
صعد ثلاثتهم الدرج للطابق المخصص لمكتبه فرآهم كل من بالشركه وقد أصبح الجميع يعلم بحالتها ورهابها من الأماكن المغلقة؛ فبدأت الهمهمات عن كم هي محظوظة بزواجها منه بعد تغيره الذي طرأ عليه ولاحظه الجميع وبالأخص موظفيه الذين كانوا ينالون النصيب الأكبر من حدته. -كنا بنقول هيتسلى بيها كام شهر ويسيبها راح متجوزها، وقولنا اتجوزها عشان معرفش يطولها غير بالحلال وشوية ويطلقها. عقبت أخرى: -بعد ما خلفت منه اتنين واتغير بالشكل ده عشانها! مظنش فارس باشا كان بيتسلى.
دلف مكتبه وتبعه حارسه وتخلفت ياسمين للجلوس برفقة مساعدته حتى تطلع على بعض الأمور الخاصة باجتماع اليوم. جلس على مقعده الجلدي ولم يكن من الصعب على زين التنبؤ بماهية الحديث القادم من رب عمله؛ فوقف مترقبا لما هو آت فاستهل فارس حديثه بصوته الجاد: -اقعد يا زين.
جلس أمامه وهو منتظرا أن يتحقق حلمه ويتفرغ له رب عمله ولو قليلا من أجل إتمام مشروع زواجه بعد أن مر بالكثير من الأمور التي شغلته عن إتمام تلك الزيجة مما أدى لنشوب خلافات بينه وبين من أحبها، جلس متذكرا آخر مقابلة تمت بينهما عندما تقابل معها بعد إلقاء القبــ,,ـــــض على رب عمله ووقتها لم تهتم هي كثيرا بما حدث وهدرت به عندما أخبرها بضرورة تأجيل زيجتهما للمرة التي لا يعلم عددها:
-أنت أكيد بتهزر، اسمع بقى يا زين لأن شكلك كده بتتسلى وانا خلاص مش هكمل الموضوع ده. رفع حاجبه مستنكرا حديثها: -بتسلى! أنا بتسلى يا دعاء؟ سألته بحدة رهيبة: -اومال تسمي اللي بيحصل ده ايه؟ انا مالي ومال فارس اللي مشاكله مبتخلصش ده، وهو لو انسان كويس مكانش بقا ده حاله وانت كمان رابط جوازنا بيه. زفر ممتعضا من حديثها وحاول الرد عليها، ولكن رنين هاتفها قاطعه قبل أن يتحدث فأجابت والدها الذي سألها:
-أنتي فين؟ أجابته بعدم اكتراث: -مع زين يا بابا، بنهي معاه القصه دي كلها. لمعت عينه وهو يستمع لحديثها؛ فسحب منها الهاتف وتكلم باحترام: -أنا آسف يا أستاذ احمد بجد على اللي حصل. سأله أحمد وهو ينظر لذلك الجالس أمامه: -أنت مشكلتك انك مش واضح يا زين، ولولا إن بنتي عيزاك انا كنت رفضت الجوازه دي من الاول. ابتلع زين ريقه بتباطئ وهو يستمع للطرف الآخر: -هو فارس حبسوه ليه؟
أجاب زاما شفتيه بالضيق: -متهمينه ب. عاليا هانم مع انها انتــ,,ـــــحرت. تنهد احمد وهو يخبره: -لو قاعدين قريب هات دعاء وتعالى البيت نكمل كلامنا. وافقه ووقف يدفع حساب المقهى وتحرك معها صوب منزلها وفور دخولهما تفاجئ بشادي يقف أمامهما مبتسما وفاردا ذراعيه؛ فهرعت دعاء تحتضنه باشتياق وهي تصرخ: -شااااددي، أنت جيت امتى؟ ربت على ظهرها مبتسما ورد: -لسه من ساعتين، وحشتيني أوي يا دودو. ابتعدت عن حــ,,ـــــضنه؛ فرمق زين بنظرة جامدة ومد راحته يصافحه:
-ازيك يا زين؟ بادله المصافحة بتوجس وجلس منتظرا أن يفتح والدها الحديث والذي تكلم بشكل مباشر: -بص يا بني، احنا كلنا عارفين إن فارس وشادي اعداء مش مجرد اتنين حبوا نفس البنت، وبالرغم من وجودي دايما في تجمعات العيلة بس عارف إن في شرخ كبير حاصل ومش هيتداوى بسهوله، مش زي باقي العيلة اللي نسوا بسرعة هو عمل فيهم ايه عشان يتجوز ياسمين. ظل زين يستمع له وهو يكمل:
-وكلنا عارفين برده انك الراجل بتاعه وولائك له اكبر من أي حاجه في الدنيا ولو اتحطيت في اختيار ودعاء بنتي في كفه وفارس في الكفه التانية فأنا مش حابب أقولك كفة مين اللي هتربح، أظن كلامي صحيح؟ صمت ولم يعقب فتبادل أحمد الحديث مع ابنه الذي نطق أخيرا: -انا كل ده ميهمنيش وكل اللي يهمني هو سعادة اختي الوحيده ولو هي بتحبه يا بابا فأنا هحط أعصابي في تلاجه واستحمل عشان خاطرها، بس يكون هو عارف قيمتها ويحافظ عليها.
التفت ينظر له بمغذى وهو يضيف: -والعداء اللي بيني وبين فارس الفهد انت بعيد عنه لاني مش حاطك طرف بالرغم من انك كنت الايد اللي بتنفذ أوامره، بس أنا عاقل وفاهم انك بتنفذ الاوامر عشان ده شغلك وأكل عيشك، لكن لو هتيجي على اختي فهو ده اللي مش هقبل بيه. ظل زين يذدرد ريقه وهو يستمع لهما يتحدثان بالتناوب عندما عقب أحمد على حديث نجله:
-وبالرغم من كل ده ولسه يا بني لا قادر تاخد قرار ولو شوفنالك اهل جم يتعرفوا علينا ونتعرف عليهم، طيب فارس وبيخرج من مشكله يدخل في غيرها فهل من المنطقي اننا نفضل مستنيين لما مشاكله كلها تتحل؟ طيب على الاقل اهلك ييجوا ونقرا فاتحه عشان خروجك مع بنتي ميبقاش كده من غير ارتباط رسمي. رد أخيراً عندما تركوا له المجال بالرد: -أنا يتيم من وأنا عندي 10 سنين ودعاء عارفه كده، ومليش غير اتنين عمامي وعلاقتي بيهم تكاد تكون معدومه، ففعلا انا مليش حد غير فارس باشا و….
قاطعه أحمد بضيق: -طيب الحل ايه؟ نستنى ولا نفضها يا بني؟ أطرق رأسه متخاذلا وهو يرد: -أنا عايزاها يا عمي، بس مقدرش اتخطى فارس باشا مش عشان هو مديري وبس، لأ .. وعشان فضله وجمايله عليا اكتر من اني أعدها. رمقه شادي بنظرة كارهة واقترب منه جالسا بجواره وهمس له بصوت لم يستمع له سواه: -متنساش حقي انا اللي عندك لأن لحد دلوقتي منستش انت عملت فيا ايه وايدك لسه معمله على جسمي.
لمعت عين زين وهو مضطر للتغاضي عن حديثه وتهديده فقط لأجلها هي، واستمع له يهمس مستطردا: -بس عشان قلبي يصفا من ناحيتك مش هضــ,,ـــــربك باللكميات ولا بالجنازير الحديد زيك، بس هدوس على رقبتك بجزمتي زي ما كنت بتعمل معايا ونبقى خالصين يا زين. احتدت تعابيره ووقف بغضب ناظرا له وأحمد يسألهما: -أنتو بتتوشوشوا في ايه؟ ابتسم شادي بسماجه وهو يجيبه: -ولا حاجه يا بابا بهزر مع خطيب اختي. ابتسم ولا زال زين واقفا ينظر له بحدة؛ فتسائلت دعاء بحيرة:
-مالك يا زين؟ حرك رأسه نافيا وهو يجيبه: -ابدا مفيش، المهم دلوقتي ادوني كام يوم لحد ما فارس باشا يخرج من الورطه اللي هو فيها واعرف افاتحه بالموضوع تاني، حتى لو نعمل خطوبه ع الضيق لحد ما ربنا يسهل. رفض شادي على الفور وهو يؤكد بإصرار: -لاااااا، أنا مش موافق إن اختي الوحيده تتخطب وتتجوز بالشكل ده، دعاء هيتعمل لها فرح متعملش لواحده ف العيلة كلها حتى لمرات الباشا بتاعك وده شرطي الوحيد، ومظنش لا بابا ولا دعاء هيختلفوا معايا في النقطة دي.
رجع من شروده وفارس يخبره: -عارف اني اتاخرت عليك كتير وكذا مره ناخد ميعاد من والد دعاء ونخلف معاه، بس هو من العيلة وشايف اللي بيحصل. أومأ له دون تعقيب فاستكمل فارس حديثه: -أنا مش مناديك انهارده عشان اقولك حدد ميعاد جديد، لكن عشان اقولك إن الموضوع بتاعك لازم يتأجل شويه لأن صعب جدا نعمل فرح في الظروف دي، وبلغ الأستاذ أحمد إن دي أوامري وهو هيقدر الظروف. ابتلع ريقه وبلل شفتيه فلاحظ فارس ردة فعله فسأله:
-في عندك اعتراض على كلامي يا زين؟ نفى على الفور وتكلم بتوتر: -مش اعتراض يا باشا، بس الاستاذ أحمد كان لسه مكلمني ومش راضي يستنى اكتر من كده عشان الناس عرفت اننا مرتبطين فخايف على سمعة بنته و… قاطعه فارس وهو يعقب عليه: -ولو،إحنا عندنا مشاكل اكبر من مجرد خطوبه تتأجل ولا تتلغي حتى، بس طالما مستعجلين اوي كده يبقى نعمل خطوبه ع الضيق كده عشان ظروف العزا والحداد وبرده انت عارف اللي فيها.
عاد لتوتره فلمحه فارس الذي احتد ووقف صائحا: -ايه الحكاية؟ أجابه بعد أن وقف هو الآخر أمامه باحترام: -يا باشا والله لو عليا مش هراجع سيادتك فـ كلمه بس هم مش صابرين وعايزين فرح كبير و… قاطعه فارس متسائلا: -هم؟! مين هم؟ تقصد دعاء وأبوها؟ أومأ مضيفاً: -واخوها. رمقه بنظرة جامدة وسأل باقتضاب: -هو رجع؟ أومأ بصمت؛ فجلس فارس على مكتبه متكئا على مقعدة وتنهد وهو يقول: -أنا عارف إن الجوازه دي مش هييجي من وراها خير ابدا، بس إصرارك مخليني مضطر مزعلكش يا زين.
ظل الآخر صامتا فأغلق فارس عينيه وفتحهما وهو يقول: -تمام يا زين، قولهم الخطوبه ع الضيق والدخله نبقى نعمل فرح. خرج زين وهو يشعر بالتوتر والقلق، فها هو رب عمله يعرب للمرة التي لا يستطيع إحصائها عن رفضه لتلك الزيجة بل وتخوفه منها، وهو نفس الإحساس الذي يعتريه منذ فترة كبيرة ولولا صراحة حبيبته معه وإخبارها له مؤخرا بكل ما خططت له برفقه شقيقها لكان قد أنهى ذلك الإرتباط منذ فترة طويلة.
دلفت ياسمن تخبره باحترام: -الوفد جه تحت يا باشا. اتسعت بسمته وغمز لها ووقف متحركا للخارج، ولكنه سحبها من خصرها يحتضنها وتحرك بها صوب المصعد ووقف منتظرا وصول الوفد الذي رحب بهم ترحيب حار وجلسوا جميعا بغرفة الإجتماعات. تسائل أحد رجال الوفد: -أين السيد مازن؟ لقد أكد علينا حضوره بتهذا الإجتماع. رد فارس فورا دون مماطلة: -لديه بعض الأمور العالقة ولم يستطع الحضور، ولكنني هنا معكم وبالتأكيد سيتم تنفيذ كل البنود التي تم الإتفاق عليها معه لا تقلق.
أثناء الإجتماع ظلت نظرات هذا الرجل مرتكزة على ياسمين بشكل كبير؛ فلاحظها فارس الذي حاول تمالك ثورة غضبه حتى أحتد أخيراً متسائلا: -ما سبب تحديقك المستمر بزوجتي؟ لمعت عين الرجل وهو يهتف مندهشا: -زوجتك! حقا لم أكن أعلم وكنت على وشك سؤالك ما إن كانت مساعدة جديدة لديك؛ فتلك المرة الأولى التي أراها هنا. صر فارس على أسنانه وهو يؤكد: -ها قد علمت الآن أنها زوجة فارس الفهد، فهل ستظل تحدق أم علي أن أجبرك عن التوقف عن تحديقك بطريقتي الخاصة.
ضحك الرجل وهو يطرق رأسه ناظرا للاوارق التي أمامه هاتفا بمزاح: -ومن لا يعلم طريقة فارس الفهد الشهيرة، أنا لا زلت شابا وأود الإستمتاع بحياتي يا رجل. ضحك الجميع على رده على العكس منه الذي ظل متجهما وهو ينظر لها بغيظ وكأنها من اقترفت الخطأ هنا. فور انتهاء الجميع وخروجهم تحركت معه لداخل مكتبه فبدأ ثورة غضبة التي تعلم جيدا أنها قادمة لا محالة: -ليه انا دمي يتحــ,,ـــــرق كده في اجتماع مهم زي ده؟
لم ترد عليه وتركته يخرج ما بداخله: -كل ما اقول هتعدلي لبسك وأسلوب حياتك برده تفضلي على نفس النمط بتاعك بس خلاص أنا هنزل أمر وهتنفذيه من غير نقاش. ظلت صامته وقبل أن يخبرها بأمره رن هاتفها فابتسمت وهي تجيب بعد عدة رنات: -والله بنت حلال، كنتي في بالي وعايزه اكلمك. رفعت نرمين حاجبها متفاجئة وسألتها: -انتي عبيطه يا ياسمين؟ ما انتي بعتالي على الواتس عشان اكلمك. اتسعت بسمتها من جديد وهي تقول:
-ايوه ايوه، انا اصلي في الشركه مع فارس فكنت مشغوله شويه. لم تفهم الأخرى حديثها فتسائلت بحيرة: -هو أنا اللي غبيه ومش فاهمه كلامك ولا انتي بتحاولي تعملي فيلم على فارس اني متصله بيكي من نفسي؟ أجابتها ببسمة واسعة: -الله ينور عليكي، استني طيب هروح مكتبي واشوفهالك. رمقها فارس بنظرة مغتاظة وهي تقبله من وجنته: -حبيبي، معلش نكمل كلامنا بعدين ومتزعلش نفسك. أسرعت من أمامه وهو يصر على أسنانه بغضب وخرجت تجلس على مكتبها وهي تتنفس الصعداء وقالت بارتياح:
-انقذتيني من ايده، كان ناوي ينزل فرمان من فرمانات فارس الفهد ولحقتيني. ضحكت نرمين وهي تسألها: -فرمان ايه ده؟




