
كل هذا ونرمين تستمع لها وهي غير مصدقة لما تقصه عليها أختها وقد توقفت عن الأهتمام بتفاصيل ما حدث مساءا واستمعت بانصات واهتمام فقط لحالة ياسمين الصحية والأخرى تخبرها:
-ياسمين في غيبوبة يا نرمو.
بكت منهارة وأضافت:
-الدكاتره مش عارفين هتفوق منها امتى والوضع بتاعها مش كويس.
خرجت مهرولة تتجه لغرفة أبويها لتخبرهما ما قصته عليها توأمها.
نهض الجميع على حالة الذعر التي انتابت نرمين فأمسك محمود هاتفه ليستعلم عما يدور وتكلم مع أخيه الأكبر الذي لم يكن على دراية بما حدث وتفاجئ مثله مثل أي غريب بما فعله ابنه البكري فصرخ بمحمود لنجدته:
-أكيد ملفقين له الكلام ده كله يا محمود، ألبس وحصلني أشوف ابني فين؟ وتعالى عشان نلحقه.
هدر به محمود بعد أن انتهى من جملته:
-ملفقين ايه يا أحمد؟ بقولك خطف ياسمين وبنتها وبالرغم انه عارف حالتها حبسها في شنطة العربيه، وأنت جاي تقولي ملفقين له! البنت دخلت في غيبوبه يا أحمد.
امتعض وجهه وهو ينظر لوالده الذي اهتز مما سمعه وتحرك بخطا ظن أنها سريعة ليحلق بحفيدته ومحمود يكمل توبيخه ﻷخيه:
-هو ده حبه ليها؟ هي دي أمانه أخونا لينا يا أحمد، يعمل فيها وفي بنتها كده؟
صرخ أحمد أخيرا وهو لا يجد فرصة للتحدث من التوبيخ اللاذع والمستمر من أخيه الأصغر:
-اسمعني طيب، تعالى معايا نشوفه ونفهم منه لأن حتى لو كان عمل اللي انت بتقول عليه ده فبالنهاية ده ابني ومش هسيبه لوحده وهقوم له محامي لو انت هتتخلى عنه.
صر محمود على أسنانه وعقب عليه:
-أنا مش محامي جنائي يا أحمد، ابنك باللي عمله هيحتاج محامي جنائي فكده كده هتحتاج له محامي يدافع عنه، روح أنت شوف ابنك وأنا هشوف بنتي ﻷن ياسمين بنتي مش بنت أخويا وبس.
أغلق معه فتفاجئ بنرمين ووالده قد ارتديا ملابسهما فأومأ لنرمين وهو يناولها مفتاح سيارته:
-أنزلي مع بابا واحده واحده على ما ألبس.
❈-❈-❈
مسح على رأسها وقبل أهدابها المبللة بعبراته التي لم تتوقف عن السيلان وهمس بأذنها وكأنها تسمعه:
-فوقي يا سلطانه، متعمليش فيا كده أنا مقدرش أعيش من غيرك.
قبل راحتها وعاد ينظر لوجهها الشاحب وبكى كما لم يبك من قبل وهو يحدثها علها تجيبه:
-مش كنتي دايما تقوليلي أوعى تسيبنا يا فارس احنا محتاجينك! جايه دلوقتي أنتي اللي تعملي كده؟
اعتدل بوقفته وهو يعض شفتيه حتى أدمتا:
-أنا كان عقلي فين لما سبته ياخدك؟ ازاي اسمح له يخرج وهو واخد روحي معاه؟
توحشت نظراته ﻷنعكاس صورته بالمرآة التي أمامه تظهر نصف وجهه فقط واخشوشنت نبرته الحادة وهو يتوعد لغريمه:
-أنا استخفيت بيك كتير أوي ودي كانت النتيجه، بس الغلطة دي مش هتتكرر تاني وه.ك يا شادي الكلب.
استمع لطرقات تبعها دخول الممرضة التي وقفت تتفقد ياسمين بعد أن أومأت له باحترام فسألها وهو لا ينظر لها بل شخص نظراته بالفراغ:
-چاسمين عامله ايه؟
اجابته وهي تبتسم:
-خلصوا نقل الدم وحاليا في الحضّانه وشويه وتخرج.
نظر لها وحدقتيه الشاردتين تحكي وتقص بدقة عما يدور بداخل عقله:
-الجرح اللي في رقبتها كان جامد!
حركت رأسها بمعنى معك حق ولكنها أجابت تسائله الخفي:
-الدكاتره قاموا بالواجب يا باشا، إن شاء الله ربنا يطمنك عليهم.
خرجت بعد أن وضعت بعض العقاقير بالمحلول المغذي لتلك الجميلة النائمة فعاد هو يمسك راحتها وقد تذكر لتوه آخر لحظاتهما الجميلة:
-أنا وأنتي ملحقناش نغتسل يا سلطانه وملحقتش أصلي الفجر وكلها كام ساعه والظهر يأذن.
حاول استنباط الوقت من تعامد الشمس بالخارج ولكنه لم ينجح بذلك فتنهد وهو يحدثها:
-أنا لازم اسيبك شويه وأرجع البيت اغتس لعشان أعرف أصلي وهرجعلك بسرعة.
قبل أعلى رأسها وخرج فتقابل وجها لوجه مع عائلتها التي جاءت للإطمئنان عليها، ومع اقتراب الجد منه بلهفته المعتادة على حفيدته.
ابتعد هو ناظرا لهم بغضب والسيد يسأله:
-ياسمين عامله ايه يا بني؟
رده الهادر جعل أمن المشفى يستدعي مراد لما أحدثه صراخه من حالة توتر بأرجاء المشفى من المرضى أو زويهم:
-أنتوا ملكومش حد هنا، أنا مش عايز أشوف وش حد فيكم واللي جوه دي متخصكمش من انهارده.
حاول محمود الإعتراض عليه ولكن منعه والده عندما أمسك راحته واقترب من فارس بحذر:
-ليك حق يا بني بعد اللي حصل، بس أنا وعمها ملناش ذنب باللي عمله شادي وأنت عارف إننا واقفين في صفك في الموضوع ده بالذات.
وقبل أن يرد عليه حضر مراد وهدأه:
-اهدى يا فارس احنا في المستشفى، أهل مراتك ملهومش ذنب في حاجه.
عبراته شوشت رؤيته وقد تعجب كل منهم من حالة هذا المارد الذي يبك بتلك الحــ,,ـــــرقه فتغلل الرعب والخوف لقلب ذلك الكهل الذي يعتبر من تقبع بالداخل ليس فقط حفيدته بل هي الذكرى الوحيدة الباقية من ابنه الذي رحل عنه وهو لا يزال بريعان شبابه:
-هي ياسمين حالتها خطر للدرجة دي؟




