
التفت لها الجميع متفاجئين من اسلوبها المنفر والسوقي؛ فشعرت شيرين بالحرج على الفور واقتربت منها تمسك ذراعها وهي تهمس لها: -يا ماما حرام عليكي. ظل فارس يرمقها بنظرات حادة وهو يقضم أسفل شفتيه فشعر مازن بتوأم روحه فاقترب منه وتكلم مازحا: -السجن للجدعان يا بوص، والحمد لله انه فك سجنك، بس بقولك ايه ما تطلع تاخدلك شاور كده بدل البراغيت بتاعة التخشيبة ما تغزو الفيلا. ضحك فارس رغما عنه وهو يدفعه بصدره وشاطره الجميع الضحك فانحنت لاميتا تهمس بأذن آسر:
-كتير مهضوم مازن. شعر بالغيرة تندلع بصدره فأكد عليها بحدة: -آه بس ده متجوز. رفعت حاجبها متعجبة وهي تسأله: -وشو دخلني إذا متزوج، انا عم قول انه خفيف دم متلكم، متل كل المصريين. ابتسم لها وهو يصر على اسنانه هامسا: -متعرفيش عن الراجل المصري حاجه تانيه غير خفة الدم؟ قوست حاجبيها وهر تراه يكاد يشتعل حرفيا فعاد لهمسه: -الراجل المصري غيووور جدا على اللي يخصه ومش بيسمح للبنت اللي بيحبها انها تمدح راجل غيره.
رددت حديثه بحيرة: -البنت ياللي بيحبها! انت… صمتت وهي تنظر له فرأت لمعة عينيه وهو يقول: -هو مش واضح ولا ايه؟ خللت اصابعها بشعرها بحرج وهي تنظر للأرض؛ فاقترب منها يسألها بمشاكسه: -هو انا محتاج اسمع ردك عن اللي قلته ولا السكوت علامة الرضا؟ اجتاحت حمرة الخجل وجهها فابتسم بسعادة وهو يؤكد: -يبقى السكوت علامة الرضا، على بركة الله. بنفس الوقت أومأ فارس بتعب وهو يرد على رفيق دربه: -والله فعلا محتاج اتنقع في البانيو 3 ايام.
نظر للجميع وتكلم باعتذار: -معلش يا جماعه مضطر اسيبكم شويه ونازل تاني هآخد شاور بس واغير هدومي، البيت بيتكم طبعا. تحرك صاعدا لأعلى؛ ولكنه رمق زوجته بنظراته الوالهة فتبعته وقبل ان يختفي عن انظارهم التفت وسأل مازن بصوت مرتفع نسبيا: -مازن، هم هيسلمونا عاليا امتى عشان الدفـ,ـن؟ اجابه فورا: -انهاردة، متشغلش بالك أنت انا هتصرف في كل حاجه و… نزل درجتين حتى يكن في مقابلته وهتف بتأكيد: -لو فارس الفهد اختفى عن مشهد دفـ,ـن وعزا عاليا فساعتها قفل التحقيق مش هيكون كافي ابدا لبرائتي، انا لازم احضر كل حاجه بنفسي يا مازن، فاااهم؟
أومأ له دون تعقيب؛ فتركه وتوجه لاعلى برفقة زوجته التي همت بسرعة لدخول المرحاض وتجهيزه له وخرجت فوجدته لا يزال جالسا على الفراش كما هو مطرقا رأسه؛ فاقتربت منه وجلست على فخذية تداعب شعره وهي تسألة برقة: -زعلان ليه؟ الحمد لله المشاكل اتحلت و… قاطعها وهو يقول بأسى: -انا عارف إن السيرة دي بتجيب بينا مشاكل، بس حقيقي مش قادر اتخطى مـ,ـوتها بالرغم من كل المصايب اللي هي عملتها. تنهد بضيق سألها:
-تفتكري لو كنت اتصرفت معاها بشكل تاني من وقت المشكلة الأولانيه كانت اتغيرت للأحسن، لو كنت وقفت معاها زي ما وقفت مع جنى لما غلطت بدل ما اعمل اللي عملته… قاطعته توضح: -أنت اتصرفت صح، في الحالتين اتصرفت صح، وقت عاليا سترت عليها وجوزتها ومش معنى ان زين طلقها تاني يوم ان ده غلطك، هي كان ممكن تقوله خلينا مع بعض شويه ويمكن كان زمانهم لسه متجوزين زي مازن وجنى
تضايق من تفسيرها وهو يقول: -غلط، كلامك مش مظبوط يا ياسمين، انا اتصرفت غلط في المرتين، وقت عاليا قسيت عليها جامد جدا وهي وقتها كانت أد جنى، يعني السن ده نفسه الغلط فيه وارد، بس انا مسامحتش وبعدها نفيتها لأمريكا عشان اخلص منها ومن مطاردتها ليا. اطنب بحديثه وهو يشعر بالضيق يتغلغل بداخله: -وغلطت وقت جنى عشان دلعت زياده عن اللزوم خوف من تكرار تجربة عاليا خصوصا بعد ما ابوها دخل السجن، والنتيجه كانت انها بقت حد تاني، انسانه متمردة ومتنمرة ومش عاجبها حد وانفاعلاتها بقت مش محسوبه واسلوبها…
قاطعته واضعة راحتها على فمه وهي تصحح له: -لا طبعا، جنى جميلة وكيوت وروحها خفيفة ودلعك ليها هو العوض اللي نفسها فيه من اهمال مامتها لها، وده انا لاحظته حتى قبل ما مدحت بيه يدخل السجن، بس انت ناسي انها حامل وهرمونات الحمل ياما بتعمل وكويس انها جايه على اد كده ولا نسيت انا كنت بعمل فيك وفي اللي حواليا ايه وقت الحمل؟ ابتسم لذكرى حملها فقبلها قبلة رقيقة تعمقت هي بها حتى اخرجته من تحكمه بنفسه فاستدار بجسده ليعتليها بعد ان اراحها على الفراش وبدأ يعزز من لمساته على جسدها الذي يتوق له ولكنها اوقفته تهمس:
-أهلنا تحت وكده هنتاخر عليهم. انحنى يقضم عرقها النابض فأخرجت اهة عفوية وهمس بدوره: -يستنوا ~~~~ ظلت جالسة بمنأى عن الجميع تتصفح هاتفها وعينيه لم تشح عنها مركزا في حركاتها البسيطة التي تصدر عن جسدها، وبالطبع لم تغفل تلك الجالسة أمامه عن مطاردة أنظارة لابنتها؛ فاتسعت بسمتها وهي تمني نفسها بنسب آخر لتلك العالة التي تراها خير نسب من أجل أموالهم. أما هي فكانت لا تشعر بمن حولها ولا تفكر سوى بحديثه المهين الذي ألقاه على مسامع الجميع وإهانته لها ولعائلتها بهذا الشكل؛ فتصنعت الإنشغال بهاتفها ولكن بداخلها كانت تتقد نارا بسبب تلك الأحداث.
اقتربت توأمها منها تهمس لها بضيق: -ساجد حكالي على عمايل الزفت مالك، متزعليش نفسك يا نرمو والله ربنا هيجيبلك حقك منه. تركت هاتفها ورمقتها بنظرة حزينة فهمتها الأخرى على الفور وهمست بدورها: -حاسه اني همـ,ـوت من القهر يا شيري، ده خاض في عرضي الحيوان الديوث، وكان عايز يمد ايده عليا تخيلي! خانتها عبراتها فنزلت على وجنتها؛ فلاحظها ذلك المراقب لها والذي لم ينتبه لابن عمه وهو يحدثه: -انتو هتباتوا فين؟
لم يجيبه وظل مركزا بصره عليها فلاحظ مازن شروده بها فدفعه براحته دفعة بسيطة: -يا بني بكلمك. انتبه يزن اخيرا والتفت له منتظرا أن يردد عليه ما قاله ففعل: -بقولك هتباتوا فين؟ أجابه دون تفكير: -في أي فندق مش قضية يعني. رفض مازن فورا وهو يوضح: -لأ طبعا مينفعش، اختار يا تيجوا عندي يا عند بابا. ركز بصره ناحيته وكأنه يفكر بعرضه وقال بالنهاية: -لاميتا ممكن تتحرج وفي نفس الوقت مش هينفع نسيبها لوحدها وانت شايف سي آسر لازق لها إزاي!
ضحك بنهاية حديثه فرد مازن باسلوب اعتراضي: -آه واخد بالي، وواخد بالي من تركيزك مع نرمين برده. تجهم وجهه وهو ينظر له متعجبا مما ألقاه عليه حالا وحاول الدفاع عن نفسه وهو يقول: -أنت فهمت ايه؟ لا خالص مش اللي في بالك. ابتسم مازن بسخرية وسأله: -أومال ايه؟ رد بضيق: -يمكن أكون مستغرب اللي حصل في القسم، وعندي فضول أع… قاطعه مازن وهو يقول: -بلاش الفضول اللي ممكن يوقعنا في بعض يا يزن.
لم يفهم ما يرنو إليه فازداد انعقاد جبينه وهو يسأله: -يوقعنا في بعض! ليه يعني؟ رد وهو ينطق بصوت حاد وغاضب: -عشان دي كانت خطيبتي ومينفعش. زفر يزن زفرة قوية وهو يرد: -بغض النظر عن إن الموضوع مش كده، وحتى لو زي ما انت فاكر فهو برده مفيهوش حاجه ده ساعات الأخ بيتجوز مرات أخوه. إحتدت نظرات مازن تجاهه وهو يعقب عليه: -آه زي عمك مدحت كده، ويا ترى شايفها تجربه ناجحه للعيلة؟
عاد يزن يكمل حديثه: -يا بني انا بقولك إن مفيش اللي في دماغك، بس يعني حتى لو في، ما أنت متجوز وهي اتجوزت ومع ذلك عادي أهي قاعده وسطكم ومفيش حساسيات. ابتسم مازن بسمة مقتضبة وهو يعقب: -انت متعرفش حاجه، أنا نبهتك وخلاص عشان بس تبقى عارف الخطوط الحمرا يا يزن. تنهد بضيق مطرقا رأسه وصمت فما كان من مازن إلا أن وقف ناظرا أمامه للجميع وهتف بصوت مسموع: -ما تيجوا نروح يا جماعه ونسيبه يرتاح ونبقى نتكلم معاه بكره بعد الدفـ,ـن.
وافقه مراد وهو يهم بالوقوف: -معاك حق يا بني والله، اكيد منامش من امبارح. وقف الجميع تباعا فنظر مراد لابني أخيه الراحل وهتف: -تعالوا باتوا عندي احسن عشان الحراسه، وكده كده لازم نشوف لكم مكان قريب مننا بعد المشكلة دي ما تتحل. لم يعترض احد فتحركوا جميعا للخارج تاركين كل من فارس وياسمين بالأعلى كما هما. ❈-❈-❈ ارتمى بجسده بجوارها والعرق قد غزا جبينه وجسده كاملا وتنفس عاليا وسحب الغطاء على كليهما؛ فهمست ياسمين بصوت متحشرج من إثر نشوتها وإجهادها الواضح:
-حبيبي اهلنا تحت مش هينفع ننام. سحب نفسا عميقا وطرده بتمهل وقبّل اعلى رأسها وهو يقول: -انا عارف انك بتحبي تريحي شويه فنامي انتي وانا هاخد شاور وانزلهم. رفضت وهي تتحرك معه صوب المرحاض استعدادا للإغتسال: -مش هينفع يا فارس، أهلي وأهلك تحت وميعاد الغدا قرب، ميصحش. ابتسم لها وسحبها معه للداخل وفتح الصنبور وبدءا بالاغتسال، لحظات وارتدى كل منهما ملابسه وتوجها لأسفل ولكنهما تفاجئا بحنان تجلس بمفردها بالبهو فسألها فارس:
-ايه ده! هي الناس راحت فين؟ أجابت وهي تهم بالوقوف؛ فهرع هو ناحيتها ليسندها: -مازن قالهم يسيبوك ترتاح وبكره يقابلوك في العزا بتاع عاليا الله يرحمها. ابتسم بقرارة نفسه فرفيق دربه هو اكثر من يفهمه ويعلم ما يدور بداخله فالتفت لياسمين وسألها: -ايه رأيك نتغدى وبعدها نطلع ننام للصبح، احسن جعان نوم أوي. أومأت ومسحت بيدها على وجهه وهي ترد: -حاضر يا حبيبي، اقعد مع داده على ما اشوفهم في المطبخ.
فعل أمرها المحبب إلى قلبه فهمست حنان بصوت مسموع له وحده: -ربنا يهيديكي يا بنتي وتفضلي عاقلة كده على طول. ابتسم لها وقبل يدها وهو متفاجئ: -ليه يا داده هي ياسمين مجنونه؟ أجابته بتوضيح: -لا يا بني مش قصدي، بس عصبيتها بتغلب عليها في اوقات كتير، وخوفت تعمل زي وقت سكرتيرتك كارما ما مـ,ـاتت ولا تسيب البيت زي وقت ما عاليا انتـ,ـحرت، خصوصا إن قبلها بمفيش كنتوا متخانقين بسبب نفس الموضوع.
استند بظهره على الأريكة ووضح لها: -ياسمين بتحبني يا داده، وتصرفاتها أنا مش بزعل منها عشان عارف انها غيرة مش أكتر، وموضوع عاليا كان بوخ اوي فعلا وأنا جيت عليها كتير في الحكاية دي. تنهد بألم وهو يضيف: -أنا كان نفسي اعرف أحافظ على عاليا بس فشلت و… قاطعته تربت على ظهره: -يا بني انت عملت اللي عليك وزياده، محدش بيعمل اللي انت بتعمله ده، ده أنت فاتح بيتك لكل الناس ومش بتتأخر على حد ويا حبيبي مبتلحقش ترتاح.
قبل راحتها وهو ينحنى بجسده قاصدا وضع رأسه على فخذها فربتت على رأسه وداعبت شعره وهو يقول بتعب: -ربنا يخليكي ليا يا داده. ❈-❈-❈ قاد سيارته لمسكنه وظل ينظر للمرآة لابنته التي لم تكف عن البكاء الصامت دون أن تعى والدتها لحالتها؛ فحاول فتح أي حديث من شأنه إزالة التوتر عنها فسأل بصوت مسموع: -شوفتوا مامة فارس عملت ايه انهارده؟ انا استغربتها أوي أول مره أشوفها حنينه معاه بالشكل ده!
ردت هدى فورا: -مش ابنها يا محمود، هو في أم تكره ابنها، أهو زي ما بيقولوا ادعى على ابني وأكره اللي يقول آمين. ضحك ونظر بالمرآة لابنته وسألها: -وأنتي رأيك ايه يا نرمو؟ رفعت رأسها بشرود: -هه، حضرتك بتكلمني يا بابا؟ أومأ وهو يقول: -أيوه يا بنتي، سبيها على الله يا نرمين. ردت بصوت متحشرج: -ونعم بالله يا بابا.
وصلوا منزلهم فهرعت هي صوب الدرج لتأخر والدها باسناد والده؛ فاستغلت الفرصة ودخلت غرفتها على الفور وأغلقت بابها عليها وتركت أخيراً عبراتها تنهمر دون قيد أو شرط، وظلت على هذا الحال حتى طرق جدها الباب فاضطرت لفتحه بعد أن جففت دموعها، ولكنها لم تستطع إخفاء احتقان حدقتيها فجلس الجد بجوارها مربتا على ظهرها وهو يقول: -معاكي حق تزعلي بعد اللي عمله مالك يا بنتي، ومش هقولك متفكريش ومتضايقيش لأن عارف انك مش هتقدري وكلامنها يمكن يضايقك اكتر.
استند على عصاه وهو يضيف: -انا خلاص رجل في الدنيا ورجل في الآخره و… قاطعته بلهفة: -بعد الشر عليك يا جدو. ابتسم وقبل وجنتها واكمل: -المـ,ـوت علينا حق، بس انا عايز قبل ما أمـ,ـوت أكون مطمن إن نرمين بتاعة زمان رجعت وأقوى من الأول، لأن طول ما انا شايفك مكسورة كده مش هطمن عليكي وهيفضل بالي مشغول بيكي. استندت برأسها على كتفه وتمتمت بضيق: -وأنا مش هرتاح إلا لما آخد حقي منه ومن أخوه ومن أهله كلهم يا جدو.
بكت مجددا ورغما عنها وهي تقول: -انا ليه حصل معايا كده؟ أنا مغلطتش وفكرت نفسي اخترت صح وحاولت على قد ما أقدر أنسى الماضي وأعيش في الحاضر وكنت امينه عليه وعلى بيته وأسراره بس هو.. صمتت لتبكي وتستنشق ماء أنفها فاكمل عنها الجد: -بس هو ميستاهلكيش لأنه لو كان يستاهل مكانش عمل اللي عمله.


