روايات

الفصل الخامس من رواية طمس الهويه بقلم اسماء المصرى

الفصل الخامس طمس الهويه

لمحه فارس يقف بمقربة منهم مبتسم؛ فرفع حاجبه ناظرا له بجمود والآخر تتسع ابتسامته كلما اقترب من الجمع المحيط بفارس حتى أصبح امامهم، فاندهش الجميع لرؤيته واقفا امامهم هكذا والابتسامة تلعو ثغرة بتشفي واضح وتحدث بصوت عال وواضح: -اخيرا شوفتك مزلول يا فارس بيه. تعجب يزن من هذا الشخص الذي يبدو وكأنه يعرفهم جميعا حق المعرفة، ويبدو عليه التشفي بأبهى صوره فانحنى يسأل مازن: -مين ده؟ وقبل ان يجيبه كان صوت فارس الحاد يهدر به:

-أمشي من هنا أحسنلك يا مالك متخلنيش افقد أعصابي عليك. ضحك بسخرية فما كان إلا ان اقتربت نرمين منه ورمقته بنظرات متقززة وهي تهتف: -انت ايه اللي جايبك؟ ما تبعد عني بقى. أطرق بصره تجاهها وهو يخبرها من بين اسنانه المطبقة: -أنا مش جاي مخصوص يا نرمين، بلاش تاخدي في نفسك قلم اوي كده. صرخ محمود متسائلا: -أومال ايه اللي جايبك هنا؟ تكونش اتنقلت واحنا منعرفش! اقترب أكثر وأكثر من محمود الواقف بجوار ابنته وهمس له بصوت مسموع:

-لأ، بس جاي اشوفكم وانتوا قلقانين ع الباشا اللي كان السبب في خراب بيتي و… قاطعته نرمين: -فارس مش السبب يا مالك، دياثتك هي السبب…. وقبل ان تكمل حديثها كان هو يرفع يده عاليا مستعدا لصفعها، فما كان إلا أن منعه يزن بإمساكه لذراعه المرفوع وقبض عليه بقبضة قوية ورمقه بنظرة غاضبة وهو يحذره: -إياك. ضحك عاليا وهو ينفض يد يزن قائلا: -وده مين ده كمان؟ صيده جديدة يا نرمين من عيلة الفهد؟

لم يستطع احد إسكاته وهو يكمل: -مكفاكيش مازن وبعده انا، ده الصيد الجديد؟ حاولت أن تمنعه من الخوض بشرفها، ولكن كان كل من مازن وفارس سابقين بالانقضاض عليه مما دفع العساكر وأمناء الشرطة وحتى الضباط من التدخل لمنع ذلك الشجار خصوصا بعد أن وجدوا ذلك الرجل المعروف يتشاجر مع زميل لهم يعرفه البعض. سحبه احد الضاط بعيدا وهو يسأله بحيرة: -انت ايه اللي جابك هنا يا مالك؟ دفعه بعيدا ونظر له بغل هاتفا:

-سيبني يا عمرو خليني اربيه. صرخ فارس وهو يصر على اسنانه: -تربي مين يا حته برص متسواش… أمسكته ياسمين توقفه عن سبه بداخل القسم وأمام الكثير من الشهود وهمست له: -بلاش يا فارس تخليه يخرجك عن شعورك. تحرك محفوظ صوب الضاببط وهو يتكلم بعمليه: -يا فندم الاستاذ ده اتهجم على موكلي وعيلته، وانا عايز اعمل فيه محضر سب وقذف كمان. صرخ مالك بشراسة: -أنا ظابط يا شوية *** مش استاذ ولا بيه بتحامى في فلوسه، والله لهوريكم.

سبته كانت وقحة لدرجة جعلت من زميله يشعر انه قد تخطى الحد الاحمر فسحبه بعيدا وهو يحاول تهدأته: -بطل جنان بقى وتعالى معايا. ابتعد عنهم فهمس له صديقه: -أنت جاي مخصوص عشان تعمل العمايل دي؟ لو سيادة اللوا عرف بتصرفك ده ممكن يبعت لرئيسك المباشر وسعاتها ملفك هيبقى فيه نقطه سودا وممكن جدا تتأخر ترقيتك، أعقل وبلاش جنان. رد من بين اصطكاك اسنانه: -انتوا مش كنتوا واقفين؟ يعني معايا شهود و..

قاطعه رفيقه: -يا بني وجودك هنا في حد ذاته معناه انك جاي متعمد واغلبنا عارفين النسب اللي كان بينك وبين فارس الفهد ف… قاطعه ممتعضا: -انا مكانش فيه بيني وبينه نسب أناااا.. عاد عمرو لمقاطعته: -بلاش غباء بقى، احنا حتى لو ظباط فمش أد الناس دي ولا أد نفوذهم، انت عايز تصحى الصبح تلاقي نفسك اتنقلت السلوم! ❈-❈-❈ بنفس الوقت انهارت نرمين باكية فما كان من ياسمين إلا ان احتضنتها تربت عليها وهي تتمتم:

-يا ريتك ما جيتي، مكنتيش هتشوفي قلة الادب دي. مسحت على ظهرها تواسيها: -معلش يا نرمو، ده إنسان واطي. لم يفهم ذلك الواقف ما يدور، ولكنه أيقن بوجود خطب ما جمع بين ابن عمه كبير العائلة وبين هذا الحقير الذي وقف يتطاول عليهم بشكل لم يتقبله عقله. اقترب احد العساكر بعد ان هدأت النوبة الغاضبة لذلك الفهد وتكلم بصوت عال: -يا بيه، احنا لازم نتحرك للنيابة دلوقتي. أومأ له وتحرك معه وتبعه الجميع بمن فيهم يزن الذي سحب عمه للخلف قليلا وتسائل بهمس:

-هو ايه اللي بيحصل ده؟ مين الحشرة ده؟ اجابه وهو يزفر بضيق: -طليق نرمين. لمعت عينه بالدهشة وتكلم بغير وعي: -هي متجوزة؟ ضحك مراد وهو يعيد عليه حديثه: -يا بني بقولك طليقها، يعني مطلقة مش متجوزة. أومأ وهو يعقب موضحا: -لأ انا بس اتفاجئت انها كانت متجوزة، اصل شكلها صغير اوي. رد وهو يتبع فارس وجمع المحامين والعائلة: -ما هي توأم شيرين مرات ساجد ابني، بس حظها مكانش حلو لانها اتسرعت بعد ما سابت مازن فراحت اختارت الحيوان ده.

فضوله قاده لسؤاله الغير مراع: -وهي سابت مازن ليه من الاساس وجد التعجب ظاهرا على وجه عمه فتدراك خطأه واكمل: -ومن أمتى هو وجنى ببينهم حاجه؟ انا استغربت اوي لما لقيتهم اتجوزوا. تنهد وهو يوضح: -دي قصه طويلة اوي يا بني بس بالمختصر كده مازن طلع بيحب جنى من زمان وكان خايف من فرق السن ومن رفض فارس، ولما اتعرف اللي بينهم فارس هاج شويه وبعدها سكت.

ابتسم وهو يستمع لعمه يقص عليه احداث ربما لم يعاصرها قط وكم ود لو كان جزءا من تلك العائلة بكل مشاكلها الشائكة، لربما لم يكن يشعر بالوحدة التي دائما ما شعر بها وهو وشقيقه. اكمل مراد حديثه: -ونرمين اصلا كانت شيفاه لعبي وبتاع بنات وهي بنت جد اوي ومش شبه لا شيرين ولا حتى ياسمين ففعلا مكانوش هينفعوا لبعض، ده غير أنها طلعت عينه على ما وافقت عليه، جت بعدها وعرفت العط بتاعه فسابته.

عقب يزن مستحسنا تصرفها: -والله جدعه، أصل اللعبي مبيتعدلش بعد الجواز وبيفضل… قاطعه مراد ضاحكا: -لا يا اخويا تعالى شوفه دلوقتي ماشي زي الالف. ضحك يزن وهو يؤكد: -ده بس عشان ناسب الفهد بتاعنا انما لو كان ناسبب اي عيلة تانية كانوا هيتعبوا معاه اوي، ده احنا كانت بتوصل لنا اخبار عطاته لحد اوروبا. ضحكا سويا ومراد يعلم تماما ان حال بكريه كان حدث ولا حرج. ❈-❈-❈ جلس أمام رئيس النيابة واضعا قدمه على الأخرى غير مهتم بمكانة من حوله وجلس امامه محاميه الذي بدأ التحدث فور ان جلسا:

-محفوظ شوقي المحامي حاضر مع فارس باشا. ابتسم رئيس النيابة بمودة وهو يأخذ منه الكارت الشخصي الخاص به: -غني التعريف يا متر، انت محامي اشهر شخصية عامه في البلد. شعر فارس وفورا باطراءه الواضح فعلم ان الأمور أصبحت قيد السيطرة كما اتفق مع محامي خصومه؛ فتنهد بارتياح منتظرا الدباجة المعلومة للتحقيق، وما إن تمت سأله الوكيل: -قولي يا استاذ فارس، حضرتك قولت في التحقيقات انك كنت عندها بعد ما بلغوك انها توقفت عن الكلام لاكتر من 10 ايام مظبوط؟

اومأ مجيبا: أيوه. هز الوكيل رأسه ونظر للأوراق وعاد يسأله: -بالنسبة للقلم اللي محطوط كأداة جريمة، حضرتك مش عارفه ان عندها ميول انتـ,ـحاريه؟ ازاي تدخل عندها بآلة حادة بالشكل ده وانت عارف كويس انه خطر خصوصا بعد فحص كل محتويات اوضتها ولقينها ان كل مقتنياتها كانت من البلاستيك عشان متأذيش نفسها. رد وهو يزفر بضيق: -يمكن مجاش في بالي أنها تعرف تاخده من غير ما أحس، وكمان مين ممكن ييجي في دماغه انه يمـ,ـوت نفسه بسن قلم حبر؟

أجابه الوكيل: -شخص عايز يوصل للنهاية بأي شكل فهيحاول بأي طريقه حتى لو مش منطقيه من وجة نظرك. رد على الفور بحدة: -ولما هو كده، انا متهم بإيه بالظبط؟ رد الوكيل دون مماطلة: -والله تقرير الطبيب الشرعي ومعاه خبير الخطوط بتنفي اي تورط لحضرتك في عملية الانتـ,ـحار، ومعاها كمان تفريغ الكاميرات بتاعة اوضتها واللي كان واضح جدا فيها وهي بتسـ,ـرق القلم منك، بعد ما خرجت قعدت تكتب الجواب فكل ده بيبعد عن حضرتك اي تهمة يا فارس باشا.

ابتسم باقتضاب وانتظر المحامي يقول ما لديه: -أظن مفيش ادني داعي للتحقيق مع موكلي؟ رد وهو يومئ برأسه: -مجرد أقوال بسيطه هو وأغلب الناس اللي تعاملوا معاها عشان نقفل القضية على انها انتـ,ـحار واضح جدا. صمت فارس والوكيل يلتفت للكاتب ويهتف: -يفرج عن المدعو فارس ماهر الفهد بدون ضمانات لعدم وجود ادلة جنائية. انتهى النتحقيق وتم الافراج عنه؛ فخرج مبتسما فهرعت ياسمين نحوه تسأله بلهفة: -ايه يا حبيبي؟ اجاب عنه محاميه:

-افراج لعدم وجود جريمة أصلا. اتسعت بسمتها واحتضنته بقوة فانحنى هو بطوله حتى تصل لعنقه وربت على ظهرها وخرج برفقة عائلتة ولم يتفاجئ من الحشد الصحفي المحيط بالوابة، ولكنه لم يهتم لأي منهم واحتضن زوجته وتحرك وسط الأسئلة المنهالة على كليهما، وفور ان ساعده رجاله بالخروج من بين الحشد بعد ان فرقوهم قليلا التفوا جميعا حول مازن الذي رفع يده عاليا وقال بصوت عال: -تمام يا جماعة بخصوص الاتهام وكل اللي حصل ده فأحنا هنعمل مؤتمر صحفي نوضح فيه كل ملابسات الموضوع بس ادونا فرصة نرتاح ونحضر عزا بنت عمتنا.

تركهم وتبع باقي العائلة؛ فوجد فارس وقد جلس بالمقعد الخلفي لسيارته وياسمين تحتضنه وتسند رأسها على صدره وهو يحيط جسدها بذراعه فابتسم وتوجه لسيارته وقادها صوب فيلا فارس التفت زين لرب عمله وهتف بفرحة: -حمد الله على سلامتك يا باشا. ردد سائقه نفس الحديث فرد عليهما: -الله يسلمكم يا رجاله. وصلوا لفيلا فارس وكانت حنان الأسبق باستقباله وهي تهتف بفرحة حقيقة: الف حمدالله على سلامتك يا بني. انحنى مقبلا رأسها وهو يجيبها:

-الله يسلمك يا داده. نظر امامه لوالدته التي تنظر له بتيه وشرود وحدقيتها تغطيها العبرات، واقتربت منه فجأة دون سابق انذار واضعة لراحيتها على لحيته تكوب وجهه وهي تسأله بصوت متحشرج: -انت كويس؟ حاول المناص من لمساتها ولكن رقة اناملها على وجهه في سابقة لم تحدث له من قبل جعلته يتجمد مكانه ولم يتحدث سوى بايجابة موجزة: -الحمد لله. سلم على والدة يزن وآسر وضيفتهما التي ابتسمت له وهي تقول:

-الف الحمد الله ع سلامتك. أجابها وهو يجلس بتعب على الأريكة: -الله يسلمكم يا جماعة بجد متشكر على اهتمامكم. صدح صوت زغرودة هدى العالية وهي تصرخ مهللة: -الحدم لله انه فك سجنك ونصفك ع المزغودة عاليا دي.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى