روايات

الفصل الخامس عشر من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل الخامس عشر روضتنى الجزء الثالث

-نرمو، اخواتي كلهم كويسيين وهتحبيهم أوي وغير كده أنس كتر خيره هيوفر عليا وقت ومجهود وفلوس أد كده.
ابتلعت ريقها بحرج وسألته:
-بس انا كنت عايزه شقه لوحدنا وأختار توضيب وفرش على ذوقي….
قاطعها هو فورا:
-ما هي شقه لوحدنا، ولو على الفرش والتوضيب فاستني بس لما تتفرجي عليها وقولي رأيك، دي تجنن وكل أخواتي بيحسدوني عليها.
رمقته بنظرة محتارة فابتسم لها وهو يضيف:
-عارفه أخويا يزيد اللي قاعد هناك ده.
نظرت مكان إشارته وأومأت فقال:

-كان عمال يساوم أنس يبدل معاه عشان التوضيب بتاعها بس أنس بقى صمم أنا اللي آخدها، ما أنا آخر العنقود.
ضحكت عليه وهو يشاكسها بطفولة فسألها والدها:
-ها يا بنتي؟ موافقه؟
أومأت وهي تنظر للأرض؛ فابتسم مالك ونظر لأخيه فعقب اﻷخير بصوته الخشن:
-طيب يا جماعه على بركة الله، نقرا الفاتحة.
وقف فارس ناظرا للجميع وتكلم وهو ينظر لنرمين:
-نرمين، تعالي أنا عايزك.
وقفت وتبعته للداخل؛ فأغلق الباب وراءه ونظر لها بتدقيق وتكلم بعد أن أخذ نفسا عميقا وطرده بضيق:

-بصي يا نرمين، أنا مش عايز اتكلم من لحظة ما عرفت انك هتتخطبي بالسرعة دي بس جه الوقت اللي لازم أنصحك فيه.
رفعت كتفيها وهي تنظر له نظرات متهربه:
-سرعة ايه؟ انا أعرفه من وقت فرح ياسين و…
قاطعها قائلا:
-علاقتكم بدأت بعد ما فسختي خطوبتك بمازن بوقت قصير، واللي أنا متأكد منه أنك لا لحقتي تنسي مازن ولا حبيتي مالك و……
قاطعته بحدة:
-لأ لحقت، ما مازن لحق ينساني ويتجوز كمان.
حاول التحدث معها بهدوء؛ فهو يعلم ما قد تعانيه بتلك اللحظة فقال:
-الراجل غير الست ..

يقدر ينسى ويحب ويتجوز كمان في وقت أقل بكتير من البنت.
سألته من جديد سؤال جعله يتوتر:
-بس أنت مقدرتش لا تنسى ولا تحب غير ياسمين.
عض شفـ ـته السفلى بحرج وأكد:
-يمكن مشاعري ناحية ياسمين أقوى شوية من مشاعر مازن ناحيتك، بس أنا مش عايزك تغلطي الغلطه دي ولمجرد أنك تنسيه تروحي تتجوزي واحد مبتحبيهوش و…
قاطعته فوراً تنفي حديثه:
-أنا بحبه يا فارس، ومش وخداه عشان انسى بيه حد زي ما انت فاكر.
أصر على حديثه مؤكدا:

-أنا لآخر مره هقولك يا نرمو، بلاش تتجوزي واحد مبتحبيهوش خصوصا لو اللي بتحبيه ده هيفضل غصب عنك قدامك طول الوقت صدقيني أنا، انتي كده هتتحطي في إختبار صعب جدا ستات كتير أوي معرفوش ينجحوا فيه.
تحدثه بهذا الألم والمرار الذي شعرت به جعلها تفهم أن اﻷمر يمسه شخصيا؛ فتذكرت مقتطفات من خطابه الذي كتبه لزوجته وقت طلاقهما وما مر به مع أمه، فصمتت فربت على كتفها وهو يقول:
-حتى لو قريتوا الفاتحه دلوقتي، لازم تاخدي وقتك في التفكير.
رفع وجهها الباكي وأضاف:

