
-والله العظيم انا معرفش حاجه، أنت بتتهمني بحاجه حقيقي معرفهاش.
سألها بغضب وضيق:
-ولاد مروان فين؟
حركت رأسها تنفي علمها؛ فأمسكها بقوة من ذراعها وصاح بصوته اﻷجش لدرجة دخول طاقم التمريض متخوفا:
-انطقي احسنلك.
التفت بتهور صوب التمريض ولمعان عينه ينذر بغضب وشيك ولسان حاله يهدر بالكبير والصغير:
-اطلعوا بره كلكم.
عاد ناظرا لها بعد أن خرج التمريض رافعا حاجبه وهادرا بها:
-سامي جوز اختي مات في الحــ,,ـــــريق هو و 100 عامل غيره، ايه رأيك يا عاليا هانم؟
لم تشفع لها عبراتها وبكاءها بل ظل يوبخها حتى صرخت فجأة:
-كفاية، كفاية.
ابتعد ناظرا لها بغل وكره فنطقت باكية:
-انا معرفش اي حاجه، معرفش غير إن غسان طالما حطك في دماغه يبقى مش هيسيبك وهو واضح انه مش هيسب اللي حصل في المخازن بتاعته لما حــ,,ـــــرقتهاله.
تهدجت انفاسه عندما أضافت:
-انا عارفه اني السبب في كل ده بس بجد متخيلتش ابدا انه يعمل كده.
اقتربت منه وتكلمت بخوف حقيقي:
-غسان رجل خطير وانا خايفه عليك منه، انا اتحايلت على ولاد خالي مروان انهم يعرفوك خطته بس هم خافوا على مامتهم.
عقب عليها:
-الكلاب، روحت لحد عندهم وفهموني انهم هيساعدوني، وطلعوا بينيموني لحد اللي حصل.
بللت شفتيها بطرف لسانها ورمشت قليلا وهي تتحرك صوب فراشها تخرج من أسفله هاتفا محمولا واعتدلت ترمقه بنظرة متخوفة وهي تخبره:
-المستشفى هنا في ناس شغالين تبعه وانا متأكده انهم بلغوه بوجودك هنا زي ما عرفوا يدخلولي ده.
ظل صامتا فأضافت:
-هو بعت الموبايل ده مع ممرض شغال تبعه عشان كان واعدني انه هيخرجني من هنا لو ساعدته ومستني مني بس مكالمه، بس انا موافقتش ولا عرفته أي حاجه عنك يا فارس لاني بحبك ومستحيل اتسبب في اذيتك.
جلست على طرف الفراش وعادت تكمل حديثها:
-الممرض ده سلمني جواب لولاد مروان ومعاهم مفتاح وانا اديته ليزن وفضلت اسأله ايه خطة غسان أو المفتاح ده بتاع ايه؟ بس هو موافقش يعرفني حاجه وبعدها كلمت غسان من التليفون ده هو بيوصلني بيه هو بس مينفعش اكلم منه أي حد تاني.
مسحت عبراتها بطرف زيها اﻷبيض الخاص بالمشفى وأكملت:
-لما سألته ناوي على ايه قالي عايز يعرف اذا ولاد مروان هيساعدوه فعلا ولا لأ؟ سألته ع المفتاح قالي ده بتاع الشقة اللي قاعدين فيها دلوقتي ومعرفتش منه حاجه تانيه.
جلس بجوارها وسألها بضيق ولكنه رسم هدوءا مصطنعا:
-تقدري توصفي الممرض اللي شغال تبعه؟
أومأت وهي توضح:
تفتكر انه هيكون مجند ممرض واحد بس؟ غسان ده اخطر من كده بكتير، ده مش بعيد يكون مجند الخدامين اللي عندك في البيت ومحدش هيقدر يرفضله طلب لأنه ببساطه بيهددهم بأغلى حاجه عندهم والكل بيضطر ينفذ اوامره.
التفت تحتـ ـضنه وهي تضيف:
-خد بالك على نفسك أوي يا فارس ومتآمنش لحد ولا للحرس بتوعك عشان خاطري، انا لو اقدر أقدم نفسي وروحي فداك مش هتأخر والدليل محاولة انتــ,,ـــــحاري كانت عشانك.
وقف ناظرا لها بنظرة مسمطة لا روح فيها وسألها:
-يعني انا لو طلبت منك تضحي بحياتك عشاني هتعملي كده يا عاليا؟
أومأت له دون تردد فانحنى مواجها وجهها وقال بتأكيد:
-هنشوف، لأن حياتك هي الحاجه الوحيدة اللي هتخليني اسامحك على عمايلك السودا دي كلها.
حاول المغادرة فهرعت نحوه تتمسك به بلهفة وهتفت باكية:
-متسبنيش يا فارس وحياة اغلى حاجه عندك وانا مستعدة لأي حاجه بس متسبنيش.
سحب ذر اعه منها بعنــ,,ـــــف والتفت يرمقها بنظرة جامدة وتحدث بضيق:
-لما تثبتي كلامك يا عاليا، لما اتأكد انك فعلا واحدة من العيلة وبتخافي علينا زي ما بنخاف عليكي، مش انا بس.. كل العيلة يا عاليا.
وافقته بحركات من رأسه فسألها:
-أوصفيلي الممرض ده شكله ايه وبعدها ربنا يحلها في الباقي.
وصفته له بدقة فتركها وتحرك للخارج وظل يلتفت يمينا ويسارا ناظرا بوجوه كل من قابلهم بطريق خروجه حتى تقابل مع مدير المشفى الذى حاول الترحيب به ولكن فارس كان غاضبا لدرجة لم بنتبه ليده الممدودة أمامه فتنحنح قائلا:
-انا عايز عاليا تكون تحت الرقابه اكتر من كده، لأن حالتها ممكن تحاول تكرر محاولة الأنتــ,,ـــــحار تاني.
خرج ممسكا هاتفه واتصل برفيقه الجديد الذي يعلم تمام العلم انه قادرا على مساعدته بهذا الأمر فأجاب عمر على الفور:
-أيوه يا فارس باشا.
سأله بضيق:
-خلصتوا حاجه؟
رد اﻷخير:
-الرجالة شغاله وأنا وزعت فريق الحراسات زي ما طلبت مني.
سأله بإجهاد واضح على صوته:
-أنت فين دلوقتي يا عمر؟
رد يخبره:
-كنت قريب من المصنع، ربنا يعوض عليك ..الحــ,,ـــــريق مخلاش حته سليمه للأسف.
زفر فارس أنفاسه الغاضبة وقال:
-طيب انا عايز أقابلك لوحدنا في مكان آمن.
رد عمر فورا:
-الحقيقة انا مروح ع البيت دلوقتي، تنورني يا باشا في بيتي المتواضع.
لم يراجعه فأومأ قائلا:
-ابعتلي العنوان، وآه صحيح بطل تقولي باشا دي تاني.
رفع عمر حاجبه متعجبا وابتسم يقول:
-اشيل الألقاب يعني؟
ايده فارس وهو يدلف سيارته:
-أيوه، ابعت العنوان يلا.
نظر أمامه لحارسه وسائقه واعطاهم عنوان منزل عمر الذي عندما وصله تعجب قليلا، هل يسكن عمر الباشا الابن الأكبر لطه الباشا صاحب اكبر سلسلة فنادق شهيرة ببناية عادية وأقل من العادية؟
دلف المصعد وضغط على زر الطابق الذي يقطن به ووقف أمام باب المنزل، فآثر على مهاتفته بدلا من قرع جرس الباب واخبره:
-انا واقف قدام الباب يا عمر.
اغلق معه الآخر والتفت ناظرا لزو جته وأخبرها:
-فارس الفهد جه، عايزك تعمليلنا اتنين قهوه بسرعه على ما افتح له وبعدها انزلي انتي ودنيا عند مامتك.
أومأت له مبتسمة بوجـ ـهها البشوش ففتح له مرحبا به:
-يا أهلا يا أهلا، نورت يا فارس باشا.
رد بتجهم:
-ما قولنا من غير باشا بقى.
ضحك عمر وأشار له بمكان تواجد الصالون فجلسا ودخل فارس فورا بالموضوع:
-عايز اعرف ولاد مروان راحوا فين؟ انت بقى عليك المهمة دي من غير ما تعرف حد خالص.
أومأ له وسأله:
-هات أخر عنوان لمكان تواجدهم ورقم تليفونهم وانا هعرفلك راحوا فين.
فعل ما طلبه منه وبنفس توقيت خروج خديجة حاملة بيدها صنية القهوة والمقدم معها بعض الحلويات المعدة منزليا وقدمتها له وهي ترحب به:
-أهلا يا فارس باشا.
أومأ لها فسألته:
-مدام ياسمين عامله ايه؟ يا رب تكون بخير؟
رد مختصرا:
-الحمد لله.
وضعت الصينية أمامه وأشارت لطبق الحلوى قائلة:
-دوق وقولي رأيك.
عبر عمر مبتسما:
-خديجة كانت سياحه وفنادق وواخده الموضوع عن حب، هيعجبك عمايل ايديها.
ابتسم له بمجاملة ومد يده متناولا قطعة حلوى تذوقها بلذة فحمحم قائلا:
-تسلم ايدك، ياسمين برده شاطره اوي في المطبخ لما بيكون عندها وقت بتعمل احلى أكل.
تذوق رشفة من القهوة فأغلق عينه ونظر لها قائلا:
-عارفه ان مفيش حد بيعرف يعملي القهوة اللي بحبها غير ياسمين وانهارده لقيت حد كمان.
ضحك عمر وهو يتناول من طبق الحلوى قائلا بمزاح:
-خديجة شيف يا فارس باشا، أكيد لازم في مره هعزمك انت والمدام تدوقوا أكلها.
رد بمجاملة:
-وأنا في انتظار العزومه دي بفارغ الصبر.
تحركت خديجة على الفور تاركة الرجلين بمفرديهما؛ فبدأ عمر بسلسلة تحرياته لأصدقائه من اﻷمن الوطني واغلق معهم بعد فترة وهو يدون عنوان بورقة بيضاء موضحا:
-تتبعوا التليفونات بتاعتهم وده العنوان الحالي الموجودين فيه.
وقف فورا فأمسكه عمر ناطقا بتسائل:
-رايح فين؟ استنى نفكر شويه بلاش تهور.
صاح فارس بغصب اهوج:
-مفيهاش صبر خلاص، انا هروح ا….
قاطعه عمر مشيرا لهاتفه اللوحي وهو يوضح له:
-يحيى صاحبي بعتلي تسجيلات كاميرات المراقبة في الشارع اللي ساكنين فيه، خلينا بس نشوف اللي معاه.
جعد جبينه وانعقد حاجبيه بدهشة وسأله:
-كاميرات مراقبة ايه؟ فهمني!
جلسا على اﻷريكة وبدأ عمر بالتوضيح:
-المعلومات اللي عرفتها عن المنظمة دي والناس دول اكبر من مجرد عصابه تهريب، والأمن الوطني بيتابع تحركاتهم من فتره كبيره كمان وانا كنت لسه هتكلم معاك عشان نمضي معاهم بروتوكول تعاون مشترك و…
قاطعه فارس رافضا:
-أنا معنديش ثقه في حد نهائي عشان اديهم معلومات و…
عاد عمر لمقاطعته:
-يا فارس الموضوع اكبر مني ومنك، وصدقني الحل الوحيد هو التعاون مع جهاز اﻷمن لأن انا عارف الظباط اللي ماسكــ,,ـــــين الملف ده وكلهم اهل للثقه.
زفر فارس أنفاسه المحترقة، واغلق عينه يستجمع قوته الهاربة وعاد ينظر للهاتف اللوحي يتفقد محتويات تلك التسجيلات؛
فتفاجئ بذلك المشهد من رجال ملثمين يجبرون ابني مروان للدخول بسيارة سوداء رباعية الدفع ليمكثا بها بعض الوقت وبعدها يُزدا زدا للخارج ساقطين على اﻷرض ليقف يزن يساعد أخيه الصغير ليقف مستندا عليه والآخر يربت عليه، وبعدها يحتـ ـضنا وكأنهما يواسيا بعضهما فنظر عمر لفارس وتكلم بما يدور بخلده:
-أنا حاسس اننا لو قدرنا نأمن والدتهم هيبقوا معانا ومش هيكون في تهديد من ناحيتهم.
رد عليه بضيق:
-أنا عارف انهم بيساعدوه عشان خاطر مامتهم، بس الغدر منهم جه في م..
ربت عليه يؤازرة:
-اظن مكانش عندهم علم يا فارس وإلا كانوا حذروك بشكل ما.
وصلته رسالة من زميله ففتحها وقرأ ما بها وأخبر فارس:
-يحيى بيقول انهم معاهم جهاز تتبع والجهاز قادر يقراه وغالبا ولاد عمك ميعرفوش عنه حاجه.
جعد جبينه مفكرا وهو يردد:
-جهاز تتبع!
أومأ له موضحا:
-أكيد العصابه دي زرعته فيهم عشان يقدروا يعرفوا كل تحركاتهم.
فكر فارس قليلا وعاد بذاكرته لذلك المفتاح الذي ارسله غسان لتعطيه عاليا لهم فسال عمر:
-هو ممكن يكون في المفتاح؟
رد عمر مؤكدا:
-ممكن مفتاح، أو موبايل أو حتى متعلق في الهدوم مش معضله، واﻷكتر من كده إن الغالب بيكون في مايك مع جهاز التتبع يقدروا يسمعوا كل الحوارات اللي بتدور بينهم وده اللي أنا برجحه انهم عرفوا بتعاون ولاد عمك معاك عشان كده غيروا خطتهم، ويمكن بعدوهم شويه عن الأضواء عشان يستخدموهم بشكل تاني.
أومأ له فارس بتأكيد رافعا حاجبه بتفكير عميق ووقف ناظرا له بتركيز وأخبره بصيغة بدت آمرة بعض الشيئ:
-إجهز خلينا نروح لهم عشان نعرف راسنا من رجلينا.
❈-❈-❈
❈-❈-❈
التهور قد يجعل المرء يخسر المعركة ولكن التأني قد يجعلة يفوز على خصم قد يبدو أقوى واعتى، وفي تلك اللحظة بالتحديد الذكاء والتفكير العميق هو السلاح الوحيد أمام القوة المطلقة والتي قد تهدم كل ما تجده أمامها.
أصر عمر عليه بحديثه وهو يوضح الأمر بنظرة الضابط المحنك الذي كان عليه يوما:
-يا فارس اسمعني، قبل ما نتــ,,ـــــحرك لأي إتجاه لازم نكون حاسبين كل خطوة وإلا هنلاقي نفسنا وقعنا في فخ منعرفش نخرج منه أبدا.
زفر انفاسه وهو ناظرا له بفروغ صبر وهدر أخيرا:
-لو عندك خطه قولها، أنا أعصابي مش مستحمله.
أخرج عمر زفرة يأس من غضب الذي أمامه، ولكنه تفهمه ورد:
-لازم نروح جهاز الامن العام، الملف بتاع غسان والمنظمه بتاعته تحت اختصاص مكتب مكافحة الإرهاب الدولي وصحابي كلهم هناك والموضوع هيبقى سهل إن شاء الله.
أومأ له بعد أن شعر نفسه على وشك الإنفجار ووقف يهندم بدلته قائلا:
-طيب يلا بينا، أنا مش هقدر استنى أكتر من كده.
ضحك عمر وهو يتحرك معه ناظرا بساعته فقد تاخر الوقت عن مواعيد الدوام وقال مازحا:
-احنا نروح نعمل عليهم كبسه ونجيبهم من بيوتهم.
نظرات فارس جعلته يمسك هاتفه ويتحدث بجدية:




