روايات

الفصل الثاني من رواية نابغة بعصر الأغبياء للكاتبة أسماء المصري

الفصل الثاني نابغة بعصر الأغبياء

عام 1291 قبل الميلاد.
دلف مرتديا درعه الذهبي اللامع ممسكا بسيفه المعلق بخصره يمشي بذهو وتفاخر حتى اقترب من العرش وهتف باحترام:
-مولاي. لم يجب وظل والده مطرقا رأسه ينظر لما بيده فتحدث سيتي بتخوف:
-أبي! نظر له رعمسيس بتجهم وجهه فأعقب الثاني:
-لقد انتصرت جيوشنا و……. قاطعه رعمسيس هاتفا بضيق:
-تلك الرسالة آتية من كهنة آمون رع يا بني، يريدون مني ټدمير جميع الآثار المتعلقة بالمعبود آتون وطمس آثاره هو ومؤيده.

رد متسائلا بحيرة:
-تقصد طمس آثار الملك الراحل إخناتون؟ أومأ فسأله مستفسرا:
-وما سبب تجهمك هكذا يا أبي؟ ابنك القائد قد جاء لك منتصراً بحربه ضد الحيثيين وأنت متضايق لأجل هذا! رد موضحاً:
-تعلم أننا لسنا من نسل ملكي ولا نحمل حتى آية دماء ملكية، ونحتاج لتدعيم أقدامنا بالحكم حتى تستمر أسرتنا بحكم البلاد، وإن أظهرنا ضعفا فكهنة آمون رع هم من سيحكمون البلاد، وإن رفضت طلبهم فسأدخل معهم بحرب باردة سيكونون هم الفائزون بها يا بني ولا أجد حلا لتلك المعضلة.

ابتسم سيتي وقال مطمئنا:
-لا تقلق مولاي فأسرتنا، أسرة الرعامسة ستحكم حتى ينتهي نسلها ذكورا كانوا أو إناثا وسترى. اقترب أكثر وانحنى باحترام قائلاً:
-وإن كنت قلق بشأن كهنة آمون رع فاترك لي الأمر وسأعمل أنا على طمس جميع اﻵثار الخاصة بآتون عن طريق بناء معابد ومقاپر خاصة بعائلتنا فوقها دون إدراك الشعب أن تلك هي رغبة الكهنة. اتسعت بسمة رعمسيس لذكاء نجله الوحيد وقال باهتمام:
-معك حق، ولكن هناك أمراّ آخر أريد أن اتناقش معك بخصوصه.

انتبه سيتي لوالده فاردف الأول:
-أريد تنصيبك كملك للبلاد. نظر له بدهشة وسأله:
-وأنت لا تزال على قيد الحياة؟ أومأ مؤكداً وفسر له سبب رغبته تلك:
-حتى توطد أقدامك بالحكم يا بني، أسرتنا لا تزال بمطلع شبابها وأنا كبير بالعمر وتعلم أن المړض توغل بداخلي ولن أعش طويلاً ولا أريد صراعاً على العرش بعد مۏتي؛ فاستمع لما أقوله ولا تجادلني بالأمر. حرك رأسه موافقاً على أمر والده النافذ وسأله:
-وماذا عن الكهنة وموافقتهم؟

رد بحيرة:
-تلك هي المعضلة الأخري التي أعلم يقينا أنك ستجد لها حلا. جلس سيتي بجوار والده على المقعد الذهبي المجاور للعرش وحك ذقنه بتفكير وقال أخيراً بعد طول تفكير:
-تُعلن تتويجي وبعدها نقيم حفل التتويج بالمعبد وبحضور جميع الكهنة. سأله رعمسيس:
-من تقصد بجميع الكهنة؟ رد مؤكداً:
-كهنة آمون ورع وحورس وست وبهذا نكون قد احترمنا ميثاقنا معهم ومع الكهنة الخاصة بهم، وأيضاً أخذنا مباركتهم حتى ولو رفضوا، فبمجرد حضورهم التتويج تعني الموافقة الضمنية على الأمر ومنها نظهر بمظهر القوة فلم تقتصر دعوتنا على كهنة آمون فحسب.

