
أومأ وقبلها قبلة عميقة على شفتيها بادلته إياها وأخرج جواز سفرها به تذكرتين:
-أنا كنت حاجزلك انتي وأمجد وعامل حسابي اني هحاول اقنعك تيجي معايا، وخوفت على ما تقتنعي تكون الأماكن اتاخدت. عانقته بقوة فبادلها العناق ولكنه ابعدها غامزا لها ببسمة:
-كده لسه في تذكرتين مش عارف هديهم لمين؟ ردت وهي تبتعد عن حــ,,ـــــضنه وتسحبه ليقف قبالتها:
-نديهم لعمر وخديجة.
❈-❈-❈
ظلت طوال اليوم جالسة بغرفتها تبكي تارة وتغفو أخرى، تستيقظ على صوت بكاء صغيرها فترضعه قليلا وتتركة برفقة جدته لتعود للبكاء، كل هذا ودينا تظن أن بكائها بسبب شهادتها ضد والدتها وذلك اللقاء الذي حدث بينهما بعد أن أدلت بشهادتها بالنيابة؛ فتذكرت حالتها بذلك الوقت بعد أن خرجت من مكتب رئيس النيابة تبكي بهستيرية فاحتضنتها دينا تدعما وتتسائل:
-في ايه بس، اهدي يا بنتي وربنا يحلها من عنده.
ابتعدت عنها ترمقها بحزن:
-مكانش ينفع أقول حاجه غير اللي شوفتها قدامي، بس وكيل النيابة بيقولي إن مامي أكيد هتاخد حكم حتى بعد ما قولتله إنها مكانتش تقصد ومصدقنيش انها من ساعة ما بابي دخل السجــ,,ـــــن وحالتها النفسية مش مظبوطة وبتتصرف تصرفات غريبه، هو انتوا مقولتوش لوكيل النيابة إن مامي نفسيتها مش مظبوطه؟ مسحت دينا على ظهرها وأكدت:
-قولناله يا حبيبتي، اهدي بقى لحد ما مازن يخرج هو كمان من التحقيق عشان نروح. رفضت وانهارت من البكاء:
-أنا عايزه أشوف مامي، عشان خاطري يا طنط خلي المحامي يجيبلي زيارة لها.
قوست فمها تخبرها بفروغ صبر:
-احنا هنفضل نقولك لامتى يا چنى إن النيابة منعت الزيارة عشان تضارب الأقوال لأننا كلنا شهود. خرج مازن بعد أن أدلى بشهادته وجلس بجوارها مسندا رأسه على الحائط خلفه فسألته بلهفة:
-مالك؟ حصل حاجه في التحقيق؟ تنهد وأخبرها مجدا:
-ﻷ يا روحي، تعالي نروح يلا. رفضت ووقفت معترضة:
-خلي المحامي يعملي زيارة لمامي، ساهر واقف بره هو وميار وعايزين نزورها كلنا.
أومأ موافقا ووقف يحدث المحامي فاستجاب الأخير وذهب برفقتهم لزيارتها والتي فور أن رأت ابنائها بكت ولم تصافحهم أو تحتضنهم بل بدأت وصلة توبيخهم:
-مطمرتش فيكم التربية وسبتوني كل ده من غير لا زيارة ولا محامي وكمان شهدتوا ضدي. حاول ساهر التحدث معها بعقلانية:
-يا ماما الزيارة كانت ممنوعه عشان التحقيق، وغير كده كنا هنشهد بأيه واللي حصل كله متصور صوت وصوره. اقتربت منها چنى تحاول احتضانها فدفعتها بعيدا عنها صارخة بها:
-ابعدي عني وروحي اترمي في حــ,,ـــــضن اخوكي اللي بيعمل المستحيل عشان يخلص مني ويجيب لي اعدام.
أطرقت رأسها أسفا من حديثها فاستمعت لميار تحتد عليها:
-انتي بتكرهي فارس كده ليه يا مامي؟ فهميني ايه السبب اللي ممكن يخلي أم تكره ابنها لدرجه تحاول تشككه في نسبه ﻷبوه؟ أنا كنت بقول إن أعصابك تعبانه بسبب اللي حصل لبابي بس اللي شيفاه ده كره صريح و… قاطعها ساهر يحاول اسكاتها:
-كفايه يا ميار مش وقته الكلام ده احنا جايين نطمن على ماما ونطمنها إن المحامي هيحاول يجيب لها حكم مخفف قدر الأمكان. ضحكت ساخرة وهي تعقب:
-هيجيبلي مؤبد بدل الاعدام ولا ايه؟
امتعض وجههم وهموا بالمغادرة ولكن حاولت چنى توديعها واحتضانها فدفعتها بعيدا وهي تصرخ بها:
-مش عايزه احضان من حد، لو مش عارفين تخرجوني من هنا يبقى ابعدوا عني ومحدش فيكم يزورني تاني إلا وهو جاي يقولي اني هطلع براءه. عادت دينا من شرودها وحملت الصغير مدحت وصعدت الدرج لغرفة چنى وطرقت الباب ودلفت لتجدها تبكي بتلك الحــ,,ـــــرقة فظنت ما ظنته أنها تبكي والدتها فربتت على ظهرها تواسيها:
-حبيبتي يا چوچو، اهدي كده وربنا مش هيجيب غير الخير يا بنتي والمحامي أهو شغال وإن شاء الله يجيب لها حكم مخفف ولا مع ايقاف التنفيذ.
ابتسمت لها وتابعت:
-طالما المحامي طلب عرضها على مختص نفسيه وعصبيه يبقى ممكن جدا تاخد حكم مخفف إن شاء الله ﻷنها فعلا نفسيتها مش مظبوطه. لم تعقب عليها فتركتها بعد أن وضعت الصغير بفراشه:
-أنا غيرت لمدحت ونيمته، ارتاحي انتي شويه على ما مازن يرجع من الشغل وهخلي الخدم يطلعولكم العشا هنا، ها ايه رأيك؟ وافقتها بحركة صغيرة من رأسها فغادرت الأولى واعتدلت چنى تحدث نفسها:
-مش هخسرك يا مازن، كفايه اوي عليا كل ده انا تعبت أوي بجد.
مسحت عبراتها بظهر يديها ووقفت تنظر لإنعكاس صورتها بالمرآة تحدث نفسها:
-هعمل المستحيل وانسيهالك يا مازن عشان انت جوزي انا وابو ابني وانا بحبك ومقدرش اعيش من غيرك. عادت للبكاء:
-معقول محبتنيش! معقول كل اللي بينا ده كان رغبه و خوف من فارس! جلست تمسح وجهها بالمنظف السائل المخصص للوجه وبدأت بوضع مساحيق التجميل لتخبئة حزنها الظاهر وظلت تتكلم وكأنه يسمعها:
-ليه أنا بيضحك عليا من كل اللي حواليا؟ محدش بيحبني ولا بيهتم بزعلي، هو مش كفايه اللي شوفته عشان غلطه عملتها بسبب غبائي وقلة خبرتي، هفضل أدفع تمنها لحد ما أمــ,,ـــــوت؟
دلفت غرفة ملابسها وأخرجت زيا تنكريا من تلك الأزياء التي يحبها زوجها وارتدته ووضعت المئزر فوقه وهي تتمتم بإصرار:
-هعمل المستحيل عشانك يا مازن، طول ما كنت مهتمة بيك وشاغله بالك وعقلك مكنتش بتفكر فيها ولا بتفتكرها، كل المشاكل دي حصلت لما تعبت ومبقتش قادرة اهتم بيك بس صدقني إن الغلطة دي مش هتتكرر تاني.
❈-❈-❈
خرج من الشركة وقاد متجها لڤيلا والده التي يقطن بها مؤخرا فتقابل مع أخيه أمام بوابة المجمع السكني الذي يقطنا به مع بقية أفراد العائلة فنزل من سيارته ووقف يحدثه:
-ايه يا ساجد عامل ايه وأخبار الشغل في العالمية؟
قوس فمه وأجابه:
-ماشي الحال، بس. صمت ممتعضا فسأله مازن باهتمام:
-في ايه؟ محتاجني معاك لحد ما يزن يرجع؟ نفى معقبا:
-يزن نزل انهارده وفي نفس اليوم نرمين استقالت وهو وافق على استقالتها وبجد مش عارف ايه الموضوع بالظبط، من يوم اللي حصل بينكم في المستشفى وأنا مش عايز اتكلم ولا اتدخل بس وضع نرمين مش عاجبني وعايز أفهم. استند مازن على سيارته عاقدا ساعديه أمام صدـ,,ـــره:
-الحكايه اني خرفت معاها في الكلام فردت بقلم على وشي، أنت عارف نرمين حادة ومش بتتفاهم.
هز ساجد رأسه مؤكدا على حديث:
-فعلا، بس ده حصل معاك أنت، الشغل ماله وأنت أصلا مش بتيجي العالمية. رد ضاحكا:
-يمكن قررت تبعد عن العيلة فـ العموم، بس غريبه إن يزن وافق على استقالتها كنت بحسب في بينهم حاجه. نفى وهو يخبره:
-بالعكس، يزن بيحبها جدا وكلمها اكتر من مره وهي رافضه تماما وقدمت استقالتها اكتر من مرة وهو بيرفض بس المرة دي وافق ولما سألته عن السبب قالي حب يريحها وميضغطش عليها.
شرد مازن بحديثه فهل اتهمها وظن أنها بعلاقة عاطفية مع يزن وهي بعيدة كل البعد عن ذلك وهو ما أدى لرد فعلها العنيف معه بصفعه تلك الصفعة الهادرة للكرامة. عاد يوبخ عقله وتفكيره الذي أصبح يتذكرها كثيرا بالآونة الأخيرة وهو يؤكد لنفسه ولقلبه أنه لم يشعر لا بالسعادة ولا الرضاء الذي شعر به إلا مع زوجته وحبيبته، حتى أنه لم يشعر بتلك المشاعر الفياضة ولا حتى مع نرمين نفسها:
-يا بني انت سرحت في ايه؟
رمش بعينيه فتعجب ساجد من حالته وسأله فورا:
-مااازن، هي ايه الحكاية؟ أنت لسه بتحب نرمين ولا ايه؟ رفع بصره لأخيه فورا رافضا:
-لا يا بني ايه الهبل ده؟ أنا بس ظلــ,,ـــــمتها وقولتلها كلام يجرح وأنت بكلامك دلوقتي خلتني حسيت بالذنب. ضحك ضحكة مقتضبة وتحرك لسيارته وهو يودعه:
-طيب سلام بقى عشان لسه هروح لفارس ڤيلته الجديده عشان آخد شيرين من هناك. وافقه بحركة من رأسه، ولكن الأول عاد يهتف بلهفة:
-أنت شوفت الڤيلا الجديدة؟
نفي مازن فتعجب أخيه؛ فمتى كان مازن آخر الزائرين أو المهنئين لرفيق دربه:
-واخد ڤيلا انما ايه مفيش زيها في الكومباوند، ڤيلة ايه ﻷ دي قصر. دلف سيارته مودعاً إياه فركب هو سيارته وقاد صوب ڤيلة والده ودلف فوجد والدته وابيه يتناولان العشاء فتعجب:
-بتتعشوا من غيرنا ليه؟ هي فين چنى؟ غمزت له والدته:
-چنى فوق مستنياك.
انحنى يقبل الصغير الجالس بمقعدة بجوار جدته وفهم نظرات والدته فابتسم وصعد الدرج كل درجتين معا وفتح الباب دون حتى تكبد العناء لطرقه؛ فوجدها نثرت الزهور بكل ركن من أركان الغرفة فبحث عنها ووجدها تخرج من المرحاض ترتدي زيا تنكريا كطبيبة مثير وعار فابتلع ريقه واقترب منها يعض على شفته السفلى واحتضنها هامسا:
-ايوه يا دكتور أنا تعبان أوي ومحتاج علاج مكثف. غمز لها وهو يعض على شفته السفلى بإثارة فسألته:
-قولي بتشتكي من ايه يا مازن بيه؟
استلق على الفراش وهو يخبرها:
-أنا عايز كشف عام عشان اطمن على نفسي. خلع ملابسه بعجالة وعاد يفرد جسده على الفراش:
-اكشفي وطمنيني بقى بس بسرعه عشان مستعجل. اقتربت منه وانحنت لتضع سماعة الأذن على بطنه فسحبها بقوة حتى سقطت عليه متسطحة بجسدها فالتف ببراعه حتى اصبحت هي أسفله وهمس لها بحب:
-بحبك يا چنى. نظرت بعمق عينيه ووضعت راحتها على وجهه:
-وأنا بمــ,,ـــــوت فيك. قبلها من عنقها ومارس الحب بشغف ولهفة وارتمي بجوارها يلهث؛ فاقتربت منه تستند على كتفه فاحكم من احتضانها واستمع لتنهداتها وسؤالها العفوي:
-أنت مبسوط معايا يا مازن؟
رد مؤكدا فسالته وهي تحاول التمسك بقوتها وعدم الإنصياع لرغبتها القوية للبكاء:
-يعني مش ممكن تسيبني ابدا؟ التفت لها وقبلها من جبينها وهو يرد:
-أنا بحبك يا چنى، اسيبك ازاي بس وانتي روحي، في حد يقدر يعيش من غير روحه؟ عانقته بقوة وعقبت:
-وانا بعشــ,,ـــــقك يا مازن ولو بعدت عني ممكن أمــ,,ـــــوت يتبع..




