
فتح عينيه يحاول أن يدرك ما حدث له وكم من الوقت ظل فاقدا للوعي؛ ففرك عينيه بأنامله ونظر أمامه لذلك الواقف يبتسم له بسمة واسعة ويهتف بشكل استعرضي مسرحي:
-ازيك يا حسن؟ زغر حسن بعينيه وهدر ناطقا اسمه:
-حمزة! أنت ايه اللي بتعمله ده؟ وقف من كرسيه متجها نحوه ومستعدا للإنقضاض عليه ولكن صوت يوسف أوقفه تماما عن الحركة عندما صاح:
-أهدى يا حسن واسمع. التفت لرفيق عمره وجاره متعجبا من تواجده ومن حقيقة أنه أفقده وعيه بمساعدة هذا الأحمق الذي يمقته، ولكنه يعلم الآن الكثير من الحقائق والتي أهمها أنهما أخوان.
هدئ من ثورته ووجه حديثه ليوسف:
-ما تفهمني ايه اللي بيحصل بالظبط؟! هز يوسف رأسه مبتسما ومربتا على كتفه:
-تعالى بس نقعدو نتكلمو شويه أنا وأنت. جلسا وحمزة لا زال واقفا عاقدا ساعديه أمام صدـ,,ـــره فاستهل يوسف حديثه ناطقا كلماته بحذر:
-أنت كنت رايح تودي نفسك في داهيه وأنا مقدرش اسيبك توقع نفسك الوقعه دي يا حسن أنت أخويا. ابتلع ريقه وتابع:
-بابا كان عايزك تنتقمله من رشوان بسبب جوازة ملك، بس خلاص يا حسن ملك اتطلقت منه فملوش داعي تودي نفسك في داهية.
رد بعصبية وحدة:
-أنا كنت رايح أجيب حق أبويا مش حق ملك يا يوسف. ابتسم له وهز رأسه مرات متعددة وهو متفهم تماما ثورته وبدأ يوضح له معالم بعض الأمور:
-رشوان ده ندل وجبان وميستحقش ابدا أنك تضيع نفسك عشانه خصوصا لو وراك كوم لحم متعلق في رقبتك. زغره حسن بنظرة متضايقة وهو يأت على ذكر نقاط ضعفه المتعددة:
-أمك وأختك اللي لولاكم تجوع، ما كلنا عارفين جوزها وطبعه وانه رامي الحِمل عليك أنت وأخوك.
مسد راحته بحرارة وتابع:
-ومراتك وابنك اللي جاي في الطريق، كل دول ميستحقوش منك تفكر ثانيه واحدة قبل ما تودي نفسك في داهيه عشان خاطر حاجه حصلت من 15 سنه! غضبه تأجج وهو يستمع له فصرخ به:
-.ه ﻷبويا مش حاجه تافهة يا يوسف عشان تتكلم عنها كده و… قاطعه الأول مجددا وبهدوء:
-مقولتش أنها تافهة بس برده نحكم عقلنا وننتقم منه من غير ما نلط نفسنا مع الحكومة، ولا عايز حبل المشنقة يتلف على رقبتك وكوم اللحم اللي وراك ده يتشرد؟
هدأت أنفاسه قليلا بعد أن استوعب كلمات رفيق العمر فتنفس عميقا وخانته دمعة واحدة نزلت على وجنته وتكلم وتلك الغصة المُرة عالقة بحلقه:
-أنا مش قادر انسى شكل أبويا وهو بيربطه ويرميه في البحر. ربت عليه ولعن والده الذي جعله شاهدا على مشهد .ه المزور قديما وها هو يستخدم نفس الأسلوب وتلك المرة مع رفيقه:
-أنا عشت عمري كله فاكر مشهد أبويا وهو بيت. قدامي يا حسن وأهو طلع عايش.
انتبه لما تفوه به عندما رمقه حمزة المراقب لهذا الحديث بصمت فتلجلج وهو يصحح حديثه حتى لا يظن حسن أن والده هو الآخر على قيد الحياة كنا نوه معه سابقاً:
-اقصد يعني إن ده مش سبب كافي تضيع نفسك عشانه. لمح نظرات حسن الهادئة فتأكد أنه استطاع التأثير عليه فابتسم وتابع:
-المهم دلوقت أنا عايزك في كذا حوار كده نتفقو عليه ده لو عايز فعلا تنتقم من رشوان. هز حسن رأسه مستمعا له:
-أول هام لازم تبعد خالص عنه عشان ميكونش فيه أي شبهة ناحيتك لو أي حاجه حصلت.
هز رأسه موافقا فأخرج يوسف السلاح الذي معه ورفعه أمامه عينيه:
-وتاني هام ده هيفضل معايا، انساه خالص. وافقه مجددا فتابع الأول:
-وآخر هام نشتغلو سوا عشان نبقى ايد واحدة ضده ونقدر عليه لإن رشوان مش سهل. لم يبد أي اعتراض على حديثه فابتسم يوسف أخيرا ووقف ينظر ﻷخيه الأكبر الذي أمسك هاتفه وتكلم كلمتين غير مسموعتين لذلك الجالس، وعاد واقفا كما كان عاقدا لساعديه ناظرا لحسن بتركيز وكأنه يقرأ ملامح وجهه وانفعلاته فلم يفهم المعني ماذا يحدث فسأل يوسف أخيرا:
-أنا توهت منك على فكره، أنت عايزني اعمل ايه بالظبط؟
هنا بالتحديد جاءته الإجابة ولكن من صوت عزام الآتي من بعيد وهو يقترب منهم رويدا رويدا بخطوات واسعة:
-عايزك تشتغل معايا يا حسن ده لو عايز تفضل عايش. ارتبك يوسف ووقف أمام أبيه يتوسله بنظراته والآخر يقترب من مقعد حسن يرمقه بنظرة ساخرة فهمها الأخير فوقف من مكانه ينظر له بحيرة:
-في ايه يا عم فتحي؟ ايه الكلام ده؟ رد الآخر بصوت غليظ:
-اللي سمعته يا حسن، يوسف ابني اتوسطلك عندي وده شرطي، وهيتنفذ.
لم يع ما يقصده من يتحدث أمامه فهتف مستفسرا:
-انا مش فاهم حاجه يا جماعه! أنت يا عمي… صرخ به عزام:
-انا لا عمك ولا خالك، أنا عزام دويدار وأنت لازم تعرف أنت جاي تتعامل مع مين. تعجب فهو ليس نفس الشخص الذي كان يزوره منذ أيام ويتحدث معه بحب ومودة، ويقص عليه كيف كان الصديق الصدوق لوالده الراحل، وكم حزن على مــ,,ـــــوته بل ودفعه للثأر من رشوان:
-طيب أفهم بس ايه الموضوع!
رد يوسف فورا وهو يقف حائل بينه وبين والده:
-يا حسن بابا شغال مع ناس مبترحمش وللأسف رشوان جاله اعفا منهم، وأنت جالك أوامر مش في صالحك وده الحل الوحيد صدقني عشان أمانك. حتى تلك اللحظة لم يكن يدرك حجم الكارثة التي هو بصددها فظل يتحدث بحيرة:
-أمان إيه وأوامر مين؟ أنا مالي ومال كل الهري ده؟ التفت ينظر لعزام وتكلم مطبقا على أسنانه بعيظ:
-أنت جبتني عندك عشان توريني مــ,,ـــــوت أبويا وبعد ما مبقتش بفكر في حاجه غير في الانتقام جاي دلوقت بكل سهوله تقولي خلاص بح، مفيش!
لم يعقب عليه عزام وظل ساكنا أمام ثورته:
-وحتى لو خلاص اخد اعفا، أنا مالي ومال شغلكم؟ أنا عمري ما اشتغلت الشغل ده ولا عمري هشتغله، حتى لو كان ابويا زمان شغال معاكم فأنا مليش دخل بالشغل ده. ظل يثرثر والأخر ينظر له بملل ويحرك نظراته ﻷبنه وكأنه يقول له، ألم أقل لك أنه لن يوافق:
-انتقامي من رشوان بعيد عنكم وأنت ملكش دخل بيه خلاص، زي انا مليش دخل بالأوامر اللي جاتلكم.
صمت أخيراً فحاول عزام التحدث ولكن جاء كف حمزة الذي وضع على كتف والده ليوقفه عن الكلام؛ فابتسم له عزام وترك الساحة له وهو يبتعد قليلا ليقف حمزة أمام حسن وبدأ حديثه بصوت هادئ به مودة غير مألوفة:
-حسن، شغلنا بيتورث من الأب للابن فأنت معندكش اختيار، ومع ذلك الناس اللي بره كانو سايبينك كل ده محدش حاول يدخلك عشان عارفين انك خفيف ومش قدها. صمت قليلا بعد أن أهانه بطريقته الهادئة وعاد يكمل:
-بس ساعات بنحتاج كومبارس حتى لو ملوش اهميه كبيرة في الحكاية.
صر حسن على أسنانه وهم بالحديث ولكن حمزة لم يمهله الوقت للتفكير وهتف:
-معاك اختيارين ملهومش تالت وده عشان بس خاطر يوسف. رفع اصبعيه السبابة والوسطى وتابع:
-يا تبقى معانا يا تحصل الوالد الله يرحمه. التفتت رأسه مائة وثمانون درجة ينظر ليوسف المتمسك بذراع والده يهمس له بأذنه بتوسلات استمع لها حسن وهدر بعنــ,,ـــــف:
-يوسف، ابوك عايز ي.ني. نظرات يوسف الواجمة والحزينة أكدت لذلك الواقف أن الأمر جدي وليس عبثا فعلت أنفاسه وتوتر أكثر وهو يجد المخزن امتلئ بالرجال الحاملين معهم أسلحة رشاشة؛ فدب الذعر بقلبه وتكلم بغصة مريرة:
-أنا عملت ايه استحق عليه كده؟ أذيتكم في ايه؟
رد عزام ببسمة مستفزة:
-عرفت معلومات كتير مش المفروض حد يعرفها بره المجموعة دي. نفى برأسه:
-أنا معرفتش حاجه غير اللي أنت قولتلي عليها. ابتسم بسماجة وهو يقول:
-بس انت عرفت أن فتحي هو عزام وعزام هو فتحي وانا كده مبقتش في أمان. رد على الفور مدافعا:
-كل الناس في الحارة عرفت، هتمــ,,ـــــوت الحارة كلها؟ عقب عليه:
-بس مش كل الحارة عارفه اني الكبير هنا ولا عارفه إن معايا فيديوهات تدين رشوان وتثبت .ه لابوك.
ضحك حسن ساخرا:
-فأنت خايف من رشوان ليعرف يعني فيأذيك؟ أنت المفروض الكبير هنا زي ما قولت ولا ايه. غمز له بنفس نمط السخرية الذي يتبعه:
-اصلي مبحبش ادوش دماغي بالحشرات الصغيرة اللي تفضل تقرص في الواحد من تحت لتحت وبركز بس في التعابين الكبيرة اللي ممكن تلدغ بحق، الحشرات دي ديتها بيرسول ونخلص منها.
عض على شفته السفلى بحنق وأغلق عينيه محاولا جمع شتات نفسه فشعر بدوار عنيف يعصف برأسه وما كان منه إلا أن استند على المقعد الذي كان يقف بجواره وجلس عليه مطرقا رأسه باستسلام وتمتم بصوت مسموع:
-معقول أنت عم فتحي اللي كان مربيني مع ابويا ومبيفرقش في المعامله بيني وبين ابنه؟ أمسك عزام كتف يوسف مدلكا اياه ومبتسما بفخر:
-مهو للأسف أنا مش فتحي ولا عمري كنت فتحي، أنا طول عمري عزام، عزام وبس.
سحب مقعدا وجلس أمامه مركزا بصره به وبدأ يتحدث وكأنه يجلس مع صديقه على المقهى يلعبان النرد ويتسامران:
-أنت عارف فتحي أخويا مات وهو عنده 10 سنين، عارف مات ازاي؟ نفى حسن بحركة من رأسه فتابع عزام قصه لحكايته:
-غرق في الترعة أو بمعنى أدق غرقته في الترعة. انعقد حاجبي حسن وهو يستمع له:
-أصل أنا طول عمرى مبحبش حد يشاركني في حاجه بتاعتي وهو كان مشاركني في أكبر حاجه ممكن ابقى مستمــ,,ـــــوت عليها.
أشار بشكل دائري على وجهه وتابع:
-وشي.




