلي وبتخاف من ربنا، ولو بس تقلل الغرور شويه عشان ربنا مش بيحب البني آدم المغرور. مسح على ظهرها وقال مؤكدا:
-ربنا أكيد شايف أنا كنت فين وبقيت فين، والحمد لله على اللي وصلتله ومفيش حد بيتغير من النقيض للنقيض من يوم وليله. ابتسمت وعقبت:
-عارف يا فارس إيه الحاجه اللي لو عملتها ربنا يشيل أي ذرة غرور من قلبك وتبقى انسان متواضع وكل الناس تحبك؟
نظر لها بفضول وعقب على تساؤلها:
-وأنا كده الناس مش بتحبني؟ حركت أناملها أمام وجهه وأجابت:
-مش كل الناس، الغالبيه العظمى بتخاف منك. ضحك واضاف:
-الخوف حلو برده. قوست فمها وقالت بامتعاض:
-يادي الغرور ياربي. رمقها بنظرة مشاكسة ورد غامزا:
-اكتر صفه بحبها فيا يا سلطانه زفرت باستسلام فسألها ضاحكا:
-طيب خلاص قولي إيه هي الحاجه اللي لو عملتها مش هبقى مغرور؟ أجابته وهي تقبله من وجنته:
-تروح الحج. أبتسم بوجهها وقال:
-والله كانك بتقري افكاري، أنا عامل حسابي السنه دي إن شاء الله أكيد على الحج، بس كان نفسي تيجي معايا.
تحسست بشرته وقالت بتهرب:
-الجيات كتير. ضحك ساخرا وقال:
-اه، افضلي اهربي من ركوب الطيارة كده على طول. قضمت اسفل شفتها وقالت بمقايضة:
-طيب أنا ممكن أوافق على خوض التجربة بتاعة محاكاة الطيران بس بشرط. انتظر سماعها فاضافت:
-تنزل معايا نعمل شوبنج ليا وليك، أنا مقاسي أختلف ومحتاجه هدوم كتير وانت كنت واعدني هتخليني اختارلك هدوم كاچيوال. زادت ضحكاته وعلى صوته وهو ينظر لوجهها الطفولي وقرص وجنتها قائلا بحب غامزا لها بطرف عينه:
-حاضر يا سلطانه، اما اشوف اخرتها معاكي، وكاچولوني.
❈-❈-❈
أنتظر وصولهما للمطعم وتقدم من رب عمله يستأذنه بالرحيل فأذن له؛ فتحرك من أمامه ناظرا له بانكسار فرأته تلك المتعلقة بذراع زوجها؛ فشعرت بالحزن على حاله، ولكنها صمتت مؤقتا حتى لا تثير حفيظة زوجها، أما هو فتحرك مطئطئا رأسه وابتعد عن مرمى أنظارهم وزميله ينظر خلفه متفاجئا من تلك الحالة التي يجده عليها لاول مرة. اشار لسيارة اجرة وتحرك بها لوجهه لا يعلمها فسأله السائق:
-على فين إن شاء الله؟
رد عليه زين بتجهم:
-خليك سايق كده شويه وهقولك. أمسك هاتفه واتصل بها فردت بصوت هادئ:
-زين! متصل بدري انهارده! رد عليها بصوت حزين استشفته فورا:
-منا قولتلك أن فارس باشا قرر يعمل مواعيد، ونبدل انا وأمجد. تخوفت من نبرته فسألت بفضول:
-بس انت مقولتش إنك هتبدأ من انهارده! زفر أنفاسه بفروغ صبر وقال بحدة:
-خلاص اقفلي لو مش عايزه تتكلمي. هتفت فورا وبتسرع:
-استنى بس، أنت مالك فيك ايه؟
أجابها وهو يجاهد لكبح حزنه وغضبه:
-فارس باشا عرف بموضوعنا. ردت بلامبالاه:
-ما انت قولت لي انه عرف. وضح لها بتنهيدة حارقة:
-مكانش يعرف أنه أنتي يا دعاء، كان فاكرني بحب بيري هانم أخت مازن بيه. ابتسمت وقالت بمرح:
-اه تمام، ولما عرف إيه اللي اتغير؟ رد بحدة:
-ايه الهدوء والبرود اللي انتي فيه ده؟ تفتكري رأيه هيكون ايه؟ أكيد رفض يا دعاء. ردت عليه بهدوء وعدم اكتراث:
-طيب ما احنا كنا عارفين أنه هيرفض، إيه الجديد؟
تحدث بحزن مضجع:
-كان عندي أمل يوافق، خصوصا لما حسيته معندوش أعتراض وهو اللي فاتحني في الموضوع، اداني اﻻمل ورجع سحبه مني تاني.