ابتسم الفرعون باستحسان على ذكاء وفطنة نجله وربت على كتفه بحب معقبا:
-معك حق وهكذا نبدأ عصر جديد، عصر أسرة الرعامسة.
❈-❈-❈ وقفت برفقة باقي الفتيات تتزين وترتدي ثيابها والجميع يضحك بسعادة واستمعت لاحداهن تقول:
-يقول البعض أنه وسيم بشكل خاطف للأنفاس. ردت أخري:
-الملك رعمسيس رغم كبر سنه إﻻ انه وسيم أيضاً والملكة كذلك فكيف لا ينجبا رجلٌ بتلك الوسامة! اقتربت بنترشيت وسألتها بفضول:
-هل رأيته من قبل؟ أومأت الكاهنة بالإيجاب وقالت ببسمة متسعة:
-منذ سنتين بعهد الملك حور محب وكان مجرد جندي يعمل تحت إمرة والده قبيل أن يتوج الأخير ملكاً بعد مۏت الآخر.

جلست أمامها هي وبقية الفتيات تنظرن لها باهتمام وهي تطنب الوصف:
-جاء إلى هنا ودلف ممشوقا بجسده الفتاك ذاك وطلب مقابلة الكاهن الأعظم، بالطبع لا أعلم ماذا أراد منه ولكن ما خطڤني هو طريقته القوية في التحدث فهناك رجالاً قد خلقوا ليقودوا وهو واحدٌ منهم. ارتسمت السعادة على وجوه الجميع فطلبت منها بنترشيت:
-صِفيه لنا. اتكئت بجسدها بأريحية وقالت:
-طويل القامة وعريض المنكبين وشعره لامعا ولونه فاتح ليس حالكا كحال الجميع هنا.

فسرت إحداهن:
-ربما شعره ملون لوالدته فهي من أصول أجنبية. أومأت الكاهنة تؤكد ذلك الحديث وأضافت:
-وملامحه جميلة ټخطف الأنفاس. قطعت حديثهن الكاهنة الكبرى والتي هتفت بتوبيخ:
-انجزن عملكن يا كاهنات، هيا بلا تلكئ. شددت على كلمتها وأضافت:
-ولا تنسين أنكن كاهنات حقا، وهبتن أنفسكن للمعبد فلا تستطيع إحداكن أن تقع بالحب أو أن تتزوج أو تنجب أو حتى تفكر بالرجال لذا احذرن فذاك طريقٌ للمۏت. امتعض وجوههن جميعا ولكنها لم تعبأ بأحد وصاحت بقوة:
-هيااا فمراسم التتويج قد اقتربت ولا بد من تواجدكن بالبهو استعدادا لاستقبال العائلة الحاكمة وجميع الوزراء والقادة، هيا لا تتلكئن.

خرجت فعدن جميعاً للتجهز ولكن بنترشيت ظلت تتخيل شكله من وصف تلك الكاهنة حتى كونت صورة بمخيلتها عنه وعن ملامحه، فابتسمت رغما عنها وتحدثت بداخل نفسها:
-الحب! ماذا تعني تلك الكلمة؟ ❈-❈-❈ وسط اﻻحتفالات ليس فقط بانتصاره الساحق على الأعداء ولكن أيضاً لحبهم الشديد له وقبولهم تتويجه ولا زال والده على قيد الحياة، هتف العامة من الشعب بفرحة وهللوا بسعادة أثناء سيره بموكب ضخم ومهيب لا يليق إﻻ بشخصه الواثق والقوي.

قفز من على فرسه وخطى داخل المعبد مطرقا رأسه قليلاً ليتفادي أوراق الورود وفروع الزهور التي تُلقى عليه من قِبل عامة الشعب الملتفين حول المعبد بكثافة. فور أن دلف للداخل وجد جميع الكهنة متراصين بجانب بعضهم البعض يستقبلوه بحفاوة وحرارة مرحبين به وبحاشيته، فأومأ لهم إيماءة خفيفة ورسم ابتسامة ضيقة على وجهه وتحرك تجاه الممر المؤدي للمذبح الخاص بالمعبد. وقف أمام الكاهن الأعظم وهو ينظر له بتدقيق لملامحه الحادة والجامدة فابتسم ذلك الرجل حليق الرأس وقال:
-مبارك عليك الانتصار والتتويج مولاي.

انحنى فوراً أمامه فتبعه الجميع حتى والده الفرعون آثر أن ينحني هو الآخر تبجيلا له ولانجازاته فشعر بالفخر والفرح، وبدأت مراسم التتويج حيث وقف رعمسيس أمامه حاملاً تاجه العالي والمكون من قطعتين دليل على سيادته للوجه البحري والقبلي وهتف عاليا:
-اليوم أتوجك أيها القائد سيتي لتكون فرعون مصر. وضع التاج على رأس نجله وانحنى من جديد باحترام ولكن تلك المرة قام الجميع بالسجود أرضا كنوع من التبجيل والاحترام فوقف منتصبا عندما خاطبه الكاهن:
-أيها الملك سيتي مر إن بتاح توجناك حاكماً للبلاد فلتتخذ لنفسك اسم يليق بك وبالمعبودات.

رفع رأسه بشموخ ورد:
-أنا الملك سيتي مر إن بتاح (معناه رجل المعبود ست ومحبوب المعبود بتاح) حاكم الأرضين  و مِن معت رع (وتعني خالد هو عدل رع).

صاح الجميع بسعادة لتخرج الكاهنات يحملن باقات الزهور والورود بأيديهن وسرن بخطين مستقيمين ومتوازيين فحاوطنه والقين الزهور عليه، فأغلق عينيه يرمش بفرحة حتى وقعت عينيه عليها وهي تنظر له مبتسمة وسعيدة فاتسعت بسمته وظل محدقا بها بشكل كبير حتى لاحظت هي ولاحظن باقي الكاهنات تحديقه بها؛ فتهامسن حتى انتبه هو لنفسه وأدار وجهه ينظر بغير إتجاه، ولكنه عاد ونظر لها وكأنه سُحر فور أن رآها فرسم ملامحها فوراً داخل عقله ولم ينس أن ينتهز أول فرصه للتقرب منها وسط انشغال الجميع بالاحتفال وشرب الخمر فانحنى هامسا بأذنها:
-ما اسمك؟

رفعت وجهها تنظر له بانبهار وتعجب، فهل تخلى الفرعون عن مقامه العالي وتحدث معها هي؟ فتلعثمت وترددت، فإبتسم لها وسحبها بعيداً عن أعين الجميع وسألها مجدداً بعد أن تأكد أنهما بمفردهما:
-قلت لكِ ما اسمك؟ ابتلعت ما بحلقها وأجابت:
-بنترشيت يا مولاي. اقترب منها أكثر وأمسك خصلة من شعرها وداعبها بسبابته مرددا:
-بنترشيت الجميلة، قيثارة الحب. أطرقت رأسها بخجل فهتف بإطراء:
-وكأن اسمكِ قد خلق لكِ، قيثارة الحب تعزفين على أوتار القلوب فيقع أعتى الرجال صريع عشقكِ.

لم تتخيل بأحلامها أن تسمع مثل ذلك الغزل ومِن مَن؟ مِن الفرعون ذاته، فحقا هي تهذي أو تحلم فصرحت لنفسها بانبهار:
-يا إلهي هل يمكن أن يصنع الغزل كل هذا لمجرد سماع بضع كلمات! أم أن قائلها هو من جعل الفؤاد ينبض بشراسة ليصبح صوته صاخبا هكذا! ظل يرمقها بنظرات متغزلة وهي ترتعش من نظراته فهمس بأذنها قبيل أن يغادر:
-سنلتقي مجدداً قيثارتي الجميلة. ❈-❈-❈ ظل محدقا بسقف الغرفة وهو ممددا على فراشه الناعم فاحتضنته قرينته وابتسمت له قائلة:
-تشعر بالأرق؟

أومأ دون تعقيب فعقبت:
-لم يتغير شيئا بتنصبك وتتويجك سيتي، فقد كنت أنت من يدير البلاد حتى قبل التتويج. رمقها بنظرة جامدة وأغلق عينيه محاولاً الهروب من حديثها الذي يشتت تفكيره عن تلك التي سحرته بمجرد نظرة من عينيها، ولكنها لم تيأس محاولة اختلاق أى حوار بينهما؛ فبالرغم من قبولها الزواج منه وهو لا يحمل دماء ملكية عكسها هي التي تنحدر من عائلة ملكية أباً عن جد إﻻ أنها لم تشعر مطلقا أنه ممتن لموافقتها الزواج منه، فهي تعلم جيداً أن زيجتهما سياسية ولكنها أصبحت زوجته وقرينته وأم ابنته الوحيدة.

وها هي تحمل بأحشائها جنين آخر قد يكون ولدا يصبح له شأنا عظيما كوالده وحتى إن شعرت هي بالمسافة التي يضعها بينهما دائماً وقد تقبلتها قديما بسبب تأملها أن تصبح بيوم من الأيام زوجة الملك؛ فها قد تحققت أمنيتها أخيراً ولن تدع أي شيئ يقف عائق بينهما. سعلت سعلة صغيرة لتزيل حشرجة صوتها وداعبت صدره بأناملها ففتح عينيه ينظر لها بحدة فابتسمت بتصنع وقالت بمشاكسة:
-ألم تشتاق لي! لقد طالت غيبتك مولاي وعودتك من الحړب أعقبها التتويج فلم نجد الوقت للإختلاء ببعضنا البعض.

ابتلع ريقه وتنهد تنهيدة عميقة ورد مقتضبا:
-أشعر بالإجهاد تويا فالحړب ظلت لثلاثة أشهر كاملة. ربتت على صدره مؤيدة حديثه بذكاء:
-معك حق. وضعت يدها على بطنها المنتفخ قليلا وحاولت استخدام ورقة آخرى لربما تفلح فقالت برقة:
-أشعر به يتحرك. رمقها باهتمام وسألها:
-هل أخبرتكِ العرافة أنه ولد؟ أومأت بسعادة وأضافت:
-نعم، أكدت لي أنه ولد وسوف يكن له شأنا عظيماً كوالده، هل تعلم ماذا قالت لي أيضاً؟ استمع لها بإنصات:
-ماذا؟

انتبهت أنها قد استرعت انتباهه فأطالت بالحديث تخبره بإطناب:
-فور أن وضعت يدها على بطني لمعت عيناها ونظرت لي قائلة أن اسمي سيحفر في التاريخ بجوار اسمك كقرينة أعظم ملك لمصر وكأم لأعظم ملوك الكون، وأنه سيذيع صيته بالعالم أجمع شرقا وغربا، شمالا وجنوبا وحتى بالعالم الخفي والذي لم يُكشف لنا بعد وأيضا على مر العصور. ظلت تثرثر وهو ينظر لها بفرحة واستمتاع:
-أخبرتني أنك ستشن الكثير من الحروب وسيخلفك هو، ولكنه سيترك أثرا بالتاريخ لن ينس أبد الدهر.

ضحك وداعب ذقنها قائلاً:
-أتقولين أن ابني سيذاع صيته أكثر مني؟ تخوفت من شعوره بالغيرة من جنينه الذي لم يولد بعد فحمت بطنها بكفيها وقالت بتخوف متلعثمة:
-اا أظن أنها عنت أنه سيكون…… قاطعها ضاحكا وقال لها بقبول:
-وأنا أتمنى أن يصبح نجلي أعظم مني وأن يتخطى صيته العالم، بل أتمنى أن يصبح كل نسلي هكذا أيتها الملكة تويا زوجة الملك وأم الملك القادم. ابتسمت بفرحة فسألها باهتمام:
-كيف حال ابنتي تيا؟

ردت بإيجاز:
-بخير. زم شفتيه وقال بحدة:
-اتركي لها بعض المساحة حتى لا تفتعل المشاكل فانتِ تعلمين أنها عنيدة. شعرت بالفرح من مشاعره الصادقة وحبه الحقيقي لابنائه، ولكنها قلقة فقالت بمغذى:
-أتمنى أن أعلم ممن ورثت تلك الخصال المتمردة والعنيدة يا ترى؟ ضحك عاليا وسحبها داخل حضنه قائلاً:
-أظن ورثتها من ذلك النائم أمامك ملكة تويا. قبلها قبلة عميقة فتركت نفسها له قلبا وكيانا تشعر بالفرحة بعد أن استطاعت إخراجه من حالته المتجهمة والرتيبة التي يتركها دائما بها.

