
الفصل الثلاثون أعظم النعم في الحياة راحة البال، إن شعرت بها فأنت تملك كل شيئ
ويليام شكسبير
❈-❈-❈
متكئا على فراشه وهي تتستند على صـ ـدره تد اعب وجهه ولحيته الكثيفة، يحتـ ـضنها وكأنها كل عالمه ما سحا براحته على ظهـ ـرها حتى شعر بارتخاء جسـ ـدها بين يديه؛ فتركها ودلف للمرحاض حتى يغتسل من عناء وإجهاد هذا اليوم الذى لم ينتهى حتى الآن.
خرج ملتفحا بمنشفته العريضة ويجفف شعرة بأخرى فوجدها قد استيقظت بالرغم من عدم تأخره بحمامه، ليجدها تتصفح الهاتف بتركيز وشرود فتنحنح لتنتبه له:
-احم احم
رفعت وجهها تنظر له ممتعضة فرفع حاجبه متسائلا بمزاح:
-مالك يا فرج؟
ضحكت رغما عنها واعتدلت تستند على ركبتيها وتحرك رأسها ليتطاير شعرها الطويل بحركات سحرته وهي تتد لل قائلة:
-بقى بذمتك أنا فرج برده؟
اقترب جالسا بجوارها وسحبها لتسقط فصرخت ضاحكة من حركته المفاجئة وهو يقـ ـبل عنـ ـقها بنهـ ـم مصدـ,,ـــرا زئيرا عاليا وملثـ ـما لبشر تها الناعمة:
-فرج ايه بس؟ ده انتي ست الحسن والجمال يا سلطانه.
وجد نفسه يفقد سيطرته وهي تتحسس صـ ـدره العا ري فابتعد فورا وبلهفة ممتعضا:
-أوف بقى، احنا لازم نروح للدكتوره عشان نعرف هتفرج عننا امتى؟
عادت تستند بجـ ـسدها على ظهر الفراش وامسكت هاتفها بعد أن دلف غرفة ملابسه يدب الارض بحدة وتذمر متمتا:
-الصبر من عندك يارب.
خرج بعد أن ارتدي منامة منزلية رياضية؛ فوجدها عادت لتصفح هاتفها فسألها بفضول:
-في ايه شاغلك أوي كده؟
ردت وهي تحرك أصبعها على الشاشة:
-بشوف مامة عمر دي عايزه منك ايه؟
تحركت شفتيه لترسم على وجهه بسمة ساحرة وسحـ ـبها مقتـ ـنصا شفـ ـتيها بقـ ـبلة عميقة وابتعد غامزا لها:
-يا غيوره.
تذمرت بحدة:
-ده أنت الصفحة بتاعتك كلها معجبات، أنا مش لاقيه راجل واحد عاملك فولو! كلهم ستات.
علت ضحكاته وهو يعقب:
-معبود الجماهير بقى هعمل ايه؟ بس أنتي عارفه مين اللي في القلب.
قـ ـبلها من وجنتها فحاوطت ر قبته بذراعيها ورمقته بنظرة ساهمة وسألته بصوت حنون ورقيق:
-يعني أنت مش شايف غيري؟
أومأ لها وهو مركزا بصره لوجهها النضر فأضافت متسائلة:
-وعمرك ما تفكر تتجـ ـوز عليا؟
نفى برأسه مجيبا:
-مستحيل يا سلطانه.
تنهدت وهي تدا عب لحيته الكثيفة فشرد بها وظلا على هذه الحالة حتى تفوه مترددا:
-ياسمين.
همهمت له فقال:
-ايه رأيك نرجع نروح للدكتور جابر؟ أنا كنت مرتاح اوي الفتره اللي كنت بروح له فيها.
مسـ ـحت على وجنته وأومأت له موافقة:
-مش محتاج تقول أسباب، أنا عارفه ان عندي مشكله وموافقه اتعالج.
سحب نفسا عميقا وطرده بارتياح معقبا:
-شيلتي هم تقيل اوي من على قلبي.
ابتسمت له ابتسامة باهتة ففهما على الفور فحاول ان يخرجها من تلك الحالة:
-أهو بالمرة نشوف حل للفوبيا بتاعتك دي، انا بجد عايزك معايا في الحج السنه دي.
وافقته بحركة طفيفة من رأسها فعاد لتقـ ـبيلها وزمجر مبتعدا:
-حرام كده والله، يارب صبرني.
أبعد غطاء الفراش حتى يستريح بجـ ـسده فاستمع لها تسأله:
-مشاكلنا هتخلص امتى بس؟ انا نفسي نعيش طبيعي زي اي اتنين مع ولادنا من غير خوف وقلق.
رد وهو يسحبها لتستند على صد ره:
-وخلقنا الإنسان في كبد، يعني كل البشرية هتفضل تعافر ليوم الدين.
ارتفعت بوجهها ناحيته وهي تقول:
-بس في ناس كتير عايشه مرتاحه او على الأقل مشاكلها بسيطه يعني مش كل الناس عايشه الخطر والخوف اللي احنا عايشينه.
نفى برأسه وهو يوضح:
-كلنا متوزع علينا نصيبنا من الحياة قد بعض، الغني والفقير متساويين عند ربنا في توزيعته العادله، ربنا بيوزع على الناس نصيبها متساوي.
سألته بحيرة:
-ازاي؟ الغني ربنا اداله الفلوس اللي مش عند الفقير!
أومأ لها شارحا بإطناب:
-ربنا عز وجل بيدي كل واحد نصيبه من الحياة زيه زي غيره، الحياة دي بتتقسم ما بين فلوس وسعادة وستر وراحة بال وولاد وحاجات تانيه كتير اوي، فممكن تلاقي الغني اللي ربنا زودله نصيبه من الفلوس نقصه في حاجه تانيه زي الخلفة مثلا، وممكن الفقير اللي ربنا نقصه في نصيب الفلوس زوده إن ولاده بارين بيه وهكذا الحياة.
اتسعت بسمتها وهي تسمع له وعقبت فور ان انتهى:
-بس احنا الحمد لله ربنا ادالنا الفلوس والأولاد والحب.
أومأ له راضيا متضرعا:
-الحمد لله رب العالمين، بس نقصنا في الامان وراحة البال يا سلطانه عشان كده لازم نرضى بعدل ربنا في تقسيمته.
قبلها بعد ان انهى حديثه، ولكنه ابتعد ناظرا للخلف بإتجاه باب الجناح وعاد ينظر لها بعد ان استمع لاصوات همهمات عالية نسبيا وسالها:
-انتي سامعه اللي انا سامعه؟
أومأت له متعجبه:
-ايوه، ده كأن حد بيتخانق!
انتفض فورا متحركا صوب الباب فتبعته؛ فنظر خلفه ولما ترتديه متسائلا بحيرة:
-رايحه فين؟
ردت بعفوية:
-هشوف في ايه احسن يكون ساجد وشيرين بيتخانقوا.
أشار لها بسبابته متعجبا:
-هتخرجي كده؟ بقميص النوم!
ردت بتفاجئ:
-محدش غريب دول كلهم اهلي وجدي وعمي و…
صاح بها بحدة:
-وساجد ومازن يشوفوا مراتي بقميص النوم ليه؟ أنتي محتاجه ظبطه من اول وجديد يا ياسمين في موضوع اللبس ده.
نظر لها بلمعة عينه محذرا وأشار لها برأسه لتعود وترتدي ملابس مناسبة وتركها ليخرج ويتفحص ما يدور بالخارج.
❈-❈-❈
وقفت مندهشة مما استمعت له خارجا من فمها ولم تلحظ حتى الشجار الدائر بينها وبين مازن الذي صاح فورا صيحة إعتراض:
-چنى.. ايه اللي بتقوليه ده؟ ميصحش كده.
لمعت عينها وهي ترد بحدة وصياح:
-لأ يصح طالما هي مش عارفه تعمل حدود وتفرق ما بين الفتره اللي كنتوا مخطوبين فيها وبين انك بقيت جوزي.
حاول اسكاتها فصر على اسنانه وهتف بغضب:
-بطلي كلام فارغ، مفيش حاجه من اللي بتقوليها دي.
امسكها من ذراعها وحاول ان يصعد بها الدرج:
-تعالي نطلع اوضتنا
سحبت يدها بعنــ,,ـــــف رافضة:
-مش قبل ما تحس على دمها وتعرف انك جوزي انا وتروح تتلهي بحياتها بعيد عننا.
هدر بها مازن، ونرمين متسمرة مكانها عبراتها لا تتوقف عن النزول:
-ولا كلمه تانيه.
بكت وانتــ,,ـــــحبت وهي تصيح:
-انت بتزعق لي عشانها يا مازن؟ انا استاهل منك كده؟
بنفس اللحظة خرج محمود وهدى يتسائلان بحيرة، ولكن لم يجدا جواب من احد فاندفعت هدى صوب ابنتها بعد أن رأت عبراتها واحتكت بجسد چنى قاصدة ان تدفعها بقوة؛ فأختل جسـ ـدها وكادت ان تسقط لولا ان لحقها مازن تاركا زجاجة المياة من يده حتى يدعم جـ ـسدها فسقطت الزجاجة منسكرة ومحدثة دويا عاليا استيقظ على إثره النائمون وانتبه له المتيقظون.
تألم الأخير فور أن استندت زو جته على جسـ ـده بحركة عفويه فتلهفت هي خوفا وسألته بقلق:
-انت كويس؟
أبعدها لتقف معتدلة ونظر لها بغضب وامرها:
-اطلعي فوق حالا.
احتضـ ـنت هدى ابنتها وتسائلت بفضولها المقيت:
-ايه اللي حصل بس؟
لم تجيبها وكان صوت فارس هو المسموع بتلك اللحظة وهو يسأل الجمع الواقف بجوار الدرج بصوت اجش:
-ايه اللي بيحصل هنا؟
رد مازن بإيجاز:
-مفيش يا فارس.
جحظت عينيه وهو يصر على اسنانه مرددا:
-ايه اللي بيحصل هنا؟ مش هكرر سؤالي.
هنا صرخت جچنى تقص عليه ما رأته وما سمعته وتسائلت بغضب:
-جايه تقوله ليه مخنتهاش! ينفع كلام زي ده يتقال؟
التفت فارس ناظرا لنرمين التي قاربت على الانهيار بكاءا؛ فهتف معترضا على حديث چنى:


