روايات

الفصل السابع من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل السابع روضتنى الجزء الثالث

الفصل السابع لا أحد منا يعرف ما قد يحدث في الدقيقة التالية، مع ذلك ما زلنا نمضي؛ لأننا نثق؛ لأننا نؤمن.
باولو كويلو
❈-❈-❈
أحياناً يمر علينا الوقت دون أن نشعر من كثرة حلاوته وعذوبة التمتع به؛ فتجد نفسك محاطاً بكل ما هو جميل ولذيذ ينسيك الهموم والمآسي التي مررت بها؛ فتشعر وكأن الحياة كافئتك أخيراً على صبرك، ومن ثَم تجد لكل شيئ طعم بعد أن تكون قد فقدت الشعور بالتذوق؛ فتستطعم حلاوة عودته مرة أخرى.
ولكن الحياة أحياناً ما تخدعك وتجعلك تظن أنك المسيطر وعلى أعلى قمة من جبل السعادة، وفجأة تجد نفسك تقف على حافة الهاوية؛

فتسقط ويسقط معك أحلامك وآمالك.
لذا دائما وأبداً استمتع بوقتك لآخر رمق لك في الحياة، حتى لا تندم على ضياع وقتك الثمين هذا بين التلكئ والتذمر، واقتنص الفرصة متى سنحت لك، واعمل على استمرارها أكبر وقت ممكن.
استيقظت على صوت تحركه بالجناح وهو يرتدي ملابسه فاعتدلت بجسدها واحكمت الغطاء على جسـ دها العا ري وتنحنحت لتجلي صوتها الناعس فانتبه لاستياقظها واقترب منها مقـ ـبلا إياها من تجويف عنـ ـقها وتمتم هامسا:
-صباح الخير على الياسمين.
ردت وهى تطوق عنـ ـقه بذراعيها:
-صباح النور يا قلب الياسمين، أنت هتروح الشغل انهارده؟

رفع حاجبه الأيسر بدهشة وقال متسائلا:
-هو أنا كنت قولت اني مش رايح؟
زمت شفـ ـتيها للأمام بطفوله تهلك رجو لته وترجته بدلال قا تل:
-خليك معايا انهارده عشان خاطري.
انزل ذراعيها المحاوطه رقبته وقال بجدية زائفة :
-أنا مشغول أوي انهاردة وعندي كذا Meeting، يلا بلاش دلع.
تحرك متجهاً صوب الباب؛ فانتفضت تلف ملاءة الفراش على جسدها ووقفت أمامه ترجوه:
-فروستي، عشان خاطري خليك معايا انهارده عشان الناني الجديده جايه وعايزاك تشوفها وتديني رأيك، وكمان بتوع تجهيزات الحفله، ومش هعرف أجهز كل ده لوحدي.
جعد جبينه وقال بصوت ساخر:

-ياسمين غزال اشطر Assistant خاصة لفارس الفهد مش هتعرف تحضر Event بسيط كده وتعمل انترفيو لناني؟
ارتفعت على اصابع قدميها وقالت بغنج:
-آه … ومحتاجه جوزي وحبيبي يكون معايا في يوم مهم زي ده.
سحبها اكثر داخل حــ,,ـــــضنه؛ فأرتفعت عن اﻻرض قليلاً وأحكم من احتضانها وقال بعبث:
-بس كده أنا هضعف ومش هلحق المييتنج اللي عندي 9 الصبح.
رسمت ملامح الطفولة البريئة على وجهها؛ فابتسم وحملها متجها لفراشهما وهو يقول بحزم مصطنع:
-لازم أكون في الشركة بالكتير اوي 9 … فاهمه؟

العشــ,,ـــــق والحب وتلاحم ليس فقط اﻻجـ ساد بل اﻻرواح من يجعل المرء يشعر بانه يحلق بالسماء او حتى انه يمشي على القمر وربما يقفز على الوان قوس قوزح ليتمتع بانعاكس كل لون من ألوانه السبع، لحظات وارتمي فارس بجوارها يلهث بانفاسه مغلقا عينه باستمتاع؛ فاحتضنته وهمست تسأله:
-هتقعد معايا؟
نفى على الفور وهو يجاهد تعبه واجهاده متحركا صوب المرحاض هاتفا بتاكيد:
-انا قولت عندي شغل كتير انهارده، بس وعد مني اﻻسبوع الجاي هفضي نفسي يوم واخدك افسحك انتي وبس.
❈-❈-❈
وصل مقر شركاته وصعد الدرج فوجد مازن يدلف لتوه فابتسم وسأله بمشاكسه
-ايه ده معقول؟

