
الفصل الثاني والعشرون سلاماً على الذين
لا تبدلهم حياة…
ولا تفرقهم طرق…
ولا تغيرهم ظروف…
أسرع بخطاه حاملا إياها ولحقت به والدته التي استدعت الجميع لنجدتها؛ فجاء الممرضون يجرون سر,,ـــــيرا متحركا فوضعها عليه وهو ينظر لوالدته بقلق؛ فربتت عليه تطمأنه وتحركت مع الفريق الطبي للداخل.
لف ودار حول نفسه؛ فاقتربت منه زو جته واضعة راحتها على كتفه تهمس:
-مش المفروض نتصل بفارس.
أومأ لها وأمسك هاتفه محاولا اﻻتصال به، ولكن لم يفلح اﻵمر فحرك رأسه نافيا:
-خارج التغطيه.
سألته بحيرة:
-جربت بخدمة التجوال؟
رد بضيق:
-أكيد يعني أنا مش غبي.
تفاجئت من حدته ولكنها عادت تكلمه:
-طيب جرب موبايل مازن.
زفر بانفاسه وفعل ما اقترحته، ولكن النتيجة كانت مماثلة فقال:
-خلاص بقى لما نطمن عليها على اﻷقل افهم حالتها عشان ابلغه.
انتظر على مقاعد الانتظار ولحقت به عائلتها؛ فوقف يسند الجد ليجلس بجواره واستمع لتضرعه:
-ربنا يجيب العواقب سليمه يارب.
لحظات وخرجت دينا؛ فوقف الجميع باهتمام ولهفة وسألتها شيرين:
-طمنينا يا طنط.
بللت شفتيها وردت بضيق:
-للأسف حالتها مش كويسه وعندها تسمم حمل.
لمعت أعين عائلتها بالدهشة والحزن فتسائل ساجد متعجبا:
-ايه اللي حصل لها مش فاهم؟ وفجأة كده!
خرجت الطبيبة بتلك اللحظه، فنظرت لها دينا تطلب منها اخبارهم باﻷمر فأجابت:
-للأسف مدام ياسمين كانت حامل وأنا قولت لها إن في خطوره وكان لازم يحصل اجهاض من فتره، بس هي رفضت وصممت تكمل الحمل ودي النتيجة، الجنين أصلا مفيهوش نبض وهرمون الحمل بينزل من جسمها وطبعا حالة الرحم عملت تسمم في الدم.
سألها السيد بقلق:
-طيب الحل ايه؟ ما تلحقوها.
أومأت له موضحة:
-هندخلها عمليات بس ضغطها واطي فلازم نظبط الضغط اﻷول.
نظرت لذلك الكهل القلق فقالت بهدوء:
-متقلقوش، خير إن شاء الله.
دلفوا تباعا للإطمئنان عليها قبيل أن تدخل غرفة العمليات؛
فهرعت شيرين ناحيتها تحتضنها وتجلس بجوارها متسائلة بلهفة:
-انتي كويسه؟
أومأت باكية:
-براحه انتي على نفسك عشان متتعبيش.
ابتسمت لها لخوفها عليها وقالت:
-متقلقيش، المهم انتي تبقى كويسه.
زمت شفتيها ونظرت لساجد وسألته بوجل:
-أنت كلمت فارس؟
أومأ لها معقبا:
-ايوه بس موبايله خارج التغطية.
ابتلعت ريقها بتباطئ ونظرت للجميع تتحدث بإجهاد وتوسل:
-طيب ممكن محدش يقوله اني كنت أعرف بالحمل؟ فارس لو عرف هيزعل مني.
صرخ بها عمها:
-ولما انتي عارفه من اﻷول إن لا الحمل كويس ليكي ولا هيكمل ولا حتى فارس هيعديها، عملتي كده ليه؟
ردت توضح لهم وجهة نظرها:
-كنت خايفه، مش قادره آخد قرار اني ا. حته مني، وفي نفس الوقت فارس فيه اللي مكفيه مش ناقص اشغله بتعبي.
تفهمت دينا الوضع فحسمت الحديث:
-خلاص يا جماعه مش مستاهله كل الكلام ده، احنا بنحاول نظبط لها الضغط ومش عايزين توتر، ومش هتفرق كتير لو قولنا لفارس انها لسه عارفه دلوقتي.
جعد ساجد جبينه وقال بحدة:
-ايه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ انتي مش بس عيزانا نخبي عليه، كمان هنكدب .. طيب لو عرف بعدين شكلنا وموقفنا كلنا هيكون ايه؟
انتي فاهمه فارس ممكن رد فعله يكون ايه لو عرف اننا كلنا اتفقنا عشان نستغفله؟
هدرت ياسمين مستَفزة من حديثه:
-نستغفله! للدرحة دي؟ كل الحكاية انه يعرف نص الحقيقة لأن الحقيقة الكاملة مش هتفيد ولا تغير حاجه غير انه ياخد مني موقف، هتفرق معاك في ايه تقول معرفش وخلاص؟
صمت واعقد حاجبيه فاقتربت منه شيرين تهمس له:
-بلاش نتدخل احنا في الموضوع ده، لو سألك قوله معرفش وخلاص.
قضم داخل فمه ورد بجمود:
-انتوا حريين، اعملوا اللي انتوا شايفينه بس لو فارس سألني أنا مش هكدب عليه.
تركهم وخرج فلحقت به دينا التي وبخته:
-حرام عليك يا ابني انت مش شايف حالتها وقد ايه خايفه من إن فارس يعرف؟ ليه توترها كده وهي داخله العلمليات؟
صمت وأطرق رأسه فربتت عليه ووضحت:
-الكدب ساعات بيكون ضروري عشان نحمي الناس اللي بنحبهم، فارس لو عرف هيتعب وياسمين هتتعب واكيد انت مش عايز كل ده يحصلهم.
أومأ صامتا فصدح صوت رنين هاتفه؛ فنظر لشاشته ليجده فارس فرمقها بنظرة متضايقة وسألها:
-أهو بيتصل، أرد اقوله ايه أنا دلوقتي؟ مش هعرف اكدب عليه يا ماما.
زفرت بضيق وقالت بحسم:
-خلاص متردش عليه لحد ما ياسمين تطلع من العمليات.
❈-❈-❈
عندما لم يجد اجابة اغلق الخط وعاد يجلس بمقاعد الاستراحة المواجهة لغرفة العمليات بجوار عمر مطرقا رأسه ينظر ليداه المضرجة بدماء رفيق دربه؛ فدمعت عينيه دون ارادته فربت عليه عمر يهدأه:
-اهدى وان شاء الله كله يتحل.
رد بصوت وهن وضعيف:
-تتحل ازاي؟ أنتوا حذرتوني انه كمين وأنا مسمعتش لكم … كان كل همي اخلص من التهديد اللي خانقني وواقف حياتي ومفكرتش في العواقب، ﻷول مره احسبها غلط بالشكل ده واللي دفع تمن غلطي هو مازن.
بكى رغما عنه وهو يكمل بغضب:
-مازن اصلا مريض ومش حمل رصاصة زي دي، ده لسه مشالش ابنه في حــ,,ـــــضنه.
مسح عمر على ظهره بتهدأة وقال:
-ادعيله والدعاء بغير القدر.
وقف مستندا على الحائط بجبهته وتكلم بمرار مناجيا ربه:
-يارب، أنا غلطت كتير أوي في حياتي وعارف اني لو قعدت عمري كله اكفر عن ذنوبي مش هقدر، بس انا طمعان في كرمك يا رب.
خرج الطبيب فهرع إليه فارس متسائلا بلهفة:
-طمني.
رد مباشرة بطريقة عملية:
-الحمد الله قدرنا نخرچ الرصاصة من چسمه، وهلأ هو بالعناية المركزة، الحمد الله ع سلامته.
أخرج فارس زفرة ارتياح عميقة وعاد ينظر لعمر الذي نبهه بحديثه:
-احنا لازم نشوف حل للمحضر اللي هيتعمل، وخصوصا اننا في بلد غريب ومش هنعرف نعدي اﻷمور من غير شوشره.
ابتسم فارس بألم ورد:
-كان مازن هو المسؤول عن الحاجات دي، هو اللي دايما كان له صلاته ومعارفه، يكلم ده ويخلص هنا لحد ما كل حاجه تتظبط، أنا معرفش حد يقدر يعمل كده بداله.
شعر عمر بمدى ضعف رفيقه بتلك اللحظة فأجلسه على المقعد وقال بهدوء:
-وحد الله، انا هتصرف متقلقش.
هز رأسه علامة على موافقته، فاستمع لذلك الصوت الذي يمقته قائلا بأسلوبه الساخر والمستفز ﻷعصابه:
-الحمد الله ع سلامته البيك، كيفه هلأ؟
وقف فارس منتفضا ولكن عمر وقف حائلا بينهما ليمنعه من التهور وهمس له:
-متصعبهاش علينا يا فارس اكتر ما هي.
رمقهما بنظرته المستفزه وقال بجمود:
-رفيئك معه حق، لا تتحداني يا فارس بك، أنت ما عم تعرف مع مين بتلعب؟
اقترب منه وهسهس بفحيح:
-أنت بتلعب مع اخطر رچال ممكن تعرفه بحياتك كلها يا فارس.
ابتعد يرمقه بنظرات متفحصة وقال وهو يتحرك مغادرا:
-لا تعتل هم التحقيقات، كل شي خلصته انا، أنت هون ضيفي ببلدي.
تحرك ولكنه عاد ملتفا وقال غامزا:
-رح ارسل حد يچيب عاليا لعندي من الفندق هلا، وبالنسبة للمصاري بعطيك شهر لتجمعهم، بعرف المبلغ كبير ومانه قليل ابدا.
عض على جانب شفته وهو يرفع سبابته أمامه بتحذير:
-بس يا ويلك مني اذا فكرت تلعب بديلك مره تانيه يا فارس، صدقني رح تندم عمرك كله لأن انتقامي وقتها انه راح اتركك عايش لتشوف شو راح يسوي فيك غسان الصباغ.
ضغط على زر استدعاء المصعد ففتح بابه ودلف قائلا بطريقة استعراضية:
-شهر لا تنسى، تشاو يا عزيزي.
❈-❈-❈
ظل يقـ بلها من عنـ قها نزولا لصد رها وعودة لشـ فاهها وهي لا حول لها ولا قوة فقط تبكي بغزارة فالتـ ـهم شفـ تيها بشراسة ونطق بفجور:
-عمري ما دوقت شفا يف بالنعو مة والطرا وة دي
دفــ,,ـــــن رأ سه بين نهـ ـديها فقطعه رنين هاتفه؛ فابتعد زافرا:
-يوووه زمان التسجيل وقف.
امسك الهاتف الموضوع على وضع التسجيل وأجاب:
-ايوه يا مالك؟
رد عليه الطرف اﻵخر:
-أنت فين؟
نظر امامه لجسـ دها العا ري وغمـ ـز لها بطرف عينه اليسرى واجاب:
-عندي زياره منزليه، انت اللي فين؟
أجابه بتلبك:
-كنت قاعد مع ياسين وداخل ع البيت اهو.
ارتبك على الفور وبدأ بارتداء ملابسه وقال متصنعا الجمود:
-خلصت معاه الكلام على ايه؟
أجابه بفروغ صبر:
-لما آجي بقى أنا خلاص في البيت عند ماما.
ابتلع ريقه وهتف مازحاً:
-طيب يا ابو خلق ضيق، أنا كنت ناوي اعزمك على اكله سمك معتبره انهارده بس ملحقتش، ما تروح تجيب لنا من الراجل اللي على اول الشارع.
رفض معللاً:
-يا أنس انا مخنوق وقاعد مستنسك عند ماما مش عايز اطلع لها، هات أنت وأنت جاي.
ارتعشت أوصاله وهو يجاهد ليخرج صوته قويا فقال ساخرا:
-أه يا معفن، عشان متدفعش مش كده؟ يا واد روح هات وهحاسبك يا رمه.
ضحك مالك وهو يرد:
-والله ما بخل بس…
قاطعه انس بضيق:
-يا بني روح أنا على ما أخلص هيكون الراجل شطب السمك اللي عنده.
زفر بملل ورد مضطرا:
-حاضر هروح.
استمع لصوت والدته تحدثه:
-انت نازل تاني؟
رد بضيق:
-اؤوه يا ستي رايح اجيب سمك للي بيتوحم ده.
ضحكت وربتت على كتفه:
-ربنا يخليكم لبعض.
تنفس أخيرا بارتياح ونظر لها غامزا:
-ايه الحظ ده؟ ده لو سينــ,,ـــــاريو فيلم مش هتظبط كده، بس الظاهر القدر عايز يلمنا سوا بشكل تاني.
ارتدي ملابسه وأمسك حقنة اخرى غرزها بوريدها قائلا:
-دي هتخفف أثر الدوا شويه، بالكتير 10 دقايق وتبقى كويسه.
تحرك ناحية باب الغرفة وتكلم وهو يفتح الباب:
-طبعا مش هوصيكي، لو بنت ابوكي صح ورجوله بلغي مالك باللي حصل أو اقصد اللي كان هيحصل ده، بس كده اظن عرفتي انا اقدر اعمل فيكي ايه مش كده يا نرمو؟ وطالما عرفتي جرأتي واصله لفين يبقى اكيد فاهمه ان عندي اللي يشيل عني اي اتهام ممكن تقوليه.
غادر مغلقا الباب وراءه بالمفتاح كما كان؛ فانتــ,,ـــــحبت بصمت وجاهدت لتستعيد توازنا واحسا سها بانا ملها حتى بدأت تتحرك رويدا رويدا، فارتدت ملابسها ببطئ ورعشة وجلست أرضا تبكي بحــ,,ـــــرقة وانهيار وهي تفكر في مأساتها وما كاد أن يحدث لها.
❈-❈-❈
عاود الإتصال من جديد عندما لم يجيبه أول مره فأضطر اﻻخر أن يجيب اتصاله الملح:
-ايوه يا فارس.
هدر به اﻻخر بعنــ,,ـــــف:
-مبتردش ليه يا زفت انت؟
ابتلع إهانته بجوفه وقال بمهادنة:
-مكنتش سامعه، انا اتصلت بيك بس موبايلك انت ومازن كان مقفول.
تعجب فسأله بلهفة:
-حصل حاجه ولا ايه؟
ابتلع ريقه بتباطئ ورد:
-ياسمين..
وقف فارس من مكانه وتنفس بتوتر متسائلا بقلق بالغ:
-ايه اللي حصل؟
رد وهو يتلعثم بحديثه:
-اهدى بس هي كويسه و..
صرخ به بحدة:
-مرا تي مالها يا ساجد انطق؟
رد فورا دون مماطلة اكثر:
-تعبت وجبتها المستشفى، بس اطمن هي كويسه والله متقلقش عليها.
بنفس الوقت دلفت چنى بعد أن علمت ما حدث لها ببيت جدها، واقتربت من ساجد المنتظر خارج الغرفة وسألته:
-اطمنتوا عليها يا ساجد؟
أومأ وهو يشير للهاتف ففهمت انه يحدث فارس؛ فتحدث من الطرف اﻻخر:
-هي فين؟ ادهالي.
طرق على الباب ودخل يخبرها:
-فارس على التليفون عايز يطمن عليكي.
رفعت عينها تسأله بقلق فاجابها بحركة رأسه انه لم يفش سرها؛ فتنهدت براحة وأجابته برقة:
-حبيبي، انت كويس؟
ضحك رغما عنه فهو من المفترض أن يسألها عن حالها وليس العكس:
-أنا كويس يا سلطانه، انتي اللي كويسه؟ ايه اللي حصل؟
بللت شفتيها بلسانها ونطقت بايجاز:
-دوخت شويه وأنا عند جدي وفوقت لقيت ساجد جابني ع المستشفى، بس متقلقش أنا كويسه خالص والله.
شعر بالارتياح ولكنه سألها:
-طيب ايه سبب التعب ده؟
ردت بتوتر:
-ضغطي وط…
قاطعتها دينا:
-هاتيه يا ياسمين.
عندما استمع لصوت زو جة عمه شعر بالتوتر فهو لن يستطع اخبارها بحالة نجلها البكري فشعر بغصة ألم تحــ,,ـــــرقه ولكنه تماسك متحدثا معها بجديته المعروفه:
-ازيك يا دكتوره؟
ردت عليه:
-الحمد لله يا حبيبي، اطمن على ياسمين، هي طلعت حامل بس الدكتوره قالت لازم نجهضه بسرعه عشان حالتها متسمحش بحمل، واحنا اهو بنظبط لها الضغط وهتدخل العمليات على طول.
صمته جعلها تظن ان المكالمة قد انتهت؛ فتكلمت تناديه:
-فارس، انت معايا؟
رد بحزن وصوت متعب:
-معاكي، مينفعش تستنوا لما ارجع؟
سألته بحيرة:
-وأنت راجع امتى؟
نظر لزجاج العناية المركزه واخيه الروحي النائم وموصول باجهزة تخبره انه على قيد الحياة، ولكنها لا تؤكد له صحة حالته فقال بتوتر:
-مش عارف هعرف ارجع امتى؟ ممكن كام يوم.
ردت عليه توضح:
-ما احنا كل ما استنينا مش كويس عشانها خصوصا إن الحمل عامل لها مضاعفات.
زفر بحزن وأومأ لها كأنها تراه قائلا:
-خلاص اتكلوا على الله، ربنا يقويني واتحمل آخد اخبارها منكم بالتليفون.
لأول مره تستمع لنبرته المنكسرة بتلك الطريقة فسالته بقلق:
-انت فيك ايه يا فارس؟
رد فورا متصنعا الجمود:
-ولا حاجه، قلقان بس عليها، اديهالي أكلمها.
ناولتها الهاتف؛ فتحرك الجميع للخارج عندما نظرت لهم تطلب منهم ذلك باشارة صامتة:
-حبيبي.
تنهد فسألته بقلق:




