
سحبها من ذراعها وأدخلها للسيارة ولف للناحية الأخرى وركب هو الآخر وقاد حيث وجهته ومالك لا يزال متسمرا مكانه غير مستوعبا لما حدث توا ولسان حاله: -خسرتها خلاص، هتتجوز… خسرتها خلاص. ظل يقود السيارة وهو يصر على أسنانه بغل ولم يتحدث أو حتى يوضح لها ما الذي دفعه لاختلاق تلك الكذبة، فهما كانا باجتماع خاص بالشركة مع بعض العملاء وليس كما ظن طليقها أنهما يتناولان الطعام كعاشقين بموعد غرامي. وصل أسفل بنايتها وأوقف محرك السيارة والتفت لها قبل أن تخرج:
-نرمين. التفت له ترمقه بنظرات شاردة فتكلم فورا حتى لا يترك عقلها ينسج الكثير مما لا يقوى على إظهاره الآن: -انا آسف على اللي حصل مني، وعارف انك يمكن تكوني مضايقه عشان قولت انك خطيبتي بس حقيقي ملقتش حل تاني أبعده بيه عنك غير كده. ظلت تلعب بحقيبتها تتمسك بها بقوة وتفركها وهي لا تنظر له فهتف مجددا: -نرمين، لو سمحتي بوصيلي. رفعت وجهها ناحيته فقال: أنا عارف انك اتضايقتي وأنا مكانش قصدي حاجه وحشه، كل الحكاية حبيت أوقفه عند حده عشان ميضايقكيش تاني إلا لو كنتي مش عايزه ده فتقدري تقوليله اني كداب.
زمت شفتيها بامتعاض وهي تقول: -هو حضرتك متخيل اني ممكن ارجع للبني آدم ده تاني؟ كل الفكره اني اتفاجئت من كلامك اللي اكد اتهامه ليا لما كنا في القسم. أخرج صوتا معترضا من فمه وهو يقول: -طظ فيه، يفتكر اللي عايزه، مش ده كلامك؟ هو له عين كمان بعد القرف والعك اللي هو وعيلته عايشين فيه! أومأت له عدة مرات وهمت بفتح الباب ولكنها عادت تنظر له وتؤكد:
-المهم عندي إن حضرتك تبقى عارف إن الكلام اللي قولتهوله ده مش حقيقي وعمره ما هيبقى حقيقي، انا لا بفكر في ارتباط ولا جواز ولا حتى صداقه، العلاقه بيني وبين حضرتك شغل وبس، ويمكن في تجمعات العيلة تبقى قرابه وهتعامل معاك زيك زي ساجد جوز اختي، يعني كأخ وبس. ابتسم وهو يبتلع مرارة حلقة ويومئ لها وهي تضيف: -عشان أنا لو حسيت بأي حاجه من اللي ممكن تدخلني في النار دي تاني، هتلاقي استقالتي على مكتبك قبل حتى ما تحاول تفهم اللي حصل.
وجد نفسه وقد حشر بخانة اليك ولم يستطع الفرار فابتسم باتساع فاهه وعقب عليها مختلقا كذبة أخرى قد تبدو مقنعة لها: -لأ من الناحية دي متقلقيش، انا مرتبط أصلا وقريب اوي هتحضري فرحي. ظلت بسمته على وجهه ولم يزيلها حتى ابتسمت هي له ولانت ملامحها العابسة وفتحت الباب فهتف يودعها: -بااي، متنسيش بكره تجبيلي معاكي حلويات من بتاعة طنط. أغلقت باب السيارة وانحنت تبتسم له براحة وهي تجيبه: -مش لما بتكون عامله أصناف بجيب معايا من غير ما تطلب؟
ظلت بسمته الكاذبة على وجهه وقال: -منا بقولك عشان تخليها تعمل لنا أي صنف حلو كده أفطر بيه بكره مع الشاي. وافقته بحركة من رأسها وغادرت متوجهة لباب بنايتها وظل هو ينظر في إثرها حتى اختفت عن نظراته فتجهم وجهه فورا وضـ,ـرب مقود السيارة بقبضته الغاضبة وهو يوبخ نفسه: -غبي، غبي، استعجلت وأنت عارف انها مستحيل تقبل حاجه دلوقتي، غبي. ❈-❈-❈ وصل لباب المشفى ودلف فوجد اخته تجلس بغرفة والدتها فقبل أعلى رأسها وسألها: -مفيش جديد؟
نفت وهي تبكي: -ماما مش هتقوم منها يا مالك، الدكتور لسه قايل انها حتى لو فاقت هيكون عندها مشاكل كتير لأن في ميه طلعت ع المخ. ربت عليها وهو يقبلها من رأسها: -كله بأمر ربنا؟ تنهد وسألها بغل: -والبيه عامل ايه؟ قوست فمها وهي تجيبه: -معرفش، مدخلتش عنده بس أخوك كان معاه. تركها وخرج فوجد أخيه الأكبر يستند على الحائط متجهم الوجه فاقترب منه يسأله بقلق: -في ايه؟ مالك؟ رد وهو يصر على أسنانه:
-مُصر يفضحنا كلنا، صاحبك جه ياخد أقواله من شويه راح متهم مراتك وقريبها انهم خطفوه وحاولوا يمضوه على وصلات أمانه وبعدين اتهمهم إنهم ورا اللي حصله، كل اللي قاله من اتفاقنا معاه انه مشافش مين اللي عمل كده بس بيتهمهم وطلب تفريغ كاميرات الشارع عشان يتاكدوا. ابتلع مالك ريقه المتعلق بحلقه الجاف وزم شـ,ـفتيه وفتح الباب بحدة ودلف يرمقه بنظرات غاضبة وسأله دون مقدمات: -انت عايز مننا ايه يا أخي؟ مش اتفقت معاك متجبش سيرة نرمين في اللي حصل؟
رد وهو يجاهد ليعدل جسده: -مش هسيب حقي، أنا اتشهر بيا وكنت همـ,ـوت وأمك بين الحيا والمـ,ـوت بسببهم… قاطعه يصرخ به: -أنت السبب مش هم، أنت اللي مصونتش عرض أخوك و… صمت عندما سحبه أخيه للخارج يهمس له: -تعالي بس لأن الظابط صاحبك رن عليا وطالع يكمل التحقيق. دار بجسده ورفع سبابته له يحذره: -لو مغيرتش اقوالك وقولت إن نرمين ملهاش دخل تنساني خالص يا أنس. دلف الضابط يرحب بصديقه: -أزيك يا مالك؟ تصافحا فجلس لاستكمال أخذ أقواله:
-ارتحت شويه؟ أومأ فتابع: -طيب نكمل التحقيق؟ سأله بعد أن جعل مساعده يفتح دفتره: -قولي بقى، اتهمت طليقه اخوك ومعاها رجل الأعمال فارس الفهد أنهم ورا الحادثة دي، فتقدر تقولي السبب؟ أومأ وهو يجيبه: -اللي اسمه فارس ده عامل فيها كبير العيلة وكان بيتحكم في جوازة مالك وهو اللي خلاهم اتطلقوا وعشان أنا اللي وقفت له فحب يوريني انه يقدر يسكتني. حرك الضابط رأسه ولكن مالك لم يصمت وهتف معترضا:
-الكلام ده كله مش صحيح، الظاهر الخبطه أثرت على عقله شويه يا فندم، أنا طلقت مراتي غيابي أصلا لان كان في بينا مشاكل بسبب ظروف شغلي وهي مستحملتش، وفارس الفهد ملوش علاقه بيا خالص ولا عمره دخل بيتي حتى. عقب عليه أنس: أيوه بس هو السبب… قاطعه مالك بصوت غليظ: -هو السبب في ايه؟ هو محضرش اي مشكله تخصني وكان حاضر بس قراية الفاتحه زي أي حد من العيلة. التفت لزميله وهو يؤكد: -يا فندم كل اللي بيقوله مش صحيح، وأنا عايز اعمل كشف أتأكد إن قواه العقلية سليمة وذاكرته كمان مش مشوشه.
وافقه الضابط وأنهى تحقيقه وخرج برفقة أخيهما فظل مالك واقفا يزفر بضيق ولم يتحدث معه حتى مر الوقت وعاد الأخر يسأله: -انت اللي هتبات ولأ أخليني أنا؟ رد دون أن ينظر إليه: -روح أنت وخد أختك معاك. لحظات وغادر الجميع وظل هو بالاستراحة يدخن سجائره بشراهة ودلف غرفة والدته ليطمئن عليها فوجدها كما هي لا تصدر أي مؤشرات للتحسن؛ فعاد لغرفة أخيه فوجده يجاهد حتى يستريح على السرير الطبي فسأله: -عايز حاجه؟ أجابه أنس مجهدا:
-بحاول أعدل المخده ومش عارف. اقترب منه وسحب الوسادة من خلف رأسه وحاول تعديل وضعها، ولكنه وضعها على وجهه يكتم بها أنفاسه فعافر وانتفض بعنف محاولا التخلص منه ولكنه عجز لضعف جسده فأحكم مالك يده على الوسادة بقوة وأغلق عينه بألم وأشاح بوجهه للناحية الأخرى وظل يضغط ويضغط حتى توقف الأخير عن المقاومة وسكن جسده.