❈-❈-❈ استيقظ وهو لا يستطيع محوها من عقله فها قد مر شهر على تتويجه ولكنه لا يزال يفكر بها وقد زاد الأمر أنه أصبح يتخيلها بهيئة قرينته فزاد من لقاءاته الحميمية معها فقط ليوهم نفسه أنه مع من شغلت عقله. خرج لحديقة منزله فوجد ابنته تلعب بالباحة فاقترب منها وناداها:
-تيا. هرعت الأخيرة ترتمي بحضنه هاتفة:
-أبي. انحنى بجزعه قليلاً وحاول حملها ولكنه تصنع عدم القدرة فمازحها هاتفا:
-آااه لقد أصبحتِ ثقيلة يا فتاة، أظن أنكِ قد كبرتي.

ردت الأخرى مؤكدة:
-نعم أبي فقد اقتربت من عامي الحادي عشر. ربت على شعرها وقال بحب:
-لكِ كل الأعوام الماضية والقادمة حبيبتي. تركها وتحرك صوب قائده وحامي أسراره (القائد توت) فور أن أشار له باحترام فهمس له بأذنه:
-مولاي، لم أستطع فعل شيئاً مطلقاً. رمقه بنظرة حادة وسأله:
-ماذا تعني؟ ألم تستطع أن تطلبها لخدمة ابنتي كما أمرتك! رد موضحا:
-لقد ذهبت للكاهن الأعظم وطلبت منه كاهنة لتكون معلمة للأميرة تيا، ولكن لم أجد طريقة مناسبة لاخباره باختيار كاهنة بعينها؛ فلقد رشح لي إحداهن وأنااا……..

قاطعه رافعا راحته أمام وجهه ليصمت وصر على أسنانه وقال:
-أظن أن تلك المهمة أكبر منك توت لذا أترك لي الأمر. تحرك من أمامه باحترام فعاد ينظر لابنته وجلس بجوارها وقال بهدوء:
-تيا، ألا تظنين أن الوقت قد حان من أجل تعليمك بعض الأمور الدينية يا ابنتي؟ ردت بتلقائية:
-أمي تصحبني للمعبد كلما سنحت لها الفرصة. أومأ باستحسان وأضاف:
-نعم، ولكن كان ذلك قبل أن أصبح أنا الملك الرسمي للبلاد، فاﻵن الوضع قد تغير لذلك أرى أنه من الأفضل أن تختاري كاهنة تمكث معكِ وتعلمك هنا وسيكون جيداً أن يصبح لكِ صديقة أيضاً.

رمقته بنظرة غريبة ومتعالية وقالت بغرور:
-أتريد مني مصادقة كاهنة من الفقراء وعامة الشعب وأنا ابنة الملك يا أبي؟ احتدت نظرته لها وقال بصرامة:
-لا تتحدثي هكذا عن عامة الشعب فقد كان أباك وجدك منهم بيوم من الأيام لذا لا أحبذ مطلقاً أن تتحدثي بذلك التعالي والغرور يا ابنتي. أومأت باحترام وقبول لأوامر والدها فسمع نحنحة خلفه وما كانت إﻻ من زوجته التي رمقته بنظرة مستفسرة لما استمعت له فسحبها وابتعد قليلاً لينفرد بها فسألته بحيرة:
-لماذا تريد إحضار كاهنة لترافق ابنتنا؟

أجاب محاولا إظهار الجدية:
-فقط أريدها أن تعتاد التعامل مع العامة وأن تزيل الغرور والتكبر من داخلها، وتوقفي عن زرع تلك الأمور برأسها فليس كل الناس ولدوا ملوكا مثلكِ تويا. زفرت باختناف من حديثه وابتعدت عنه فهدر بها:
-أنا لم أئذن لكِ بالمغادرة من أمامي. عادت تنظر له برهبة فصاح بحدة:
-لا تنسي أننى الملك، نفذي أوامري بما يخص ابنائي ولا تجادليني بالأمر. أطرقت رأسها بصمت تنتظره فقال بصيغة آمرة:
-تجهزي حتى نذهب سويا لنجعل ابنتنا تختار مرافقتها الدائمة من المعبد.
❈-❈-❈

اﻻصرار لنيل رغبة اﻻنسان وملاحقته بشكل مُلح يجعله لا يرى أمامه العقبات أو حتى الأخطار التي قد تؤثر عليه، ولكنه لم يعبأ بأي شيئ سوى بامتلاكها؛ فجلس بجوار قرينته وابنته وقام الكاهن الأكبر بإحضار الكاهنة التي قد اختارها بالأساس فوجدها الأول كبيرة بالسن ففرح بداخله لإيجاده سببا مقنعا يرفض على أساسه اختيار الكاهن. نظرت الملكة تويا للكاهنة باستحسان ونطقت بكلمة واحدة:
-مناسبة. رمقها سيتي بنظرة حادة جعلتها تكف عن الكلام وعلق باقتضاب:
-غير مناسبة نهائياً فسنها كبير ولن تكن مرافقة جيدة لابنتي.

صرح الكاهن الأعظم موضحاً:
-ولكنها من أكفأ كاهنات المعبد وذات خبرة كبيرة وستصبح معلمة جيدة للأميرة تيا يا مولاي. حك رأسه رافضا وقال:
-أنا أريد كاهنة لتصبح معلمة وصديقة ومرافقة لابنتي وهذه ليست مناسبة، فاختار لابنتي كاهنة بعمر صغير أو الأفضل من ذلك احضرهن جميعاً لهنا وأترك اﻻختيار للأميرة تيا. أومأ الكاهن الأعظم باحترام وطاعة وتحرك من أمامه ليجلب الكاهنات وأوقفهن متراصين أمامه فلمحها فورا ليشعر بصخب دقات قلبه التي ارتفعت رغماً عنه، ولكنه حاول التماسك وإخفاء مشاعره وانحنى لابنته هاتفا:
-تمعني النظر جيداً واختاري من بينهن عزيزتي ما تجديها مناسبة.

نظرت تيا أمامها بتمعن وابتسمت لهن ودارت بعينيها تنظر يمينا ويسارا فاقترب سيتي منها وانحنى يهمس لها:
-أظن أنك مترددة؟ أدارت وجهها ناحيته وأومأت مؤكدة وهمست له بدورها:
-لا أعلم أختار على أي أساس أبي! ابتسم بفرحة وقال بهدوء:
-دعيني أساعدك. أدار نظره للكاهنات يتصنع الحيرة حتى وجد ضالته فأشار بعينه تجاهها وهمس لابنته:
-ما رأيك بتلك؟ نظرت له بلامبالاة قائلة:
-لا بأس بها. اعتدل بوقفته واقترب منها وسألها:
-ما اسمك؟

أرادت أن تخبره ولكنها شعرت بتوتر ورهبة فما كان منها إلا أن صمتت وأطرقت رأسها لأسفل فصړخ بها الكاهن الأعظم بتوبيخ:
-أجيبي الملك يا لعينة. هدر سيتي فوراً بالكاهن:
-لا تصرخ بها واتركها تتحدث فهي خائڤة لا أكثر. نظر لها من جديد وكرر سؤاله:
-ما اسمك؟ رفعت وجهها ونظرت له بحزن فهل نسي اسمها، ولم لا؟ فهو الملك وهي مجرد كاهنة من عامة الشعب؛ فابتلعت ريقها وأجابت بتوتر:
-بنترشيت يا مولاي.

سألها مجدداً:
-وعمرك؟ أجابته:
-أربعة عشر عاماً مولاي. لمعت عينيه ونظر لها بتدقيق وقال بتعجب:
-أربعة عشر عاما؟ تبدين بالعشرين من عمرك! وقفت تويا بجواره واستندت عليه قائلة:
-بعض الفتيات تبلغن أسرع من البقية مولاي، ولكنها بعمر مناسب لابنتنا وأظن أنها أفضل اختيار. الټفت وأومأ لها مؤكداً ولكنه تحدث داخل نفسه بحزن:
-إنها بعمر ابنتك يا هذا، فكيف بحق آمون ارتعش قلبلك لأجلها بهذا الشكل؟ ❈-❈-❈

لما فعل به الهوى الكثير ظل يحاول جاهداً أن ېقتل ذلك الإحساس بداخله ولكن هيهات فوجودها أمامه معظم الوقت تجلس برفقة ابنته جعلت مشاعره تؤجج بشكل لا مثيل له، فأنب نفسه ووبخها لإقدامه على إحضارها لتكن أمام ناظريه هكذا. جلس بحديقة قصره الواسعة يرمقها من بعيد وهي تلهو وتلعب مع ابنته كطفلة لا تختلف عن خاصته بشيئ؛ فتحدث داخل نفسه موبخا:
-لقد أخطأت بإحضارها إلى هنا، فكيف ستُمحها من عقلك إن ظلت أمام ناظريك هكذا؟

تنهد بحيرة فشعر بأنامل ناعمة تداعب عنقه وتقترب من أذنه هامسة برقة:
-مولاي، لما أنت شارد بهذا الشكل؟ رد باقتضاب:
-شارد بأمور الدولة لا أكثر. الټفت وجلست بجواره وقالت:
-أعلم كم أنت مشغول ولكنني أريد التحدث معك بشأن تلك الكاهنة. لمعت عينيه فوراً وحاول إخفاء مشاعره ورسم اللامبالاة وسأل بإيجاز:
-ما بها؟ ردت موضحة:
-لا أجدها مفيدة لابنتنا، فقط تلهو وتلعب معها. الټفت رافعاً حاجبه وقال بحيرة:
-وتعتبرين هذا عدم إفادة! أليس من الجيد أن تجد تيا من تصادقه ويقوم بتسليتها!

أومات وردت:
-بالطبع، ولكنها لا تقوم بتعليمها أي أمور دينية فكما تعلم الفتاة لا زالت صغيرة ولقد علمُت انها ألقت نذورها منذ فترة وجيزة لذا لا أجدها أهلاً لتلك الوظيفة. سحب نفسا عميقا وطرده خارجا وسألها:
-ماذا تقترحين؟ أجابت فوراً بدون تفكير:
-أفكر بإعادتها للمعبد وإحضار أخرى ذات معرفة أكثر لتستفاد منها ابنتنا وتتعلم.

فكر بداخله لربما هذا هو الحل الوحيد أن يتركها لتعود من حيث جائت فما يشعره نحوها مستحيل من جميع الجوانب، فمن ناحية هي كاهنة ولا يمكن لها أن تجمعه بها أي علاقة فهذا يعتبر تدنيس لحرمة المعبد، ومن ناحية أخرى سنها الصغير المقارب لعمر ابنته، ومن ناحية ثالثة زيجته من نسل ملكي بالإضافة لحملة ألقاب عديدة أهمها أنه الملك الأوحد لمصر. ظل صامتا يفكر وهو ينظر ناحيتها فهمهمت تويا تكرر سؤالها:
-ما رأيك مولاي باقتراحي؟

أومأ موافقا وهو يظهر على وجهه ليس الحزن فحسب ولكن اكتسح اﻻقتضاب كل ملامحه فسألته باهتمام:
-ما بك مولاي؟ لما أنت متجهم هكذا؟ أجاب بايجاز:
-لا شيئ فقط أفعلي ما اقترحتِه ولا تشغلي عقلي بتلك الأمور مجدداً. تعجبت من رده وابتعدت تتمتم بتذمر:
-ألم يكن هو من تدخل بذلك الأمر من البداية؟ تحركت صوب الحارس لتخبره بأخذها بعيداً وإعادتها للمعبد وإحضار تلك الكاهنة اﻻخرى والمرشحة من قبل الكاهن الأعظم فأومأ الحارس بطاعة وإحترام وتحرك لتنفيذ رغبه مليكته.

فور أن اقترب الحارس منهما وأخبر الأميرة بقرار الملكة صړخت تيا رافضة بإصرار وهى تقول بحزن وبكاء:
-لاااا، أنا ﻻ أريد غيرها، من أمرك بذلك أيها الحارس؟ أجاب باحترام:
-إنها أوامر الملكة. تحركت تدب الأرض بعصبية ورفض والتفتت تنظر لبنترشيت هاتفة بتأكيد:
-لا تتحركي من هنا سأحل أنا ذلك الأمر. أومأت لها بنترشيت وجلست حزينة تنتظر قرار مصيرها فهي تشعر هنا بالألفة والحب من قِبل الأميرة تيا بالإضافة لأن حياتها هنا أفضل بكثير من حياتها بالمعبد.

سارت بالحديقة بلا وجهة تتحرك بحزن لا تعي أين تذهب ولا تعلم ما ستؤول إليه حياتها حتى أنها لم تدرك أنها قد وصلت للحديقة الخاصة التي يجلس بها الملك ذاته، فأوقفها الحرس فور اقترابها منه فرفعت رأسها المطرق لأسفل ونظرت لهم بعينين دامعتين واعتذرت:
-اسفة، لم أع أنني بالحديقة الخاصة وسأغادر حالاً. همت بالتحرك ولكن صوته الحاد أوقفها عن الاستمرار عندما قال بصوتٍ عالٍ:
-قفي مكانك. تسمرت بمكانها شاعرة برهبة فترك مقعده الذهبي وتحرك ناحيتها ووقف قبالتها ورمقها بنظرات متحيرة، فكيف استطاعت تلك الطفلة جعلة يشعر بذلك الضعف الذي لم يشعر به قبلاً.

رقق صوته عندما وجد عبراتها تبلل وجنتيها فقال:
-ما بكِ؟ أجابت بصوت حزين:
-لقد أمرت الملكة بإعادتي للمعبد. ابتسم من شكلها الطفولي وسألها بتلاعب:
-وهذا ما يحزنكِ هكذا؟ أومأت مؤكدة فعقب متسائلا:
-ألا تريدين العودة؟ حركت رأسها رافضة فقال والبسمة تعلو شفتيه:
-حسناً لن تعودي. رفعت وجهها تنظر له بإنبهار وإعجاب ولكنها تذكرت أن الملكة قد أمرت بذلك فقالت بتلعثم:
-ولكن الملكة قد أمرت ب….. قاطعها مؤكداً بصوت جاد وعالٍ:
-أنا الحاكم الأوحد وملك الأرضين، فهل يوجد من يستطيع أن يرفض لي امراً؟

ابتسمت وحركت رأسها عدة حركات متتالية بالرفض مؤكدة أنه لا يوجد سواه الحاكم الأكبر؛ فنظر بعينيها التي سحرته وظل محدقا بها وقبيل أن يتحدث استمع لصوت ابنته تقول بصوت صارخ:
-أبي، أنا لا أريدها أن تذهب رجاءا تحدث إلى أمي وأخبرها برغبتي فهي لا تريد أن تستمع لي. لم يدير وجهه لينظر لابنته بل ظل محدقا بوجه الملاك الذي أمامه يسحره بتعويذة تسرق القلوب، ولكنه استمع لصوت قرينته وهي تعقب على حديث ابنته مؤكدة:
-لقد تحدثنا أنا وأبيك ووافق على اقتراحي لذا لا تفتعلي مشاكل تيا كل ما بالأمر أننا سنستبدلها بأخرى.

رمقت والدتها بنظرة حادة وعادت تصرخ بتذمر:
-أبي أرجوك، أنا لا أريد غيرها. ابتسم سيتي لتلك الواقفة أمامه والټفت ينظر لعائلته وقال بأسلوب قاطع:
-لا تقلقي ابنتي، فهي ستظل هنا حتى تشيب وتصبح عجوز شمطاء إن اقتضى الأمر. حاولت تويا التحدث فقالت برفض:
-ولكن يا مولاي لقد أخبرت الكاهن الأعظم بالفعل بتجهيز كاهنة أخرى و….. قاطعها سيتي بنظرة حادة أخرستها والتفتت يغمز لبنترشيت بطرف عينه فاندهشت من طريقته وعاد ممسكا بكتف زوجته آمراً:
-هذه أوامري تويا، وستنقذ دون نقاش فابنتك قد تعلقت بها وأنا لا أريد كسر قلبها.

زمت تويا شفتيها بامتعاض وحركت رأسها باستنكار وأومات بطاعة واحترام:
-أمرك مولاي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى