روايات

الفصل التاسع والعشرون من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل التاسع والعشرون روضتنى الجزء الثالث

-بس زي ما ده كان كويس لها، كان له أثر سلبي عليها انه لغى شخصيتها وخلى تفكيرها وقرارتها مهزوزه زي ما كلنا ملاحظين في الفترات الأخيرة.
لم يعقب عليه مما جعل ذلك الكهل يطيل حديثه معه موضحا:
-بس كل ده مش غلطها، ده غلطنا احنا وانت معانا ولازم الوضع ده كله يتغير يا فارس يا بني، لازم الكل يغير معاملته معاها وانت أولنا وإلا هتروح مننا المره الجايه.
وافقه بحركة واحدة من رأسه فاضاف السيد:

-أظن الافضل لنا كلنا نتعامل معاها انها بقت ام مش عيله صغيره، يمكن هي كمان تفهم وتشوف ده وتشيل مسؤلية ولادها ومتفكرش في الحاجه اللي بتزعلها.
سحب فارس نفسا عميقا وطرده بتنهيدة متعبه وتحرك للداخل فوجدها جالسه على الفراش وكل من ابنتي عمها تجلسان بجوارها تحاولان المزاح معها دون أن تشاطرهما الحديث؛ فتنحنح لتنتبه له ولكنها ظلت تنظر بالجهة المعاكسة صامته وحزينه فأشار لنرمين برأسه لتتحرك من مكانها ففعلت وتبعتها شيرين فجلس مكانهما وأمسك راحتها يقبلها بقوة:
-الحمد لله انك كويسه.

لم تعقب عليه وظلت تشيح بوجهها عنه فمد ساعده ناحية رأسها وسحبها ليجبرها على التطلع له وتكلم برجاء:
-متبعديش عيونك عني يا سلطانه، انا مقدرش اعيش من غيرك.
ابتسم الجميع على حديثه فمصمصت هدى شفتيها بصوت مسموع وهي تتحدث بتأفف:
-ياختي اللي يلاقي الدلع وميتدلعش ربنا يزولها من وشه.
عقد حاجبيه والتفت ينظر لها بامتعاض وبدل بصره مع مازن يخبره أو بالأحرى يأمره صامتا وبنظرات ذات مغذى فهتف الأخير فورا:
-تعالوا يا جماعه نقعد في الاستراحه ونسيبهم لوحدهم شويه.
تحرك الجميع فعاد ينظر لها مسبلا نظراته نحوها ووجه يبتسم بحب وهمس بتوسل:

-أنا آسف، لو بتحبيني سامحيني.
لم ترد وظلت تشيح بوجهها عنه فخلل أنامله بخاصتها وظل يشاكسها ويداعب وجهها براحته الحرة يرجع خصلاتها خلف أذنها:
-زي القمر يا سلطانه.
تنفست بحدة وتكلمت أخيرا:
-ممكن تتصل بداده تطمن على الواد؟
رد مبتسما:
-لسه مكلمها والحمد لله ناموا.
ابتلعت ريقها وبللت شفتيها بلسانها فأمسك زجاجة المياه وناولها إياها يسألها:
-عطشانه؟
أومأت له وشربت قطرات صغيرة واعادت غلق الزجاجه فتكلم مجددا برجاء:
-ممكن تسمعيني للمرة الأخيرة؟
رفضت بعد أن شخصت بصرها أمامها بشرود:

-حقيقي مش قادره اتكلم في حاجه دلوقتي، ممكن نأجل كلامنا لبعدين.
واقفها وهو يعقب:
-أنا مكنتش هتناقش في حاجه، بس عايزك تسامحيني على غلطتي ومش طالب اكتر من كده، بس هسكت دلوقتي طالما تعبانه.
وقف مبتعدا فأوقفته:
-انا عايزه أروح، خلاص بقيت كويسه.
وافقها مؤكدا:
-تمام، هنادي للدكتور ونشوف هيقول ايه؟
❈-❈-❈
إصرارها على الركوب برفقة جدها أحزنه كثيرا وصعد سيارته برفقة مازن وچنى التي جلست بجوار اخيها تربت عليه مواسية إياه:
-معلش يا فارس، بجد ياسمين مزوداها اوي.

رمقها بنظرة متضايقة وعاد ينظر للطريق بشرود فسارت سيارته بمحازاة سيارتها فوجدها تجلس بحـ ـضن جدها تستند على صد ره والأخير يمـ ـسح بيده المجعدة على ظـ ـهرها بحنان فزفر أنفاسه بضيق واستمع لمازن المتابع لهما يتحدث:
-معلش يا فارس، هتاخد وقتها وتروء.
وصل ذلك الحشد لڤيلته فوجدها تصعد لأعلى بعد ان طلبت من اختيها الصعود معها؛ فتضايق مجدداً من تصرفها ولكنه صمت متفهما ومتمتما لنفسه:
-سيبها عشان تهدى.
لحظات مرت عليه وهو يستند بظهره على الأريكه لا يستمع لاغلب الحديث الدائر حوله حتى انتبه لعمها وهو يحدث زو جته:

-اطلعي يا هدى نادي على نرمين خلينا نروح، الوقت أتأخر.
أوقفها عن الصعود وهو يصر عليه:
-خليكم بايتين يا استاذ محمود، الوقت أتأخر خالص يعني كلها سواد الليل.
حاول الرفض ولكنه لم يعطه فرصة لذلك فنظر لساجد وأخبره:
-وأنت كمان خليك مجاتش عليك.
ضحك ساجد من مزاحة ووجده يخبر چنى:
-خلي الخدم يجهزوا عشا أكيد محدش اكل حاجه من وقت طويل، ولو نايمين صحيهم.
مـ ـسح على قدميه ووقف مستعدا للصعود وهو يقول:
-هطلع اغير هدومي وانزل لكم، البيت بيتكم طبعا مش محتاج اقول.
بالطبع تلك حجة واهية حتى يصعد لها؛

فهرع بسرعة يصعد الدرج كل درجتين معا وطرق الباب وفتحه قبل أن يستمع لموافقة من بالداخل؛ فوجدهن يلملمن متعلقاتها الشخصية بحقيبة فرفع حاجبه ناظرا لهن وتكلم بهدوء مصطنع:
-استاذ محمود عايزكم تحت.
وجه حديثة للتوأم فتركتا ما بيدهما ونزلا؛ فأغلق وراءهما الباب بالمفتاح وعاد ليجدها تكمل هي جمع متلعقاتها فهمس لها بخفوت يسألها:
-هتمشي؟
ردت بعصبية:
-أنت شايف ايه؟
حاول تمالك أعصابه وتكلم بهدوء:
-مش احنا متفقين ان مهما يحصل بينا منسبش بعض! ولا حتى نسيب الاوضه، وانتي مش بس مخصماني ده انتي عايزه تمشي خالص من البيت.
لم تعقب عليه فتسائل بغصة:

-وبعد ما تسبيني، الخطوة اللي بعدها ايه؟ طلاق
؟!
تركت ما بيدها وردت بضيق:
-والله انا مجبتش سيرة الطلاق بس لو انت حابب ده عشان عاليا هانم ترتاح فانا معنديش مانع.
اقترب منها يرمقها بنظرات معاتبة وتكلم بصوت خافت مثير:
-بذمتك حد يبقة متجـ ـوز القمر ده ويبص لعاليا!
لم تعقب عليه وتفاجئت بنفسها بين ذراعيه فحاولت الابتعاد، ولكنه تسمر مكانه وسألها بتلاعب:
-هتقدري تنامي بعيد عني؟
تلعثمت وهتفت بحدة:
-انا محتاجه اريح اعصابي شويه بعيد عن الضغط النفسي اللي انا فيه ده، لو سمحت ابعد عني بقى.

دفعته بقوة فابتعد ووقف يحاول استجماع شتات نفسه التي تتوق لها، ولكنه ما لبث ان وجدها تدخل بنوبة بكاء من جديد فهتف يتوسلها:
-يا ياسمين براحه على نفسك شويه، اقسملك اني ما كنت اعرف إن الجاردات هيجبوها على هنا وكان المفروض تروح على المكان الآمن اللي مجهزينه لها هي وولاد مروان.
عبراتها ظلت تشق طريقها عبر وجنتيها فأضاف متوسلا:
-سامحيني أنا فعلا غلطان عشان خبيت عليكي.
وجدتها فرصة سانحة لتخرج ما بجوفها فصاحت به:

-لما أنا اخبي عليك حاجه يبقى في زعل وخصام وعقاب، لكن انت مبتغلطش وتخبي وتكدب عادي جدا محدش يقدر يراجعك مش فارس باشا الفهد اللي محدش قده.
تركها تخرج نوبة غضبها منه بالشكل الذي يرضيها ولكنه كلما وجدته صامتا زادت من حنقها وصياحها به:
-كل مره يحصل بينا اي حاجه واطلع انا الغلطانه تعاقبني ببعدك عني ولا بالشكل اللي تشوفه مناسب لكن انت وقت ما تغلط لازم ياسمين تسامح عشان بتحبك، وانت ايه مبتحبنيش!
اقترب منها واحتـ ضنها رغما عنها وهو يؤكد لها:

-بحبك واكتر من حياتي كلها يا ياسمين، بطلي عياط عشان خاطري وأنا هعملك كل اللي تطلبيه
ابعدته عنها وأصرت هاتفه ببكاء يقطع نياط القلب:
-مش قادرة افضل هنا، عايزه امشي … سيبني امشي.
انهيارها بهذا الشكل مجددا أمامه لم يترك له خيار سوى بالانصياع لها ولكنه حاول التحدث معها بعقلانية فترجاها:
-عشان خاطر الولاد طيب فكري تاني في قرارك، انا مش هعرف ائمنكم في بيت جدك.
صرخت رافضة فرفع راحتيه امامها يوقفها:
-خلاص طيب اهدي، لو مش قادرة تشوفيني انا امشي وخليكي انتي هنا مع الولاد وأهلك كمان معاكي.
شهقاتها جعلته يترجاها:

-بالله عليكي يا ياسمين كفايه وأنا همشي والله ومش هوريكي وشي لحد ما تهدي، بس متمشيش من هنا الوضع لسه مش آمن.
تماسكت تماسك زائف ووقفت امامه كاتمة لبكاءها وتكلمت بصوت متحشرج:
-هتمشي تروح فين؟ عندها مش كده؟!
تقوس حاجبيه وهو يستمع لها واجابها نافيا:
-لأ، أكيد لأ يا سلطانه.
سألته بتلبك:
-أومال هتروح فين؟
رد بحيرة:
-مش عارف، هروح للدكتور مراد ولا لساجد أو الأفضل آخد مازن وچنى واروح اقعد عندهم طالما نرمين هتبقى هنا عشان منضايقهاش.

ابتلعت ريقها واومأت له موافقة فشعر بغصة ضــ,,ـــــربت قلبه ولكنه أصرها بنفسه وتحرك صوب غرفة ملابسه وأحضر حقيبة يجمع بها متعلقاته وملابسه ووقف يدور هنا وهناك بحيرة وتمتم بصوت مسموع:
-حاسس اني ناسي حاجه.
نظرت بطرف عينها ناحية الحقيبة فلم تجد سوى بدلتين ومنامة رياضية واحده مع قمصانه واكثر من رابطة عنق فهمست ترد عليه:
-ملابس داخليه وشرابات وشاحن الموبايل وبرفاناتك و…
قاطعها محاولا اخفاء بسمته:
-معلش متعود إن مر اتي هي اللي دايما بتحضرلي الشنطه لما بكون مسافر.
اقترب منها وطلب منها بصوت مثـ ـير وهادئ:
-ممكن اطلب منك تحضريلي الشنطه لآخر مره؟

أومأت له وبدأت تجمع متعلقاته وترصها بالحقيبة فجلس يراقبها حتى انتهت واعادت حقيبتها لمكانها والتفتت تخبره:
-خلاص، ولو احتاجت حاجه تاني تقدر تيجي تاخدها.
نظر للحقيبة وسألها:
-ده انا شكلي مطول عند مازن!؟
حركت كتفيها لأعلى:
-معرفش، لما اهدى هبقى أقولك.
ضحك على حديثها مرفرفا بأهدابه مشاكسا اياها فضحكت رغما عنها فاقترب من اذنها هامسا:
-متتاخريش عليا أحسن بعدك عني بيوجعني اوي.
حمل الحقيبة وتحرك صوب الباب فشعرت بألم في قلبها ولم تتمالك نفسها أكثر فهتفت توقفه:
-متمشيش
التفت 360 درجة بسرعة كبيرة ونظر لها منتظرا ان تكمل حديثها فأضافت:

-خليك هنا معايا ومع ولادك.
القى بالحقيبة من يده واقترب منها ساحبا اياها من خصرها لتدخل بداخل اضلعه وتمتم بخفوت:
-بحبك يا سلطانه.
قبلها على الفور ودون مقدمات فبادلته القبلة ولكنها ابتعدت بسرعة توبخ نفسها أمامه وعلانية:
-مبقدرش آخد منك موقف مش زيك.
عاتبته بنظراتها ولكنه مازحها قائلا:
-كل الحكاية انك مبتعرفيش تصالحيني لما بكون زعلان منك.
تعجبت من حديثه فاستطرد يوضح:
-لما بتزعلي مني بفضل اكلمك واحايلك واداداي لحد ما تصالحيني، لكن لما انا بزعل منك واطلب منك تبعدي بتبعدي بجد.
قضمت جانب شفتها وهي تسأله:

-عاوزني افضل احاول معاك يعني!
أومأ لها مبتسما ولكنها تذكرت حديث نرمين باحتمالية زو اجة فتجهم وجهها وعادت تسأله:
-يعني انت مش ناوي تتجـ وز عاليا؟
رد فورا وملامح الذهول مرسومه على وجهه:
-عالية ايه دي اللي اتجوزها، لأ طبعا وقولت لك 100 مره قبل كده لا عاليا ولا غيرها.
سألته بتوسل في نظراتها:
-يعني مستحيل تفكر أصلا في الجواز؟
شاكسها وهو يقضم شفته:
-بصي اقولك الصراحه.
ترقبت لما هو قادم فقال:

-في واحده متبعاني على السوشيال ميديا ودايما بتبعت لي رسايل حب وغرام وانا بصراحه مطنشها بس آخر حاجه بعتت انها عايزة تتجوزني فأنا بفكر اوافق، انتي ايه رأيك؟
جعدت جبينها وهي تنظر له بضيق وهتفت بحدة:
-هي البيدج دي مش في موظف ماسكها وبيديرها بدالك؟
أومأ لها فتسائلت:
-أومال انت عرفت منين الموضوع ده؟
ضحك وأخبرها:
-هو معني إن في حد بيدير لي البيدج يبقى مش بتابع اللي فيها، طبعا عارف كل كبيرة وصغيره بتحصل عليها وخصوصا المعجبات.
دبت الأرض بقدمها وهي تستجوبه:

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى