
-معلش خلاص، المهم قوليلي ايه نوع العقاب؟
زمت شفتيها معا بشكل طفولي أضحك تلك الجالسة بجوارها وهي ترد:
-معرفش، ومش راضي يقولي… تفتكري ناويلي على ايه؟
ردت تحفزها:
-اظن أفضل عقاب ليكي يا ياسمين انه يتجوز عليكي.
رفعت حاجبها بامتعاض وهدرت بها:
-نعم؟! لاااا مستحيل فارس يعملها.
عقبت عليها مبتسمة:
-والله انا لو مكانه هروح اتجوز بس عشان اغيظك واعلمك تسمعي كلامي بعد كده.
اخرجت لسانها تغيظها فردت عليها بثقة:
-وانتي عايزه تجيبي تفكيرك لتفكير فارس الفهد؟
لا يا ماما فارس اكبر واعقل من كده بكتير وهو مأكد لي انه عمره ما هيعملها.
سألت ساخرة:
-هي ايه دي اللي عمره ما هيعملها؟
أجابتها بتاكيد:
-انه يتجوز عليا، قالي عمر ما في واحدة غيرك هتشيل اسمي وانه لو مكانش اتجوزني كان فضل عاذب.
ضحكات عالية ومتقطعة خرجت من نرمين تستهزئ بها وهي ترد:
-كل الرجاله يا حبيبتي بتقول كده وبعدها بتلاقيه متجوز على مراته او على الأقل بيكلم واحده عليها.
صرت على أسنانها وهي تحاول أن تتمالك اعصابها:
-طيب غيري الموضوع بقى عشان بدأتي تعصبيني وقوليلي، أنتي كويسه ولا زعلانه؟
حركت كتفيها دلالة على عدم اكتراثها وهتفت:
-لا يا قلبي مش زعلانه
تمتمت تعقب:
-ولا مبسوطه
التقطت أذن ياسمين تمتمتها فسألتها:
-لا زعلانه ولا مبسوطه، اومال حاسة بايه؟
ردت فورا دون تفكير:
-حاسة بتبلد مشاعر غريب جدا، كأن مفيش حاجه حصلت ولا اني اتجوزت واتطلقت وكانت هتحصلي بلاوي سودا لولا ستر ربنا، مش عارفه تقريبا معنديش دم.
ضحكتا على المزحة التي تبدوا هكذا في ظاهرها ولكن الحقيقة أن باطنها يوضح مدى الألم والأسى الذي تشعر به تجاه حالها.
❈-❈-❈
انتفض الجميع يقفون بغضب وهم يرونها تقف أمامهم شابكة يدها بيد من تسبب ليس فقط بافلاسهم بل بم. عمالهم واقربائهم، فصاح الجميع بتوبيخ بالرغم من هدوء فارس الغريب، وكان صوت مراد هو القوى من بينهم:
-انتي خساره فيكي كل حاجه حاولنا نعملها عشانك، قد كده بتكرهينا؟
خرج صوت فريدة تهتف بسباب:
-يا *** بقى بتوقعينا كلنا في المصايب دي وجايه ببجاحه تقولي….
صاح فارس يقاطعها:
-بس خلاص مش عايز كلام.
ترك مقعده وتوجه ناحيتها ناظرا لها نظرة استحقار وتكلم بجفاء:
-جايه ليه يا عاليا؟
ضحكت ساخرة منه وهي ترد:
-جايه اشوفك وأنت بتغرق ومش عارف ترجع الشركه زي ما كانت، جايه اشوفك مزلول قدام غسان اللي بعتني له عشانهم.
أشارت بسبابتها على جمع العائلة وهي تصرخ بكلماتها فصر على أسنانه وابتسم بشر وهو يحول بصره لغسان وهتف بإقرار:
-طبعا وجودك هنا ملوش غير معنى واحد، انك اتلاعبت بالقوانين وعرفت تشتري كل الأسهم دي ليك لوحدك، بس بسيطه ولها حل.
اتسعت بسمة غسان وهو يقترب من احد المقاعد الشاغرة على طاولة الإجتماعات وتكلم دون أخذ وقت للتفكير بردوده التي يبدوا انه قد جهزها مسبقا:
-بعرف انك راح تطعن ع علمية الشراء ياللي معي، بس اكيد كمان انت بتعرف انو غسان الصباغ منو سهل ابدا وبيقدر يفل منها.
رفع فارس حاجبه الأيسر وعاد ليجلس بمقعده ورمقه بنظرة متدنية يستحقرة وتكلم بعملية:
-بالوقت الحالي بقى معانا عضو جديد بمجلس الإداره ولحد ما اخلص منه أظن انه هيكون حابب يحضر الأجتماع.
التفت ينظر له وسأله:
-مش كده برده؟
أومأ له دون تعقيب فهدر فارس بعاليا:
-وبما انك بعتي اسهمك فانتي تطلعي بره حالا لأن ملكيش مكان هنا.
لمعت عينها وحاولت التحدث ولكن اوقفتها يـ د غسان الذي همـ ـس لها:
-أنطريني انتي بره يا عمري.
خرجت وهي تدب الأرض بتذمر فعاد فارس للإجتماع وكأن شيئا لم يكن وهتف فورا:
-كنا بنتكلم عن الأسهم اللي في البورصة، وبما إن المشكلة دي خلاص عرفنا كل توابعها فخلينا نكمل.
فتح غسان شفتيه ناطقا بكلمات مختصرة:
-بس في شغلة بدي قولها.
زفر فارس مقوسا فمه بامتعاض وهتف:
-انا معنديش وقت عشان اضيعه.
تكلم الآخر بصوت حاد:
-ولا انا عندي وقت، لهيك بدي عرفكن إنه انا صار معي 38% من اسهم الشركة لأن ولاده لمروان هنن كمان باعوا حصتهن بالشركة.
صوت صرير أسنانه كان عاليا لدرجة جعلت غسان يبتسم بتشفي وهو يجد فارس يجاهد ليحافظ على هدوء اعصابه، وقبيل ان يرد عليه استمع له يضيف:
-آه، نسيت والله أسأل ع حال مازن، كيفه هلأ إن شالله صار احسن؟
التفت مراد لفارس بنظرات تعجبية انتهت عندما أضاف غسان:
-خبره لا يشوف حاله مره تانيه لانه المرة الچاية الطلقة راح تكون بقلبه.
وقف فارس نافضا مقعده للخلف بقدمه بعصبية، رافعا حاجبه بغل وصارا على أسنانه فقد تخطى هذا الحقير كل الحدود، اقترب منه ندا بالند واشار لعمه بالصمت عندما تفوه بنصف كلمة ليفهم عن ماذا يتحدث، وعاد ينظر له بنفس القوة والوقار المعروف عنه وتمتم بصوت حاد:
-اذا فاكر انك ممكن تهدد اي فرد من عيلة الفهد بوجودي وانا لسه عايش….
قاطعه ضاحكا ومؤكدا:
-شو راح تعمل فارس؟ عاليا وصارت مرتي، وولاده لمروان صارلهن كام شهر هلأ ما بتعرف عنن شي، ورفيقك مازن قصوت عليه قدام عيو نك، لكان من وين چايب كِل هالثقة خبرني لشوف؟
تنفسه الحاد وصـ ـدره الذي ارتفع صعودا وهبوطا كان لسان حاله فرد بشراسة لا مثيل لها:
-كل مبارزه بيكون فيها جولات بتكسب، وجولات تانيه بتخسر، وانت كسبت كتير وآن أوان خسارتك.
جلس غسان بابتسامة واسعه واضعا قدما فوق الاخرى ينظر له بحاجبا مرفوع ونظرات سخرية هاتفا وهو يشعل سيجاره الكوبي:
-وانا في انتظارك فارس لتربح الچولة الچاية، والله كتير مليت وانا عم العب لحالي واخيرا راح تكون في منافسه بيناتنا.
ارخى فارس جـ ـسده بمقعده ناظرا له بتفحص رافعا حاجبه الأيسر حتى تفوه بكلمة مقتضبة:
-نكمل الإجتماع يا جماعه.
التفت الجميع له فسحب نفسا عميقا وقال:
-طبعا زي ما اتكلمنا الإجتماع اللي فات إن فلوس التأمين يادوب تنفع للترميم، لكن احنا محتاجين تقريبا قدهم عشان الخامات والآلات اللي هنستوردها عشان كده أنا لقيت الحل لده.
لم يعقب عليه أحد فنظر أمامه هاتفا:
-ده قرار مني انا رئيس مجلس الإدارة وصاحب النسبة الأكبر بأسهم الشركه ومش هقبل أي اعتراض.
رفع غسان حالة تأهبه لما هو قادم فاستمع له يكمل:
-أي شخص من مجلس الأداره يملك اكتر من 20% من اسهم الشركه بس هو اللي هينفذ القرار ده.
أخرج غسان ضحكة ساخرة فمن غيرهما يملك تلك النسبة فلم يسبق الأحداث وانتظر أن يستمع لباقي حديثه:
-هيتم ضخ مبالغ كبيره للشركات اللي بنستورد منها الآلات والخامات عشان نبدأ الشغل.
سأل غسان سؤالا عابرا:
-قديش المبلغ ياللي بدك ياه؟
رد فارس دون تأخير:
-مبدئيا 100مليون دولار وبعدها هنشوف اذا محتاجين زياده.
لمعت عين غسان بالدهشة فسأل بحدة:
-وشو المقابل لكل هالمصاري؟ شو راح تكون افادتي؟
ابتسم فارس ناظرا له بسخرية:
-ولا اي شيئ، مجرد مساهمه من اكبر مستثمر للشركه وزي ما هتدفع انا كمان هدفع بالمقابل، بالنهاية دي شركتي وشركة عيلتي وأيفلوس هحطها فيها استثمار لقدام لكن بالنسبه لك بصراحه مش شايف اي استفاده ليك، قدامك حل بانك تنزل اسهمك لاقل من 20% لو حابب تبعد عن تنفيذ الشرط ده.
صر غسان على اسنانه وهو ينظر له وأخرج دفتر شيكاته حتى لا يرى نظرة التشفي التي تقفز من نظرات فارس له ولكن فارس كان الأسبق برفضه:
-مش بقبل شيكات يا غسان بيه، اظن الأفضل تحويل بنكي لحساب الشركه Direct.
نطق الاخر بضيق:
-بس وصل للفندق منشان…
قاطعه فارس على الفور:
-لو قصدك عشان اللاب توب فبسيطه.
نظر أمامه لأحد الموظفين الحاضرين للإجتماع وامره:
-هات لابتوب هنا فورا للباشا.
وجد غسان نفسه بموضع لا يحسد عليه وهو مضطرا أن يدفع كل هذا المبلغ وفجأة او ان يتنازل عن حصصه بالشركة التي تعب كثيرا حتى يجمعها، ولكنه ابتسم بعدم اكتراث عاتفا:
-والله هيك مبلغ لا يچي شي ببحر مصاريي، ما بيفرق معي إذا بتظن هيك.
حرك فارس رأسه عدة مرات متتالية وهو يرد مبتسما:
-عارف عارف، مبلغ صغير ميفرقش معاك خالص، عشان كده القرار ده جاي في مصلحة الشركه.
انتهى غسان من تحويل الأموال ووقف ناظرا لجمع العائلة وتكلم بهدوء مغايرا لما بداخله من نيران مندلعة بداخله:
-بظن الإچتماع انتهى!
أومأ له فارس مبتسما بتشفى:
-ايوه خلاص، نتقابل كمان شهر عشان نشوف أوضاع الشركة بعد القرارت الجديده دي.
رمقه بنظرة حاده وهو يؤكد:
-لا تنسى موعدنا قبل الإچتماع يا فارس، موعد سداد المصاري حسب اتفاقنا.
غمز له فارس مبتسما وهو يؤمئ برأسه:
-مش ناسي، متقلقش و قبل الميعاد كمان.
دفع غسان مقعده للخلف وتحرك خارجا وممسكا براحة عاليا التي نظرت له بحيرة من شكلة الغاضب تسأله:
-مالك في ايه؟
لم يرد بل صر على أسنانه متمتما:
-فوتي معي عاليا كتير ضايق خلقي.
تحركت بهدوء تتبعه وهي مطرقة رأسها بتوتر وصعدت معه بسيارته وتسائلت بتردد:
-ايه اللي حصل؟
التفت لها صارا على أسنانه وهو يجيبها:
-اتركيني هلأ لأنه كتير معصب.
حاولت إظهار اهتمامها فربتت على كتفه:
-اهدى يا حبيبي.
أما عن فارس وعائلته ففور أن خرج غسان تحرك مراد نحوه متسائلا بقلق:
-ممكن بقى تفهمني ايه اللي حصل لمازن وهو فين لحد دلوقتي؟
حاول فارس تهدأة عمه فوضح له:
-مازن كويس متقلقش عليه.
بعصبية وحدة سأله:
-هو فين؟ ابني فين يا فارس؟
رد ساجد على الفور عندما شهد حدة والده:
-مازن في الفيلا عند فارس يا بابا وصحته كويسه والله.
اجلسه عنوة وبدأ بقص بعض الأمور التي يعرفها عن سفرتهما، ولكن فارس لم يهتم لكل هذا بل بدأ بتنفيذ خطته فور أن وضع يده على الحاسوب المحمول واستدعى المهندس وأمره بجدية:
-هتقدر تخترق الحساب؟
أومأ له وهو يحرك أنامله على ازرار الحاسوب موضحا:
-مش محتاجين اختراق، مجرد الباسورد ما ندخله هنقدر نخترق الحساب بسهولة.
ابتسم فارس وهو يراجع بنفسه كاميرات المراقبة الموضوعة بغرفة الإجتماعات، وطبع بقلمه كلمة السر التي استطاع رؤيتها من احد الكاميرات المسلطة على المقعد الخاص بغسان وناولها للمهندس؛ فطبع الكلمة بالجهاز ودخل بالنظام على الفور ناظرا لشاشته وهاتفا:
-احنا كده جوه يا باشا
انتبه مراد وساجد لما يفعله بالأخص عندما تحدثت فريدة بصوتها المستفز لأعصابه:
-انت سايب عمك بيسأل عن مازن وبتعمل ايه يا فارس؟
رد بصوت اجش وغاضب:
-روحي دلوقتي يا فريده هانم مش وقتك.
اقترب مراد منه يسأله بحيرة:
-انت ناوي على ايه؟
لم يرد بل انتبه لحديث المهندس:
-كده عملية التحويل جاهزه بس الأكيد انه البنك هيبعت رسالة تاكيد على موبايله الأول يا باشا ولو مأكدش العمليه ه…
أغلق فارس شاشة الحاسوب أمامه وقال بتعجل:
-تمام، اتفضل انت
خرج المهندس فنظر له كل من ساجد ومراد بحيرة، ولكن كان الهم الشغل لمراد بالوقت الحالي هو اللإطمئنان على ابنه البكر فهتف:
-مش يلا يا فارس نروح على البيت، أنا عايز اطمن على مازن.
رد وهو يضع الحاسوب المحمول بحقيبته:
-يلا انا خلاص خلصت.
همـ ـس ساجد يسأله:
-انت ناوي تعمل ايه باللاب ده؟
ابتسم فارس بزاوية فمه ودفعه دفعة بسيطه من ظهره ليتحرك للأمام هاتفا:
-يلا عشان نروح البيت.
❈-❈-❈
استدعت ابنة عمها لتتسامر معهما فحضرت على الفور من أجل الإطمئنان على توأمها وجلسن بالبهو برفقة حنان تمزحن معا كمحاوله لفك الضغط النفسي الذي تشعر به نرمين بعد كل تلك الاحداث العصيبة التي مرت بها.
وبالأعلى انتهت الممرضة من تنظيف الجرح وتضميده بعد أن أصر مازن أن تقوم بتعليم زو جته الطريقة الصحيحية لفعلها وفور أن خرجت الأولى هتفت تسأله:
-كان لازم اتعلم يعني؟ انا بخاف من الدم.
رفع حاجبه متعجبا ورد مازحا:
-هو فين الدم ده؟ انتي بتتلككي؟!