-فكري بقلبك وشوفي هتقدري تشوفي مازن قدامك وانتي متجوزه مالك ومش بتحبيه ولا لأ، هتقدري كل ما تشوفي مازن تفتكري وجعك قد ايه ولا هتفتكري اللحظات الحلوة معاه، هتقدري تبصي لمالك وانه بيحبك وبتحبيه لدرجه تنسي كل ذكرياتك مع مازن حتى الوحشه، لو قدرتي تحسي بده وافقي على الجواز يا نرمين لكن لو للحظه واحده اترددتي يبقى بلاش احسن.
❈-❈-❈
أحيانا يشعر المرء بعدم ارتياح تجاه شخص آخر دون سبب معلوم، وفي بعض اﻷحيان يتضح خطأ هذا الحدس عندما تحتك بهذا الشخص، ولكن عندما يَصدق حدسك بعدم اﻻرتياح تتأكد وقتها أنه عليك الوثوق بحدسك أكثر بعد.

استقبله كما يليق بصاحب البيت وليس كمقامه هو؛ فسأله بلباقة:
-تشرب إيه يا مالك؟
رفض اﻵخر بصوت محتد:
-مش عايز حاجه، أنا جاي آخد مراتي و…
قاطعه فارس بهدوء غير معهود:
-اقعد بس.
رفض اﻵخر وهو ينظر له بضيق وهتف بحدة:
-مش قاعد، أنا مش طرطور عشان الهانم تيجي هنا من نفسها ولا حتى تقول لأهلها على مكانها و…
أمره فارس بصوت غليظ وقوي:
-قولت أقعد.
ارتجف مالك لسبب لا يعلمه، هل فعلا يشعر الجميع تجاهه بتلك الرهبة التي شعر بها لتوه عندما صاح به؟ فجلس فورا وتكلم بتلعثم قليلا:

-أديني قعدت، مع إن مفيش حاجه هتقولها هتخليني أوافق على اللي بيحصل.
حاول من حديثه الأخير أن يحفظ ماء وجهه ولو قليلاً؛ فابتسم فارس وجلس هو اﻵخر على مقعده الجلدي خلف مكتبه واستند بذراعيه على ذراعي المقعد الوثير ورمقه بنظرة متفحصة لمدة من الصمت انتهت بحديثه المتعاقب والجاد والمطنب:

-اسمع يا مالك عشان تفهم كويس أنت بتتعامل مع مين كويس، انا هنا أعتبر كبير العيله حتى لو انت عندك مشكلة في ده، وأكبر دليل أنك قاعد قدامي اهو وأبوها بنفسه سايب الموضوع معايا وتحت قراري، لكن فكرة بقى إنها جت على هنا من غير ما تقولك فمعاك، حق هي غلطانه وكان لازم تعرفك خط سيرها من قبل ما تتحرك من البيت.
صمت ونظر لابتسامته بعد أن القى له بكلمة واحدة جعلته يجلس بارتياح فأضاف:
-لكن بالوضح اللي عرفته منها فهمت هي ليه عملت كده؟
ترك مقعده والتف حول مكتبه ليجلس أمامه مباشرة واضعا قدم فوق الأخرى وقال:

-كنت هتقول لها استأذني أنس اﻷول.
تجهم وجهه وحاول الرد؛ فرفع فارس يده أمام وجهه ليسكته وهو يضيف:
-طبعا أنا بهزر، أو بسخر بمعنى أدق وده بعد ما عرفت إن أخوك هو اللي متجوزها مش أنت.
سأله مالك بامتعاض:
-آه فهمت، هو ده بقى اللي هي قالتهولك؟
ابتسم فارس بزاويه فمه ورد:
-هي قالت حاجات كتير أوي ممكن اقولهالك كلها لو أنت عايز تسمعها، ولو هتتصرف بعد ما تسمعها، بس أنا ليا نظرة في اللي قدامي ومتأكد أنك مش هتهتم.
رفض حديثه وقال:
-ليه يعني مش ههتهم؟

مش دي مراتي برده ولازم أعرف إيه اللي مضايقها؟
أوما له ضاحكاً:
-مع اني مش مصدقك بس تمام يا مالك، هقولك إيه المشكلة كلها يمكن تخيب ظني.
صمت قليلاً وابتلع ريقه هو ينتظر من فارس أن يهم بالحديث؛ فلم يتركه اﻵخر يجلس على جمرات النــ,,ـــــار كثيراً فتفوه أولاً بحديثه المبطن:
-بعيداً عن أي كلام ممكن يتقال في مشاكل السكن في بيت العيله خصوصا لو الزوج مش موجود معظم الوقت زيك كده.
قال مفسراً هذا اﻷمر من وجهه نظره:

-أظن في حالات زي حالتي بيت العيله بيكون أمان وحمايه وونس للست، بدل ما تفضل طول النهار وساعات كمان طول الليل لوحدها.
تهكم وهو يعقب عليه:
-ده لما يكون اهل البيت ده أهل للثقه دي وقدها.
لمعت عين مالك وامتلئ جوفه بالغضب وهو يصيح متسائلا:
-ايه الكلام ده؟ أنا أهلي مفيش زيهم و…
وقف فارس وهو يسكته بصوته القوي:
-ابلع ريقك واسمع متبقاش متسرع وغبي.
صاح به معترضاً:
-أنا مسمحلكش تكلمني بالشكل ده.
أمسكه فارس من تلابيبه وصر على أسنانه وقال بجمود:

-أنا لولا عامل حساب إنك في بيتي كنت وريتك شغلك على صوتك العالي ده.
في نفس اللحظة سمع طرقات على الباب؛ فهدر بصوت عالٍ:
-مش عايز حد يدخل عليا.
ابتلعت ياسمين ريقها وتكملت بصوت ضعيف:
-القهوة يا فارس.
صاح رافضاً:
-مش عايز.
تحركت من أمام باب مكتبه؛ فوجدت نرمين تنظر لها بغصة فابتسمت لها اﻷخرى وهمست لها تطمأنها:
-متقلقيش.
أما في الداخل فظل فارس يمسكه من تلابيبه ويهدر به، ومالك يقف لا حول له ولا قوة، وفشلت كل محاولاته فك حصار يده عن رقبته:

-أنت لو راجل بجد كنت خوفت على حرمة بيتك ومفتحتوش ع البحري كده حتى لو لأخوك، وخصوصا لو مراتك مضايقة، ولا انت مسمعتش عن حديث الرسول علية الصلاة والسلام ”الحمو المــ,,ـــــوت“؟
تركه بدفعه منه فارتد جسـ ـده للوراء وهو يعقب:
-أخويا ده لو لقاها عريانه هيغطيها، أنت بتقول ايه؟
رمقه فارس بنظرات متقززة وسحب نفسا عميقا وطرده على مهل وقال بهدوء مصطنع:
-حتى لو أخوك ملاك نازل من السما، فشرع ربنا بيقول كده، بيقول ”إياكم والدخول على النساء“ يعني مينفعش يكون مفتاح بيتك مع أهلك ويفتحوا على مراتك من غير استئذان و…
قاطعه متسائلا بحدة:

-معلش يا فارس باشا متآخذنيش في السؤال، هو انت مش عايش هنا مع أهلك برده، أخواتك فيهم ولد و…
ضحك فارس عاليا بصوت جهوري وؤفع حاجبه الأيسر وهو يجيبه:
-أولاً اسمها حضرتك، ولو قولتلي أنت دي تاني مش هتلحق تكملها، لحد عندي وتنسى أنك ظابط والهري ده عشان أنا ساكتلك بالعافيه.
صر على أسنانه وهو يضيف:
-ولو بتقارن نفسك بيا؛ فالبيت هنا مش شقه اوضتين وصاله متقدرش مراتي تاخد فيهم راحتها، ده جناحنا بس قد شقتك، ومع ذلك خلينا نتكلم بوضوح أكتر.
اقترب منه ونظر له بجمود أضاف:

-أخويا ده لسه شاب صغير ومع ذلك أنا مشيته من هنا مع إن مش من حقك تسألني لأن أنا هنا اللي بسأل.
امسكه من عنقه بغلظه وختم كلامه بغضب عتي:
-وفي ظروف زي ظروفك أنت مش من حقك تفتح بوقك بكلمه خصوصا بعد ما كشفت مراتك على أخوك بدياثه وقلة نخوه؛ فانا متأكد دلوقتي إن لو قولتلك أن الموقر أخوك بيتحــ,,ـــــرش بمراتك هلاقي رد فعل….
لم يكمل حديثه بعد صراخ اﻵخر:
-اييييه؟ هي حصلت كمان تتهموا أخويا بالكلام الفاضي ده؟
ابتسم فارس بزاوية فمه وهو يعقب:
-والله أنا كنت متأكد.
نهج بأنفاسه وسأله:

-نرمين اللي قالت لك الكلام ده ولا انت…
صمت وابتلع ريقه وصحح:
-أقصد حضرتك اللي جبت الكلام ده من دماغك؟
أجابه فارس بعد أن فقد صبره:
-يا بني اسمع، أخوك بيتحــ,,ـــــرش بيها فعلا مش كلام بقوله عشان اخليك تسيب بيت العيلة، ﻷن أنا اقدر أئمرك تجيب لها شقه بره ومش هتقدر تعاندني، بس أنا عايزك تعرف حقيقته لأنه مش أمين عليكم و…
خرجت من مالك سبة نابية وهو يدافع عن اخية بضراوة:

-ده اللي يقول عن أنس كده يبقى هو اللي *****
بلحظة واحدة تحول النقاش الحاد لتعدي بالأيدي من قبل فارس الذي هجم عليه وكيل له الضــ,,ـــــربات حتى نزفت انفه؛ فهرعت كلا من نرمين وياسمين عندما استمعتا لأصوات الهرج والمشاجرة الدائرة، وحاولت اﻷولى أن تسحب زوجها من فوق مالك وهي تهدأة:
-اهدى يا فارس مش كده.
انتهز الفرصة وابتعد عنه متجها ناحية الباب وهو يصيح بعنــ,,ـــــف:
-أنت عارف يعني إيه تتعدي على ظابط بالضــ,,ـــــرب؟ أنت فاهم أنت هيحصل فيك إيه؟
هجم عليه فارس من جديد ليكيل له لكمات اقوى واسرش وهو يرد بثقة وغرور:

-اعلى ما في خيلك اركبه، ودول كمان فوق البيعة يا ***.
خالت ياسمين بينهما وهي ترجوه:
-براحه عشان خاطري.
حاول تمالك نفسه والتحكم بغضبه فقال هادراً:
-اطلع بره بيتي يا كلب قبل ما اخلى الحرس يرموك بره زي أي كيس زباله ملوش تسعيره.
تحرك مالك وهو ينظر لزوجته وتكلم بتوعد:
-انا هوريكي يا نرمين على اللي قولتيه واتهمتي بيه أنس، انا هربيكي.
صرخ به فارس يطرده:
-امشي يا حيوان أطلع بره بدل ما أمــ,,ـــــوتك في أيدي.
خرج متوعداً؛ فنظر فارس في إثره بغل واستمع لنرمين وهي تنتــ,,ـــــحب بحزن:

-مش قولتلكم إن ده اللي هيحصل لو قولناله على عمايل اخوه؟!
صرخ بها ووبخها:
-ما الغلط من الأول عليكي انتي انك قبلتي بالوضع ده، كان فين عقلك وانتي بتفتحى رجليكي لأخوه؟
تفاجئت ياسمين من حديثه الهادر والغير مراعٍ فاقتربت منه وهي تبتلع بوجل وهمست:
-براحه شويه يا فارس، دي مش أنا هستحمل كلامك.
اقترب منها، ونظر بعينها الدامعتين وقال بمعاتبة:
-فاكره لما قولتلك بلاش تغلطي الغلط ده؟ فاكرة لما حذرتك تكملي في الجوازه دي؟ مسمعتيش كلامي وروحتي اتسرعتي ودي النتيجه.
أطرقت رأسها وبكت، فهمست ياسمين تؤازرها:
-معلش يا نرمو، اللي حصل حصل و….

رفض حديث زوجته فقاطعها يقول:
-لا طبعا مينفعش أبداً تقولي كده وتسخفي باللي حصل، هي عشان تنسى مازن راحت اتجوزت جوازه مش مناسبة بغض النظر عن أخوه، لأن رد فعله طبيعي جدا أنه ميصدقش الكلام ده عن اخوه اللي عارفه عمره كله وتقريبا مربيه، لكن هو اصلا مش راجل عشان يكشف مراته على راجل تاني حتى لو دكتور وخصوصاً لو أخوه.
اقتربت منه عندما وجدت عروقه النافره بعنقه؛ فهداته بحب:
-طيب أهدى يا حبيبي، أهو الموضوع بقى تحت ايدك وأنت اتصرف فيه زي ما أنت شايف و…
قاطعها فورا:
-بعد ايه؟

بكاءها جعله يقترب منها ويتحدث بهدوء قليلا:

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى