روايات

الفصل السابع والثلاثون رواية حارة الدخاخني للكاتبة أسماء المصري

الفصل السابع والثلاثون حارة الدخاخني

ضحك واعتدل بجلسته على المقعد وأضاف:
-أبويا كان شغال في نفس الشغل عشان زي ما ابني قالك بالظبط إن الشغل ده بيتورث. زفر بضيق وهو يكمل:
-وجاله توأم، أنا وفتحي، بس فتحي بقى اللي كان عارف ياخد حقه كويس أوي من أبويا ومن أمي بالسهوكه والحنية وكنت انا اللي بطلع دايما شرير مع انهم مكانوش بيعرفو يفرقو بينا غير لما نقول لهم مين عزام ومين فتحي.

ضحك عاليا وأكمل:
-اليوم ده بقى انا وهو كنا بنلعب فب الترعة وقررت إن خلاص كده لازم آخد مكانه عشان انا الأحق بيه بما اني الأذكى، ماهو دايما كده بيطلع في التوأم واحد ذكي وواحد أذكى.

ابتسم وتابع حديثه:
-غرقته في الترعة وعملت نفسي أنا كمان غرقت، ولما فوقت لقيتهم قاعدين مستنيين يعرفو أنا اي واحد فينا فلاعبتهم اني مش فاكر لحد ما أشوف هم بيتمنو مين فينا اللي يطلع عايش، ووقتها أبويا راح دفــ,,ـــــنه من غير ما يطلع له شهادة وفــ,,ـــــاه عشان مكانش عارف يكتب اسم مين فينا، بس طلعت مصلحة بعد كده طبعا لاني فضلت استخدم الاسمين طول عمري.

سحب نفسا لداخله وتنهد وقال:
-عارف أني ندمت بعد اللي حصل عشان مبقتش عارف اعيش من غير اخويا فبقيت كل يوم أصحى من النوم اقلده في حركاته لحد ما أهلي افتكرو اني هو ولقيتهم كأنهم ارتاحو إن اللي مات كان عزام مش فتحي. قوس فمه بضيق وتابع:
-لحد ما قررت أقول لهم اني عزام وساعتها لقيت الفرحة في عين ابويا باينه زي الشمس، ولما كبرت قالي انه فرح ﻷن فتحي مكانش ينفع في شغلنا انما انا قدرت انتــ,,ـــــحل شخصيتي وشخصية أخويا وعشت طول عمري بوهم الناس إننا اتنين مش واحد.

عقب حسن عليه بعد أن مل من ثرثرته:
-هو انت بتحكيلي كل ده ليه؟ عايزني أخاف منك عشان .ت أخوك؟ رفع بصره ليوسف وحمزة وسخر منهما:
-المفروض دول اللي يخافو منك ويخافو من بعض كمان بما أنك ملكش عزيز، وزي ما .ت أخوك ورميت عيالك، تقدر ت.هم برده عادي، وهم نفسهم بعد اللي شافوه منك مش المفروض يدوك الأمان أبدا ولا يدو الأمان لبعض عشان العرق دساس.

صمت ناظرا له بحنق ورافعا شفته العليا بتقزز فلم يهتم عزام بحديثه ورد عليه ضاحكا:
-ولادي ولائهم الاول والأخير ليا يا حسن متقلقش من النقطة دي، ولو بتسأل أنا ليه بحكيلك فعشان عايزك تفهم شخصيتي وتتعامل معايا على أساسها. وقف تاركا مقعده وهتف:
-أنا مبقبلش الرفض ولا المناهدة والمساومة وبس عشان خاطر يوسف اتوسطلك أنت لسه قاعد بتتنفس قدامي، بس بلاش تمتحن صبري عليك أنت هتنفذ كل المطلوب منك وهتشتغل معايا بمزاجك كمان عارف ليه؟

غمز له وابتسم:
-عشان أنا الوحيد اللي هخليك تعمل كل اللي كنت بتحلم بيه وانت صاحي مش وانت نايم يا حسن.
~~~~ خرجت من بوابة الجامعة لتجد ذلك الحارس يقف أمام سيارتها فتنهدت وركبت معه لتجده يتحرك بطريق مغاير عن بيتها فسألته بفزع:
-انت رايح بيا فين؟ رد الحارس وهو ينظر أمامه للطريق:
-عزام بيه أمرني أجيبك الفيلا عنده.

حاولت الإعتراض ولكنها تعلم أنه لن يستمع لاعتراضها، حتى لو فتحت الباب ودفعت بجسدها خارج السيارة فهو لن يتوقف فأخرجت هاتفها الاحتياطي وبه فقط رقمين تتواصل معهما به وضغطت على المراسلة المشتركة بين ثلاثتهم لتكتب:
-عملتو ايه في موضوع حسن؟ أنا قلقانه عليه أوي. كتب يحيى الرد سريعا:
-متقلقيش، رشوان وحسن الاتنين تحت عنينا وكل تحركاتهم مكشوفه قدامنا. كتب حسين منضما للحديث:
-هو روح بدري انهارده بس عمال أرن عليه موبايله مقفول وكمان سهر أكدت انه مروحش لحد دلوقتي فلو متابع تحركاته هو فين؟

رد يحيى مرتبكا:
-هشوف الفريق اللي وراه وارجعلكم. انتبهت عندما توقفت السيارة وخرج الحارس يفتح لها الباب فدست الهاتف تخبئه كما اعتادت وخرجت تتوجه لداخل الفيلا او القصر كما اطلقت عليه ورد فرحبت بها والدتها بحرارة وهي تقترب منها بلهفة لتحتضنها ولكن ملك ابتعدت عنها ولم تعطها فرصة للتقرب منها:
-ملك يا بنتي. رمقتها بنظرة فاحصة لما ترتديه ولشكلها الذي صغر عشرون عاما فضحكت بسخرية:
-ده عزام بيه طلع صارف ومكلف أوي ماشاء الله.

حاولت والدتها التحدث معها ولكنها تركتها ودلفت تتلفت برأسها هنا وهناك تشاهد التحف والأنتيكات المتفرقة بأنحاء البهو فقالت بشكل ساخر:
-حلو العز برده وبيغير البني آدم، أكيد هنا أحسن من الشقة المعفنة اللي في دور أرضي في حارة اعفن مش كده ولا ايه؟ لم يسعها الرد فقد خرج أخيها الأصغر يهرع لها بفرحة:
-ملك. احتضنته وقبلت رأسه:
-محمد يا حبيبي عامل ايه؟ رد عليها ببسمة واسعة:
-الحمد لله زي الفل، تعالي اوريكي اوضتي.

تحركت معه صوب غرفة ألعابه فتعجبت وسألت والدتها التي تبعتهم:
-هو عزام بيه هيقعدو من المدرسة ويخليه يلعب بس ولا ايه؟ وقبل أن تجيبها أضافت:
-ماهو ماشاء الله قعد ولاده الاتنين من الدراسة والدور جه على محمد مش كده؟ رد الصغير بفرحة:
-ده بابا دخلني مدرسة خاصه جميله أوي يا ملك، وكلها ملاعب وحمامات سباحه والعيال نضيفة اوي اوي هناك. ضحكت وربتت على رأسه وجلست أمام أحد لالعاب الإلكترونية وأمسكت بذراع التحكم وسألته:
-بتعرف تلعب؟

أومأ وجلس بجوارها يمسك الذراع الآخر:
-ده أنا بقيت حريف. لعبت معه لتتناسى للحظة أنها أصبحت أكبر من عمرها ولم تعد طفلة كما كانت منذ شهور قليلة، حتى استمعت لصوت ورد من خلفها:
-الله، ما تلاعبوني معاكم. انضمت لهما بجو أسري وحميمي ولازالت والدودة ملك تقف بمدخل الباب تنظر لها بحزن حتى انتهت من اللعب وفردت ظهرها على المقعد تتذمر:
-آه، ظهري وجعني أوي. التفتت لورد بعد أن تركهما محمد وذهب خلف والدته وهمست تسألها:
-أنتي هنا ليه؟

أجابتها زافرة:
-أوامر، اخوكي بعت السواق جابني هنا وطبعا مفيش تفسير بس واضح كده أنه تجمع أسري. سألتها مجددا:
-والحمل عامل معاكي ايه؟ ردت ورد تهز كتفيها:
-زي ما عامل معاكي بالظبط، غممان نفس وترجيع ومغص وقرف بجد. انتبهت انها لم تمثل أي من تلك الأحاسيس أمامهم فابتلعت ريقها بتوجس من أن تُكشف فهي ستحتفظ بتلك الكذبة خوفا من أن يزجها والدها بأي زيجة قريبا بعد إنتهاء عدتها. دلفت والدتها ومحمد بجوارها وخلفهما مدبرة المنزل تحمل المشوربات وترحب بهما:
-أهلا يا ملك، اتفضلي العصير.

ضحكت ملك عاليا ونظرت لوالدتها ساخرة:
-ودي بقى مديرة المنزل زي ما بنشوف في الأفلام العربي؟ وقفت ورمقتها ببسمة واسعة:
-ايه ده يا مامي احنا خلاص بقينا من ايچيبت ولا ايه؟ الله يرحم الحارة. صرت والدتها على أسنانها وهتفت بضيق:
-وبعدين معاكي يا ملك؟ أنا أمك ولا نسيتي؟ بتلك اللحظة تحديدا خلت الغرفة إلا منهما فدارت حرب نظرات بينهما انتهت بحديثها المؤثر:
-انا ضحيت بكل حاجه عشانكم وعشان أبعدكم عنه، عشت في الفقر والحوجه عشان متبقوش زيه وكنت فاكره اني نجيت بيكم من مصيره، بس كنت غلطانه.

بكت بحــ,,ـــــرقة وتابعت:
-فأنتي بقى بتحاسبيني أني مقدرتش أحميكم منه ولا اني معرفتكمش حقيقته ولا اني رجعلته بالغصب والقهر. صرخت بنهاية حديثها:
-بتحاسبيني على ايه يا ملك؟ أجابتها ناظرة لها بتوجس:
-بحاسبك على ضعفك، بحاسبك أنك فضلتي في الحارة وانتي عارفه إن كل اللي فيها مصيرهم واحد. ردت تدافع عن نفسها:
-معرفتش امشي، مقدرتش أمشي يا بنتي، هددني لو مشيت هياخدكم مني. سحبتها داخل حــ,,ـــــضنها بقوة فحاولت ملك التملص منها ولكنها سكنت بالنهاية عندما شددت الأولى من احتضانها:
-أنا فنيت عمري عشانكم يا بنتي بس انتي صح أنا ضعيفة ومقدرتش احميكم، بس قوليلي انتي كنت أعمل ايه؟

لم ترد وظلت ساكنة بحــ,,ـــــضنها فابعدتها والدتها لتنظر لعينيها وقالت:
-اللي حصل كان أكبر مني ولو انتي زعلانه عشان خبيت عليكم انه عايش، فأنا كنت بحسب نفسي بحميكم، ودلوقتي لو طلبتو مني أ.ه عشان أنتو تبقو في امان هعمل ده من غير تردد ولا خوف. زفرت بضيق وأطرقت رأسها ولم تعد تعرف ماذا تفعل فجلست مكانها وتركت والدتها تقترب منها وتربت على ظهرها تسألها:
-عامله ايه في الحمل؟ هزت رأسها عدة مرات ترد:
-تعبانه شويه.

سألتها باهتمام:
-ايه اللي تاعبك يا ملوكة؟ أجابتها بغصة وقهر:
-أنا ضعت خلاص، واحده في سني اتجوزت واتطلقت وحامل وهتبقى أم وهي لسه مكملتش 20 سنه. ربتت عليها تؤازرها:
-ربنا مش هيسيبنا يا بنتي، معلش استحملي شويه وأكيد ربنا مش هيسيبنا نعيش مظلومين ومقهورين كده. التفتت لها تسألها:
-هو عزام بيه بيعاملك إزاي؟ ردت بخجل:
-بيعاملني كمراته يا ملك، هيعاملني ازاي يعني. ردت موضحة:
-قصدي بيتعامل حلو ولا وحش؟ أجابتها:
-لا بيعاملني حلو جدا، وبيعامل يوسف ومحمد بحنيه عمري ما تخيلتها.

هزت ملك رأسها متعجبة وحتى الآن لا تفهم سبب تركه لهم وعودته إن كان يستطيع بأفعاله أن يمحي كل السوء الذي فعله بحقهم قديما. تركتها والدتها لتتابع الخدم وهم يطهون الطعام فأمسكت حقيبتها وأخرجت الهاتف الإحتياطي لتشغله لتجد تلك المراسلة التي بها أكتر من مائة رسالة بين يحيى وحسين تفيد أن رجال الأمن قد فقدو أثر حسن ولا أحد يعلم مكانه، فدب الرعب بفلبها وطبعت أحرف كلماتها بيد مرتعشة:
-طمنوني، حسن فين يا جماعة أنا همــ,,ـــــوت من الخوف.

لم تجد رد فيبدو أن الجميع مشغولون بالبحث عنه، حتى شقيقه الأصغر لم يجيب اتصالها فتركت الهاتف بعد أن يأست وتخوفت أن يراه أحد، وعادت لتدسه بحقيبتها وخرجت لتتفاجئ بحضور والدها ومعه اخويها وذلك الضيف الذي لم تكن تتوقعه مطلقا. نطقت باسمه بصوت مسموع:
-حسن؟! ابتسم وسعل قليلا ليزيل حشرجة صوته ورحب بها:
-ازيك يا ملك؟ أجابته بتوجس:
-الحمد لله، انت ازيك وازي سهر؟ هز رأسه مجيبا ببسمة واسعة:
-الحمد لله كويسه، وعم فتحي بعت يجيبها تتغدا معانا.

ارتفع صوت عزام وهو يقترب منها ويحتضنها عنوة:
-وبعت أجيب أمه واخوه واخته كمان عشان نتجمع زي زمان. قبل أعلى رأسها وسألها بحنان أبوي لم تبتلعه:
-عامله ايه يا ملوكة؟

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى