
-جوازي من ماهر مكانش جواز بالمعنى المعروف، كان حاجه كده زي جوازتك من ياسمين في الأول، عافيه.. بالدراع.. بس الفرق أنه كمان من غير حب. أراد أن يعقب عليها بما قالته داخل نفسه: -وده يديكي الحق بمخالفة ربنا؟ ده انا كل حاجه غلط في حياتي عملتها بسببك. استمع لها تكمل اطنابها: -أنا ومدحت كنا بنحب بعض ومتفقين ع الجواز وماهر كان عارف، ده كان ساعات هو اللي بيداري علينا عشان نخرج سوا وفجأه كل ده اتغير اول ما مدحت دخل الجيش، ماهر وقتها اتغيرت معاملته معايا ومفهمتش السبب واتفاجئت إن جدك وبابا الله يرحمه اتفقوا على جوازنا.
بكت وهي تنظر له وتكمل قصها لماضيها: -روحت لماهر واترجيته انه يعمل حاجه لأن بابا كان صعب جدا، كان شبهك كده لما يحط حاجه في دماغه مستحيل حد يقدر يخليه يغير رأيه، انت طالع لجدك بس مش جدك أبو أبوك انت طالع لبابا الله يرحمه. ظل صامتا يستمع لها علها تنهي تلك القصة الغير شيقة وهو بنيته أن يرد على كل حرف مما قالته: -عارف رد فعل ماهر كان ايه؟ قالي اعتبريها جواز صالونات وطالما بابا وباباكي اتفقوا على الجواز يبقى اقبلي زي ما انا هقبل.
بكت وانهارت وكأنها شابة صغيرة كُسر قلبها بريعان شبابها واسترجعت ماضيها تضيف: -متخيلتش إن ده يكون رد فعله وأنا بقوله انا بحب مدحت، بحب اخوك إزاي عايزني اتجوزك وليه بسرعة كده قبل حتى ما ينزل اجازه ويلحق يتصرف بس ماهر مهتمش، ولحد اليوم ده انا كنت بعتبر ماهر اخويا الكبير بس كرهته، كرهته اوي من اليوم ده وسبته ومشيت. بلل شفتيه وظل صامتا يرمقها بنظراته الحادة وهو يعقب بداخل نفسه:
-كل ده سمعته قبل كده من مدحت بيه، بس ده ميديكوش الحق في الخيانه وكسر شرع ربنا والأكتر في رمي ابنك عشان خاطر قلبك، انتي رمتيني يا ماما عشان خاطر مدحت. ظل يرمقها وهي تمسح أنفها ووجها بالمحرمة الورقية ويتمتم بداخله: -ماما، من وأنا عندي 8 سنين مقولتهاش ومش هعرف اقولها تاني. أكلمت هي عندما وجدته صامتا وجامدا لا يوقفها أو حتى يعقب عليها:
-اتخطبنا وجدك صمم نكتب الكتاب وبعدها مدحت نزل اجازه وليك تتخيل كان وضعنا عامل ازاي، كان منهار وبيضـ,ـرب دماغه في الحيطه وبيروح لماهر الشغل يبوس ايده انه يطلقني بس ماهر مرضاش بحجه انه مش عايز يزعل ابوه وهو تعبان. ظل يزفر أنفاسه بفروغ صبر وهو يتسائل متى ستنتهي من ثرثرتها الغير مجدية وتدخل صلب الموضوع، ولكنها لم تصمت وظلت تقص عليه الأمر:
-فضل كده لحد ما أجازته خلصت ومكانش راضي يرجع الجيش لولا خاف يتسجن سجن عسكري وقالي لما يرجع الاجازة اللي جايه هيتصرف، بس جدك لقناه اتفق مع بابا على الفرح وتخيل لما يتعمل الفرح وليك اخ في الجيش مش الأصول برده تستناه عشان يحضر، لكن عشان كانوا عارفين هم بيعملوا ايه كويس… قاطعها فارس اخيرا:
-انا عارف معظم القصة دي يا فريدة هانم، مش محتاج اسمع قصه سمعتها اكتر 30 سنه، قصه بسمعها من قبل ما بابا يمـ,ـوت وفضلت اسمعها لحد انهارده عن اد ايه بابا كان وحش وخطف حبيبة اخوه عشان ايه يا ترى؟ بابا عامل كده ليه؟ وجدودي الاتنين ساعدوه وصمموا على كده ليه؟ ابتلعت غصتها بداخلها وهي تجيبه:
-آه، جدك وبابا كانوا بيحبوا ماهر اكتر واحد زي ما الكل كانوا بيحبوه عشان ذكائه ودماغه، وده كان سبب كره مروان ومدحت ليه انه بيعرف يخلي اللي قدامه يتخدع فيه ويحبه، ماهر صمم يتجوزني عشان طلع بيحبني من زمان وكان ساكت عشان اخوه بس فـ الآخر طلع أناني وأخدني لنفسه ومهموش ابدا لا مشاعري ولا مشاعر اخوه. قضم أسفل فمه وهتف بغضب:
-تمام، هو إنسان أناني وقرر ياخدك بالطريقة دي وجدي ساعده وده كان سبب كرهك ليه طول سنين جوازكم وده يمكن كنت متفهمه وعمري ما حاولت أحاسبك عليه، إنما اللي حصل بعد كده هو اللي مش مقبول وعمري لا هسامحك ولا هقبلك بسببه ولو فاكره إن بعد العمر ده كله ممكن أضعف وأراعي كبر سنك وأقول عفا الله عما سلف تبقى بتحلمي يا فريدة هانم ولو دي الحاجه الغلط في حياتي بعد ربنا ما هداني فأنا…
قاطعته وهي تقف بحدة: -اسمعني للآخر، أنت واخد منى الموقف ده عشان اتجوزت مدحت قبل عدتي ما تخلص وأنت أصلا كان عندك 8 سنين ولا تفهم في عده ولا غيره، مراد هو اللي دخل الكلام ده في عقلك عشان تكرهني وتبقى معاه زي ما انت دلوقتي كده، يبقى هو وولاده نمره واحد عندك… قاطعها ساخرا: -الدكتور مراد عندي نمرة واحد مش عشان كده، عشان هو اللي رباني ووقف جنبي وكانت مراته ام ليا في غيابك.
التفت يوليها ظهره عاقدا ساعديه خلف ظهره وقال بجمود: -الحوار ده لازمته ايه دلوقتي؟ أنا مش شايف موضوع مهم جايه تكلميني فيه زي ما قولتي فياريت تخلصي عشان أشوف شغلي. التفت ووقفت أمامه ونظرت داخل حدقتيه بتركيز وهتفت:
-ماهر اتجوزني عشان غيرته من مدحت مش حب فيا، أنت لما حبيت ياسمين ولقيتها مش قبلاك طلقتها، طلقتها عشان بتحبها لكن ماهر محبنيش حتى لو قال العكس، عشان كده فضل عايش معايا بالرغم من كل حاجه حصلت بينا، بالرغم من أننا مكناش بنام في سرير واحد، بالرغم من اننا مكناش بناكل وجبه مع بعض، بالرغم من إننا مكانش في بينا أي حاجه تجمعنا غير ورقه، ورقه هي اللي بتقول اني مرات الراجل ده.
كلماتها رنت بداخل أذنه وعقله وهو يسترجع أحداث مرت ولم تمر من ذاكرته، ولت عليها السنوات ولم تستطع طمسها عن وجدانه ولكن كل ما جال بخاطره هو كيف استطاع والده العيش هكذا؟ مجرد زوج مثبت بالأوراق الرسمية فقط دون حقوق شرعية وهو ما فهمه الآن من حديثها بعدم وجود أي تواصل جسدي بينهما. رد وهو يشعر بغصة تؤلمه من حديثها: -بس ده ممنعش انك تخلفيني، وده يمكن السبب الوحيد اللي خلى بابا كمل معاكي وإلا أنا متأكد أنه كان طلقك بعد مـ,ـوت جدي لولا وجودي.
أخرجت ضحكة ساخرة وهي تؤكد حديثه: -فعلا، وجودك هو اللي خلاه صمم ميطلقنيش، وجودك هو كان السبب الأساسي اني افضل على ذمته لحد ما مـ,ـات عارف ليه؟ حدق بها بنفور وهي تتحدث بسخرية واستهزاء: -لان وجودي ووجودك كان هو الضمان الوحيد أنه يفضل قدام الناس ماهر الفهد اللي محدش أده، ماهر الفهد رجل الأعمال اللي شق طريقه جوه الصخر وبقى صاحب المجموعة العالمية ومن بعد مـ,ـوت جدك ماهر بقى وحش كاسر، مش شايف حد ولا بيهتم بحد غير نفسه..
قاطعها بزئير مخيف: -انتي جايه ترغي كل الرغي ده بس عشان تحاولي تهزي صورة ابويا قدامي أنه كان وكان وكان، مهما حاولتي تعملي أنا بابا عندي حاجه كبيرة اوي مش هتعرفي تخليني أكرهه. اقتربت منه رافعه وجهها تنظر له بتحدِ وهتفت: -فعلا أبوك حاجه كبيره اوي واستحمل كتير، وجه الوقت اللي تعرف فيه الحقيقة يا فارس وتعرف أبوك تعب أد ايه وانت مش مقدر ولا حاسس. لم يفهم كيف كانت تذمه منذ لحظات والآن هل أصبحت تمدحه! ما هذا الهراء؟
-أنت وأبوك لازم تعرفوا الحقيقة بقى عشان أنا تعبت من كتر ما خبيتها. جعد جبينه وهو يستمع لها تقول: -ماهر الفهد كان عنده ضعف وملمسنيش من يوم ما اتجوزنا، بس انا مكنتش اعرف بضعفه إلا لما روحت قبل الفرح واعترفتله اني انا ومدحت غلطنا مع بعض ومينفعش اتجوزه بس هو مهتمتش وفكرت وقتها إنه مش مصدقني بس اللي حصل بعد الجواز انه مقربش مني ولا حاول ولا مره واحده. ظل فارس يرمقها بنظراته النارية التي تخرج كسهام حادة جاهزة لاختراق رأسها الذي ينسج الأكاذيب وهي تقول:
-لما مدحت جه أجازة قولتله انه ملمسنيش فصمم اننا نكون لبعض مهما كان التمن وفعلا بعد وقت قصير اكتشفت اني حامل فيك وروحت اقول لماهر…. قاطعتها ضحكاته العالية والساخرة بصوته الأجش وصيحات عالية لم تستطع تحديد إن كانت ضحك أم بكاء وتكلم مستهزئا بما قالته: -لاااااا متقوليش، أنا ابن مدحت صح؟ كل الرغي ده عشان توصليلي الكدبه دي! حاولت الرد فصرخ بها بصوت حاد: -أخرسي ولا كلمه زياده، أنتي فكراني غبي يا فريده هانم؟ انتي شكلك المسلسلات التركي أكلت دماغك…
قاطعته تؤكد حديثها: -اللي بقوله هو الحقيقة، انت ابن مدحت، وماهر من يوم ما اتجوزته ولحد ما مـ,ـات ملمسنيش يعني انا اعتبر مرات مدحت من لول لحظة وجوازي قبل العدة ده لاني مراته في الاساس، عايز تصدق صدق ولو مش عايز براحتك كده كده أنا كان لازم أقولك عشان تعبت من شيل السر ده لوحدي. ضغط على أسنانه بعنف وأخبرها بحدة: -مرضاش يطلقك وقولنا راجل هزؤ وديوث وقابل بالوساخه دي، ومخلكيش تقولي لمدحت عشان اي سبب اهبل هتألفيه، وكتب لي كل ثروته من كتر حبه فيا منا ابن اخوه برده.
ضحك عاليا وهو يضيف بحنق: -ولما مـ,ـات قلبك محنش عليا وبابا العزيز بيعاملني أوسخ معامله؟ بيضـ,ـربني ويهيني ويحرمني من الاكل وفي الآخر اترميت في مدرسة داخلي… قاطعته موضحة:
-ماهر لما عرف هددني إن لو حد عرف هيقتـ,ـلني ويقتـ,ـل مدحت ويقتـ,ـلك ومش هياخد فينا يوم سجن لانها قضية شرف، وقالي لو سكت هنفضل عايشين اسره قدام الناس وبس، لكن لما مـ,ـات عرفت من المحامي ان وصيته ليك ولو كنت اتكلمت كانت كل حاجه ضاعت، الورث والفلوس اللي تعبت زيي زيه وهو بيجمعها على قلبه وقولت لما تكبر شويه ومدحت يهدى من ناحيتك اعرفكم الحقيقة بس العداوة والكره بينكم فضل يزيد ومعرفتش اتكلم، اختارت اني اسكت وخلاص بس مش قادره اخبي أكتر من كده.
تلك النيران التي تخرج من عينيه تستطيع إحراق الأرض وما عليها، ولكنه تمالك نفسه وقال بصوت هادئ: -مهما قولتي مش مصدقك، حاولي تدوري على كدبه تانيه يمكن تنجحي أصرت على حديثها وهي تصيح بحدة: -أنت ابن مدحت يا فارس مهما حاولت تنكر ده مسيرك تتأكد، أنت ابن مدحت. صفعها بضراوة فارتمت على الأرض ولم يعيرها اهتمامه وهو يصرخ بها: -اطلعي برا حياتي بقى
انحنى ممسكا ذراعها بقسوة واوقفها عنوة وخرج وهو يجرها جرا غير عابئ بسنها ولا بماهيتها وفتح باب المكتب واتبعه بسحلها وهي تكاد تسقط في محاولة منها للحاق به وفتح باب فيلته وألقى بها بقوة فسقطت على مقدمة الدرج الرخامي وتأوهت ألما كل هذا تحت نظرات ياسمين التي راقبت ما حدث بذهول وتجمع الخدم بالنوافذ يشاهدون ما يحدث بتعجب انحنى مقربا وجهه لها وهددها ناظرا لها بشرر مريب: -لو شوفتك ولا لمحتك في أي مكان ولو صدفه، هقتـ,ـلك يا فريدة، فاهمة؟
استدعى حراسه الذين يقفون على مقربة من بوابة المنزل الداخلية وأمرهم: -طلعوها بره ومتدخلش هنا تاني، مفهوووم؟ ~~~ دلف مكتبه وبدأ بالصياح وتكسير كل ما حوله بنوبة عصبية حادة لم تمر عليه من قبل، نزلت ياسمين الدرج بعد أن أولت رعاية صغيريها للمربية وعندما اقتربت من باب المكتب تنوي الدخول وقفت لها حنان تمنعها: -سبيه يا بنتي. رفضت وهي تشعر بالقلق الشديد مما تستمع له يحصل بالداخل: -اسيبه في الحالة دي ازاي يا داده بس؟
أمسكتها من ساعدها وسحبتها معها وهي تؤكد: -سبيه يا ياسمين، بلاش تبقى انتي اللي تبقي قدامه دلوقتي، أنتي عارفه وهو بالحالة دي ممكن يتصرف غلط ويأذيكي. ظلت واقفة تستمع لها ولكنها لم تستطع موافقتها عندما سمعت صيحة ألم من نبض قلبها ففتحت الباب على الفور ودلفت مسرعة ناحيته وهو يلقي بكل ما تطاله يده بعنف فانكسر زجاج الشرفة التي تطل على الحديقة الداخلية وانكسر معها الأثاث الموجود بالغرفة. أمسكت يده وهو يلقي بحاسوبه المحمول ومنعته من تكسيره فالتفت لها وحش ضاري بعيون محتقنة حمراء ومخيفة، وأنف ملتهب وأسنان مصطكة شرسة.
فور أن رآها نهج بأنفاسه وظل على حالته وهي تنظر له ببكاء دون التفوه بأي كلمة، ولأول مرة تبتلع فضولها بداخلها وتواسيه فقط بالصمت والنظرات، انحنى يحتضنها فربتت عليه بحب وحنان ولم تنطق ببنت شفة وظلت على هذا الحال حتى هدأ. ابتعد عن حضنها وتكلم وهو يحاول استرجاع أنفاسه الهاربة: -أنا لازم أروح الشركه، بس خليكي انتي مع الولاد.