مازن الفهد جاي بدري؟!
ضحك مازن عاليا ورد معقبا:
-لا و انت الصادق انت اللي جاي متأخر.
نظر فارس بالتو في ساعته؛ فوجدها على مشارف التاسعة فلمعت عينه وابتسم لتلك الذكرى الصباحية التي تركتها له زوجته؛ ففهم مازن ملامح اخاه الروحي فربت على ظهره هاتفا بمرح:
-ده باين عليها كانت اصطباحه عسل يا بوص.
دفعه فارس بغلظه وهو يسبه ضاحكا:
-بغل، عيل رزل ملكش حل.
وقف بوقار واضعا يده بجيب سترته ناظرا لمساعدته يسألها:
-مدير شركة الحراسات وصل؟
أومأت له مؤكدة:
-ومستني حضرتك في المييتنج روم يا فندم.

حرك رأسه ولكنه تعجب بذلك الملمس الناعم الذي يشعر به داخل جيبه، فظل يحرك كفه داخله يحاول معرفة ماهيته، واخرجه بالنهاية دون حيطة أو حذر لينظر له فوجده قطعة من ملابس زوجته التحتية مرفق معها رسالة مثبته به ومكتوب عليها:
-دي ذكرى مني عشان ترجعلي بسرعه.
شعر بالعرق يغزو جبينه فور أن استمع لضحكة مازن العالية وتعقيبه الساخر الغناء:
-مسيطرة همشيك مسطره
ليضحك من جديد وهو يعقب:
-ليفل الوحش ياسمين.
انتبه فارس لتحديقة بتلك القطعة وسخرية مازن؛ فعاد بسرعة لوضعها داخل جيبه ورمقه بنظرة غاضبة ودفعه خلف عنقه هاتفا بتوبيخ امام طاقم المساعدات:

-اتلم يا زفت.
ضحك مازن وشاركه فارس الضحك؛ فلم تتمالك المساعدات انفسهن وشاركوهم الضحك، فهدر بهم فورا:
-وبعدين، مش حفلة هيا.
دلفا قاعة اﻻجتماعات وجلسا أمامه هو ومساعده بعد أن حيا بعضهما البعض بمصافحة اﻻيدي؛ فابتسم فارس له وهتف يسأله:
-ايه يا أبن الباشا مش عايز تورد لنا جاردات ليه؟
ضحك عمر ورد مبتسما:
-التيم عندي متوزع على السفارات وببدل فيهم، وبصراحه كده يا فارس باشا التيم اللي بيخرج من عندي يروحلك مبيرجعش تاني.
دلفت المساعدة حاملة القهوة ووضعتها أمامهم؛ فتنهد فارس ورمقها بنظرة حادة لمقاطعتها الإجتماع؛

فهرعت من أمامه وانتظر اﻻول قليلا ليسمع رده الذي جاء بضيق:
-بص يا عمر، أنا مبحبش الجاردات بتوعي يكون لهم ولاء غير ليا، فأنت اعتبر نفسك مش بتورد جاردات، انت بتبيعهم بيع وشرا واكتب العقد اللي يرضيك وأنا جاهز.
زفر عمر أنفاسه بضيق واطرق رأسه يفكر قليلا، وقال اخيرا:
-بس كده الشغل عندي هيتعطل، حضرتك متعرفش انا بتعب فيهم قد ايه…
رد مقاطعا:
-وأنا هديك حق تعبك.
تجهم وجهه ووقف عمر على الفور ناظرا له بضيق من أسلوبه الجاف والفج والذي يتعامل به مع الجميع؛ فمسكه مساعده وهمس له:

-انت عارف فارس الفهد مش جديد عليك.
صر على أسنانه وصمت؛ فوقف فارس بدوره وتحرك صوبه قائلا بهدوء:
-انا عايزك تعمل العقد اللي يرضيك يا عمر، بس أنا لازم أئمن نفسي وعيلتي، علشان كده عايز اشطر فريق عندك لأن أنا وعيلتي مهددين.
تعجب من حديثه وسأله بحيرة:
-مش فاهم، مهددين ازاي؟
تنهد ورد:
-ده موضوع يطول شرحه، بس المهم دلوقتي أنك متحطليش قيود على الجاردات، أنا مفياش دماغ للمواضيع دي دلوقتي وعايز اطمن أن عيلتي بقت في أمان.
شعر بغصة تجتاحه لمجرد ذكر اﻻمر، واكتسح الخوف جوفه وقلبه؛

فشعر به عمر الباشا واقترب منه مربتا على ظهره وهو يشعر بما داخله وقال :
-طيب انا هجهزلك اللي تحتاجه يا فارس باشا، وهخلي التيم متدرب على أعلى مستوى، بس أنا لازم اعرف نوعية الخطر اللي ممكن يواجهوه عشان اقدر ادربهم واوجهم للشغل بشكل مظبوط.
زفر زفرة طويلة وهتف بضيق وغضب خيم على ملامحه:
-اظن كده أن المييتنج ده هيطول اكتر من كده.
نظر عمر بساعته وأومأ له مؤكدا:
-تمام، أنا معنديش حاجه في الوقت الحالي.
وافقه فارس وأشار له للجلوس على طاولة اﻻجتماعات، وجلس مستندا على ظهر مقعده الجلدي وقال بجدية:

-يلا بسم الله.
❈-❈-❈
استقبلتهم بحفاوة وترحيب وهي تقفز من السعادة، فقد تفاجئت بأمن البوابة يخبرها بقدومهم فارتمت باحضانهم الواحد تلو اﻵخر، وباﻻخير قفزت تحتضن ذلك الكهل الذي فقد توازنه للحظة من ثقل جسـ دها عليه فلحقته هي متمسكه بكفة المجعد وانحنت تقبله باحترام:
-حبيبي يا جدو ازيك؟
ربت على كتفها مبتسما:
-الحمد لله يا بنتي، والله ليكي وحشه يا ياسمين.
احتضنت هاتان المشاكستان وهي تقول بفرح:
-وانتوا يا ولاد اللذين مش كنت لسه بكلمكم على التليفون! مقولتليش ليه انكم جايين؟
ردت شيرين مبتسمة:
-قولنا نعملهالك مفاجأة، ها ايه رأيك؟

قبلتهما باشتياق وردت:
-احلى مفاجأة والله.
دلفوا جميعا للبهو فنظرت هدى للسقف وتلك الديكورات الحديثة التي يعمل عليها أحد العمال، وكاميرات المراقبة الموجودة بكل ركن بالڤيلا وأخيراً تلك الثريا الخاطفة للأنفاس التي تتدلى من أعلى السقف لأسفل تكاد أن تلامس اﻻرض ومحفور عليها أسمي أبنها ورضيعتها بالكريستال النقي؛ فشهقت وهي تضــ,,ـــــرب صدـ,,ـــرها متفاجئة:
-يا خبر أبيض على دي نجفة، ولا الديكور الجديد بتاع السقف!
التفتت تنظر لياسمين هاتفه بفضول:
-عملتوا كل ده امتى؟
ابتسمت وردت:

-العمال شغالين من الصبح، أصل فارس بيغير ال Security system (نظام الحماية) وقال بالمره يفاجئني بالنجفة دي، عاملها مخصوص بأسامينا.
عادت هدى تنظر لها بتفحص فلمحت أسمي فارس وياسمين من الجهة اﻵخرى، فقالت بطريقة سوقية:
-يا ختي اللي معاه قرش محيره، تبذير أوفر الصراحه.
صدحت ضحكات الفتيات واعقبهم الجميع عندما هتفت شيرين ساخرة:
-فارس هيحبك أوي بأفشات افلامك يا ماما.
ضحكت نرمين ساخرة:
-فارس وهدى لا يمكن يحبوا بعض ابدا.
دلفوا جميعا ورحبت بهم حنان وجلسوا بجو مليئ بالثرثرة والضحك، حتى اقتربت سنية وانحنت تهمس بأذن ياسمين فأومأت لها معقبة:

-طيب دخليها المكتب وأنا جايه.
وقفت فسألتها هدى بفضولها المعتاد:
-خير يا ياسمين؟
حركت رأسها بالنفي وقالت:
-ابدا يا طنط، دي الناني الجديده.
سحبت نرمين من ذراعها ونظرت لشيرين الجالسه بحــ,,ـــــضن جدها وغمزت لها للحاق بهما، ودلفن ثلاثتهن لغرفة المكتب فوجدتها جالسه باحترام تنظر للأرض فجلست على المقعد الرئيسي للمكتب، وجلست التوأمان على اﻻريكه أمام المكتب واستهلت الحديث قائلة:
-نورتي.
ردت المربية:
-بنورك يا هانم.
عادت تتحدث معها بجدية:
-اسمك الحقيقي بوسي؟
أومأت لها وضحكت بخفة:
-كان معاناه طول سنين الدراسة والله.
ابتسمت ياسمين وقالت:

-انا اخترتك انتي من وسط كتير أوي اتقدموا وبتمني اختياري يكون في محله.
ردت عليها وهي تنظر لها بتركيز:
-وانا إن شاء الله هكون عند حسن ظنك، وزي ما اتفقت مع حضرتك اني هفضل مستمره معاهم لحد ما تبطلي تحتاجيني.
ابتسمت لها وعقبت عليها:
-الداده بتاعة جوزي عايشه معانا لحد اﻻن يا بوسي، احنا عمرنا ما بنتخلى عن الناس اللي معانا لانهم بيكونوا اهلنا، فلو انتي حابه تستمري عمري ما هقولك امشي.
وقعت العقد بعد أن اطلعت عليه بسرعة وابتسمت وياسمين تصافحها:
-أهلا بيكي وسط عيلة الفهد، وإن شاء الله ترتاحي معانا وتريحينا.

وقفت نرمين تقول بفرح:
-مبروك، وأخيراً هنعرف نخرج زي اﻷول تاني.
ضحكت شيرين وهي تشير إلى بطنها الصغيرة:
-متحلميش يا نرمو، على ما أنزل البطيخه دي تكوني انتي شيلتي زيها، وعلى ما تنزليها تكون اﻻرنبة بتاعتنا نزلت غيرها وهكذا.
لتعقب ياسمين بهستيرية ضاحكة:
-آه ودوخينا يا لمونه دوخينا.
ضحكت فقالت ياسمين بنهاية ضحكاتهن:
-تعالي معايا أوريكي اوضتك واوضة الولاد، وبعدها هخلي أي حد من الخدم ياخدك tour بالڤيلا كده عشان تتعودي عليها.
خرجت واتجهت للبهو حيث عائلة غزال تجلس برفقة حنان؛ فقدمتها لهم فانحنت تحمل الرضيعة وهي تبتسم وقالت بحبور:

-ماشاء الله، زي القمر يا هانم وشبهك اوي.
اومأت لها بامتنان فتمتمت هدى بصوت مسموع:
-كل ما بسمع هانم دي بتجيلي نوبة ضحك.
زجرها زوجها بعد أن استمع لحديثها واستمع له البقية ايضا:
-وبعدين معاكي؟ مش عايزه تجبيها لبر ابدا؟
رد عليه والده:
-وتجيبها لبر ليه؟ عايزه جنازه وتشبع فيها لطم.
قوست فمها وهتفت وهي تضع راحتها عليه:
-اديني هقفل بوقي خالص اهو، مش هتكلم خالص.
صعدت المربية برفقة الفتيات وأشارت لغرفتها المجاورة لغرفة الأطفال وقالت موضحة:

-طبعا مبني الخدم كله بره الڤيلا، بس أنتي الوحيدة اللي هتباتي جوه معنا، وكمان في نفس الدور بتاعتنا، عشان كده عايزاكي دايما تكوني حريصه أوي في كل تصرفاتك لان فارس الفهد لا بيحب الهرجله ولا التطفل، ولو شاف منك تصرف معجبهوش مش هقدر ساعتها اعملك حاجه.
ابتلعت ريقها بخوف ظهر فورا على وجهها وقالت بتوتر:
-كل الموظفين في مكتب التوظيف خوفوني منه بصراحه يا هانم، هو يخوف اوي كده؟
ضحكت التوأمان وقالت شيرين معقبة:
-شايفة الصف ده؟
اشارت بيدها مجيئا وايابا تشير لثلاثتهن واضافت:

-بنمــ,,ـــــوت رعب منه إحنا وعائلاتنا ورجالتنا وكل اللي يفكر أو يقدر يتشدد لنا.
احتقنت عينيها بحمرة الخوف؛ فابتسمت ياسمين ووضحت:
-طول ما انتي شايفه شغلك عمرك ما هتشوفي منه اي تصرف، لكن لو اهملتي فللأسف ممكن…
قاطعتها نرمين بسخرية:
-ممكن يعمل من فخادك بطاطس محمره.
صدحت ضحكاتهن فقطاعهن أحد العمال معه هاتف لوحي كبير وقلم الكتروني ووقف أمامها يقول باحترام:
-كده الكاميرات كلها اتحطت ع السيستم وكمان اتوصلت غرفة المودم يا هانم، وتقدري تتحكمي في كل حاجه من الجهاز ده، فاضل بس بصمة الباشا وبصمة حضرتك.

اقتربت منه ومدت ابهامها ليضع بصمتها على الجهاز وقالت بعد انتهت:
-تمام كده، واظن أنت لازم تستتنى فارس لما يرجع؟!
أومأ لها باحترام وغادر فعادت تنظر لهن وقالت:
-طيب يلا ننزل نشوف الولاد.
مر اليوم ما بين تجهيزات وترتيبات لحفل الغد حتى جاء موعد الغداء فقررت اﻻتصال به:
-حبيبي.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى