
-مالها تيته كمان؟ اجابها وعينه مرتكزة على جهازه اللوحي: -يعني على طول مكشره ومضايقة من كل الناس وبتكره كل الناس. ربت على ظهره وقال مؤازرا: -بس مامي بتحبك أوي يا سامر، أهم واحده في الدنيا هي اﻷم وربنا حط الجنه تحت رجليها. ضحك الصغير على الفور وقال ساخرا: -وليه أنت مش بتعمل كده مع تيته؟ مش هي مامتك برده؟ حك فارس لحيته بضيق ورمقه بنظره حادة وقال بصوت خشن: -ده كلام كبار انت متفهموش، المهم دلوقتي أنا عايز اسألك سؤال.
وافق الصغير بفروغ صبر فاستطرد اﻷول: -أنت عارف إن ساعات في ناس بتروح عند ربنا عشان تدخل الجنه ولا متعرفش الحكايه دي؟ أومأ له موضحا: -ايوه عارف، بيمـ,ـوتوا ويروحوا عند ربنا. حرك رأسه واضاف: -وطبعا الحياه عند ربنا احسن بكتير من الحياه هنا، عارف ليه؟ أومأ الصغير واجاب: -عشان الناس بتعيش من غير شغل ولا تعب. انبهر برده فابتسم فورا وصفق بيده: -برافو عليك، أنت شاطر أوي. ابتلع ريقه وتباطئ قليلا وقال بتردد:
-طيب دلوقتي في حد من عيلتنا راح عند ربنا، واحنا عازين نروح نسلم عليه ونودعه. نظر له الطفل بحـ,ـزن وعلقت العبرات بعينه وهو يقول: -بابي مش كده؟ أومأ له فارس وهو يجاهد ليتمالك أمام الطفل وسأله بحيرة: -عرفت ازاي؟ رد وهو يبكي: -عشان مامي كانت بتعـ,ـيط جامد اوي وهي ماسكه هدومه وصورته، وعشان مروحتش المدرسه وسولي صاحبي لما غاب كان باباه هو كمان راح عند ربنا، ولما رجع قال لنا إن باباه عنده قصر في الجنه.
بكى وسأله بشهقات طفولية بريئة: -هو بابي كمان عنده قصر في الجنه؟ أومأ له واكد: -أيوه طبعا، وهيستناكم فيه، ولو عايز يبقى عنده قصور كتير اوي افضل طول الوقت ادعيله ربنا يرحمه ويسامحه. رفع الصغير يديه للسماء وقال ببكاء: -ربنا يرحمك يا بابي ويسامحك. احتضنه فارس بقوة وظل يربت عليه وهو يخفي عبراته فابتعد عنه الصغير وسأله بتردد: -هي مامي ليه مش بتحبك؟ ابتسم له وداعب وجهه قائلا بتوضيح: -مفيش اخوات بيكرهوا بعض، هي بس كنت بتغلس عليا عشان احبها اكتر من چنى وساهر.
سأله بطفولة: -وانت ليه بتحبهم اكتر من مامي؟ اجابه وهو يقف ويحمله معه: -عشان كانت شقيه وبتـ,ـكسر لي اللعب بتاعتي واحنا صغيرين، بس خلاص كبرت وبطلت تكـ,ـسر اللعب. رد الصغير بضيق: -آه .. بقت بترميهم خالص. زغره بنظره غير مفهومه؛ فحرك فارس رأسه بحيرة فأضاف الصغير: -كل ما تلاقي معايا لعبه تاخدها ترميها وتقولي نام ولا ذاكر ولا كل. ضحك وتحرك به صوب خزانة ملابسه وسأله: -وبترمي اللعب ليه؟ رد متجهما:
-عشان بلعب بيها ومش بسمع الكلام. انزله ارضا وسحب ملابس وجدها تناسب العزاء قليلا ونزل على ركبيته لمستوى طوله وعقب عليه: -ما كده يبقى عندها حق، بس خلاص من انهارده اي حاجه تعملهالك كلمني وأنا اجي اقرصلك ودانها. ضحك الصغير وعقب: -ولا حد يقدر عليها دي مفترية. ضحك فارس رغما عنه وسأله بحيرة: -أنت قولت لي عندك كام سنه؟ رد فورا: -6 وهكمل 7 كمان شهرين. بدأ بمساعدته لارتداء ملابسه وهو يردد:
-6 وداخل على 7 وغلباوي اوي كده؟ اومال لو بقيت 10 هتعمل فينا ايه؟ البسه ملابسه وتحرك معه للخارج فوجدهم بانتظاره وميار تستند على ساهر وفريده تقف بمفردها كأنها بعالم آخر فحرك رأسه ممتعضا منها وقال بصوت جاد: -يلا عشان نلحق. ❈-❈-❈
لم يكن اليوم عاديا ومر مرور الكرام مثل سابقيه، ولكن كان اليوم محملا بالكثير من مشاعر الحـ,ـزن واﻻسى والكثير والكثير من البكاء والصرخ ايضا، ومر فارس بأصعب يوم بحياته كله بعد أن وقف مؤازرا لأخته الصغرى بفاجعتها؛ حتى انتهى من دفن زوجها وتحرك بعدها لمؤازرة عائلات الضحايا من عماله الذين فقدوا حياتهم أيضاً، ولاقي ما لاقاه من هجوم من بعض العائلات المنكوبه ولم يستقبله جيدا إﻻ القلة القليلة التي رحبت به لأداء واجب العزاء.
غادر عزاء سامي مساءاً واصطحب زوجته لمنزلهما ودلف باجهاد واضح للعيان فأسندته زوجته حتى صعد لجناحهما وتمدد على الفراش بكامل ملابسه؛ فحاولت هي أن تتحدث معه فهو لم ينطق ببنت شفه منذ أن غادر العزاء: -فارس.. مش هتغير هدومك؟ رد بايجاز: -مش قادر اتحرك. دلفت غرفة ملابسه واحضرت منامته واقتربت منه هاتفه برجاء: -طيب خليني اساعدك عشان تنام. رفض معقبا: -سبيني يا ياسمين مش قادر. حـ,ـزنت لحالته فقالت وصوت البكاء عالقا بحلقها:
-طيب ارتاح وأنا هعمل لك ساندوتش عشان.. قاطعها رافضا: -بقولك مش قادر، سبيني أنام. مسحت عبراتها وجلست بجواره قائلة بمؤازرة: -ربنا يقويك ويصبرك، أنت طول عمرك قوي وهتقدر تعدي اللي حصل إن شاء الله. لمعت عينه بالغضب واعتدل بجـ سده هاتفا بحدة: -اعوض ايه؟ اعوض الفلوس ولا اﻻرواح اللي ماتت وبقت ذنبها في رقبتي، ولا اعوض الاهالي اللي اتشردوا ومبقاش لهم رب أسره يصرف عليهم؟ صرخ بنهاية حديثة وهو يسألها:
-اعوض ايه فهميني؟




