روايات

الفصل الثالث والعشرون من رواية روضتنى الجزء الثالث بقلم اسماء المصرى

الفصل الثالث والعشرون روضتنى الجزء الثالث

-متاخدش على كلام فارس يا عمر اعذره .
التفت فارس بغضب ثائر هادرا:
-مياخدش على كلامي! مجنون انا قدامك ولا ايه؟
رد بهدوء:
-ﻷ.. مضغوط وكلنا عاذرينك بس حاول تهدى شوية، واﻷفضل انك ترجع مصر لمراتك عشان تتطمن عليها وتبقى جنبها.
انتبه عمر لحديثة؛ فسأل مازن بعينه فأجاب اﻵخر فورا:
-ياسمين تعبانه وفي المستشفى وعمال اقوله ارجع بس منشف دماغه.
تفهم عمر سر عصبيته؛ فاقترب منه وقال مطنباً بمهادنة:

-اسمعني يا فارس، غسان الصباغ ده راجل خطر جدا، وقدر يكشف تحركاتنا من أول لحظة، وأظن اننا حذرناك من وقت ما اخترقنا التليفون اللي كان مع عمك مروان بيه، وحاليا هو اللي ماسكنا من ايدينا اللي بتوجعنا، معاه بدل الرهينة أربعه وحياتك وحياة كل فرد مربوط اسمه باسم عيلة الفهد في خطر، ومش الحل أبدا اننا نتعصب ونضــ,,ـــــرب في بعض، ولا نقف قدامه وهو مسابقنا دايما بخطوة.
جلس فارس مطرقا رأسه باستسلام، فجلس عمر بجواره قائلا بهدوء:
-انزل مصر وسيب كل حاجه لربنا، وأنا هفضل هنا مع مازن لحد ما يقدر يسافر ولما نفوق هنقدر نفكر صح.

أومأ له منصاعا على غير عادته، وأمـ سك هاتفه من جديد يهاتف ابن عمه فرد اﻷخير فورا:
-ايوه يا فارس.
رد فورا بتنبيه:
-متخليش حد يحـ س بحاجه.
لمعت عين ساجد ووضع يـ ده على أذنه قائلا:
-لحظه مش سامح.
نظر أمامه وخرج متصنعا البحث عن مكان هادئ وذو جودة استقبال عالية؛ فوقف بركن ناء وهمـ ـس بتوتر متسائلا:
-في ايه يا فارس؟
اجابه بزفرة قوية:
-جهز نفسك وخد أول طياره على لبنان.
لمعت عينه بالذعر وإنتظره ليكمل:
-مازن اتصاب وفي المستشفى.
لم يترك له مجالا للتكهنات فأضاف سريعا:

-هو كويس الحمد لله، بس انا لازم انزل مصر ومش هينفع اسيبه لوحده.
ابتلع ريقه وهو يجد والدته تقترب منه؛ فأدعى اﻻبتسام وهو يرد عليه:
-حاضر، هشوف الطيران اخباره ايه.
تسائلت بتعابير وجهها فرد عليها كذبا:
-فارس عايزني أسافر أكمل أنا الصفقه مع مازن عشان يرجع هو.
ابتسمت وربتت على كتف ابنها قائلة:
-خليه يرجع لسلطانته يا سيدي.
استمع لصوته الغاضب والحزين بنفس الوقت:
-آجي آلاقيك سافرت، انا هاخد اول طياره على مصر وانت اعمل نفس الكلام.
وافقه مغلقا المكالمة، فتحرك للداخل من جديد وجلس أمام أخيه الروحي قائلا بتوجيه:

-خد بالك من نفسك وساجد جاي على اول رحلة، المهم متخرجش بره المستشفى من غير الحراسه وكده كده هسيب عمر معاك.
وافق بحركة بسيطة من رأسه، فالتفت ينظر لعمر ليوصيه عليه ولكنه وجده يتحدث مع زوجته بالهاتف:
-عامله ايه يا روحي.
ردت بصوتها الرقيق:
-الحمد لله، طمني عليك… ربنا وفقكم؟
لم يرد اقلاقها فأجابها بالموافقة وأضاف:
-عايزك تروحي تزوري مدام ياسمين في المستشفى.
رفعت خديجة حاجبها وسألته بدهشة:
-مالها؟ ايه اللي حصل؟
رد موضحا:
-كانت حامل واجهضت، روحي زوريها وخدي معاكي حراسه.
وافقته وأغلقت معه الهاتف؛

فالتفت ينظر لفارس الذي تحدث بعجالة:
-أنا لقيت حجز على طيران *** وحجزت عليه.
قوس عمر حاجبيه قائلا:
-بس ده طيران درجة تانيه يا فارس.
لم يهتم فكل اهتمامه اﻵن ينصب على العودة لحبيبته وزو جته القابعة بالمشفى لا يعلم مدى خطورة حالتها.
❈-❈-❈
جلست بجواره على مقعد الطائرة الخاصة وأمامه ابنته تدير وجهها تنظر من النافذة؛ فتسائلت عاليا بهمس:
-هي مالها مكشرة ليه كده؟ مع أنها لما قعدت معايا كانت بتضحك وتهزر.
رد وهو يقضم داخل فمه:
-عم تعاقبني، كان بدها تضل بلبنان.

مسح على وجهها بأنامله وهو يبتسم لها هامـ سا بإثا رة :
-كتير اشت.ك عاليا.
رمقته بنظرة محتارة وسألته بوجل:
-معقول كل اللي عملته ده، وحــ,,ـــــريق المصنع بس عشاني؟ قد كده بتحبني؟
ابتسم لها وهو يداعب أسفل ذقنها قائلا:
-بحبك وبس، أنا بعشــ,,ـــــقك يا عمري.
تنهدت بضيق وقالت بامتعاض:
-بس مكانش له لازمه ابدا تأذي كل الناس دي وعيلتي كمان، ده انت خسرتنا كلنا ومتنساش إن العالمية دي ليا فيها أسهم أنا كمان.
عاد لابتسامته وتكلم بهدوء وهو يركز بصره عليها:

-أحسن شي أمك عملته قبل مــ,,ـــــوتها انها تركت الأسهم لإلك وهلأ كمان أسهم الشركة بتنزل بالبورصه وهيدا شي حلو كتير.
لم تفهم حديثه فسألته بوضوح:
-غسان، انت ناوي على ايه؟
لم يجيبها فحمسته بحديثها:
-خلاص انا بقيت معاك ومفيش داعي ابدا لكل ده، كفايه كده على عيلة الفهد في اﻵخر هم عيلتي.
ابتسم بزاوية فمه وهو يرد بشراسة:
-عيلتك ما هيك؟ عيلتك ياللي تركتك بمستشفى مجانين وما حدا سأل عليكي؟ هاي عيلتك اللي انتي خايفه عليهن كتير؟
احتدت تعابيرها وعلت انفاسها وهو يضيف:
-ليكون بعدك بتحبيه عاليا؟

خبريني لأن خلاص فاض الكيل واذا بعدك بتحبيه لفارس راح اتركك واترك كل شي وراي وروح من هون.
نظر لها منتظرا إجابتها؛ فابتلعت مرارة حلقها وهي تنظر له بتخوف، ولكنها عادت وتذكرت ترك فارس لها والتخلي عنها من اجل نفسه وزو جته؛ بل وفكرت أن عائلتها كلها وافقت على ذلك اﻷمر الذي أشعرها بحقد وكره نمى بداخلها.
تخلت عن حذرها قليلا ورمقته بنظرة متسائلة وهي تقول:
-كل همي في الحياه كان أني أخلي فارس يحـ ـس بحبي له، كنت عايزاه ليا بأي تمن والنهاية اللي وصلت لها اني دفعت التمن فعلا بس من غير ماخد اللي كنت بتمناه.

صر غسان على اسنانه وتكلم بحدة:
-عم احترق هون وأنا بسمعك عاليا.
ربتت عليه مبتسمة وهى توضح:
-خلاص، كل ده راح وكل حبي ومشاعري ناحية عيلة الفهد اتحولت لكره، ومبقاش في حياتي غيرك انت يا غسان.
غمز لها بعد أن استمع لكلماتها وهي تضيف:
-كفايه نظرة الحب اللي شيفاها في عنيك واللي كان نفسي احـ ـسها من زمان اوي.
نطق فورا وهو يدا عب أذنها بسخونة انفا سه:
-كتير اشت.ك، ما رح اتحمل لحتى نتزوج … بدي اياكي هلأ.
رمقته بنظرة تحذير وهي تشير بنظراتها لأبنته؛ فغمز غير مكترث وهمس من جديد:

-الطائرة فيها غرفة نوم خاصة، تعي معي شوي.
عضت على شفتها وهي تحاول التهرب منه قائلة:
-بس أنا مش مستعدة للخطوة دي دلوقتي.
عقب بصوت قوي، ولكنه هامس وبنبرة فروغ صبره:
-عم قلك كتير مشتقالك، لا تختبري صبري عاليا.
تنفست بعمق وهي تتحرك معه للغرفة الصغيرة الملحقة بالطائرة والتي لا تتسع سوى لفراش صغير وباب بحجم فرد واحد؛ فدفعها بلهفة للداخل مغلقا وراءه الباب فقالت متأففة:
-كده بنتك هتتضايق.
قبلها بجمو ح ولهفة وبدأ باز الة ملا بسها عنها وهو يرد:
-لا تعتلي هم، لاميتا عايشه بعالمها الخاص وما عم تركز معي حبيبتي.

دفعها لتستلق على الفراش واعتـ ـلاها فورا مقبلا عنـ ـقها قبـ ـلات جا محة حتى تألمت ترجوه:
-براحة شوية يا غسان مش كده.
ارتفع على ساعديه وقال متسائلا:
-ما هي نفسها طريقته لفارس ياللي بتحبيها؟
مسحت بيدها على صد غه وهي ترد برقة:
-بس انا كرهته وكرهت اي حاجه تفكرني بيه، ومش عايزه افتكره وأنا معاك، انا عايزه غسان مش فارس.
انتشى فرحا وابتسم لها ملـ ـثما فـ ـمها بقـ ـبلة بادلته اياها ومارس معها الرذ يلة حتى انتهى ونظر لها مبتسما وقبلها مضيفا:
-اتوحشتك كتير يا عمري.

❈-❈-❈
وصل بعجالة وهو لم يصدق أنه قد وجد طائرة متوجهة لمصر بتلك السرعة، وكأن القدر يقف بجواره بعد أن أكهلت الدنيا كتفاه بأثقال وهموم جمة؛ فاندفع من بوابة المشفى غير عابئ بحالة الهرج التي أصابت اﻷطباء وطاقم التمريض عندما وجدوه يهرول بتلك الطريقة، ولكن الجميع يعلم أن زو جته بالعمليات بتلك اللحظة إذاً فإن لهفته تلك منطقية جدا.
اقترب من منطقة غرف المرضى وظل يلتف حول نفسه وها هو يأنب نفسه فلماذا لم يسأل أحدا من العاملين عن مكان غرفتها؟ ولكن حيرته لم تدم طويلا بل انتهت فور أن وجدهم جميعا يخرجون تباعا من غرفة أمامه؛

فلمعت عين دينا التي اسرعت ناحيته تحتضنه قائلة ببسمة:
-حمدالله ع السلامه يا حبيبي.
ربت على كتفها وبادلها اﻻبتسام المقتضب وسأل عن حال من تشغل باله:
-ياسمين عامله ايه؟
طمأنته وهي تنظر حولها للجمع المصاحب لهما:
-الحمد لله يا حبيبي، عدت على خير.
سحب نفساً عميقاً وطرده براحة وتضرع لله:
-الحمد لله يارب أنها عدت على خير.
سأل بلهفة:
-ينفع اشوفها؟
أومأت له وهي توضح:
-ثواني بس الدكتوره عندها جوه هتخلص كشف وندخل لها.
انتظر بفروغ صبر وهو يتسائل بحيرة:
-انتو ليه مقعدينها في اوضه مش جناح؟

ينفع كده الكل واقف بره مستني والحاج كده برده يفضل واقف كده!
انهى حديثه ناظراً لجدها؛ فابتسم له اﻷخير وهو يقول:
-الحمد لله يا فارس يا بني اننا اطمنا عليها وكل حاجه تانيه مش مهمه.
عقبت دينا موضحة:
-الضغط في المستشفى كبير الفتره دي، ومكانش في اجنحه فاضيه وأول ما جناح يفضى هنقلها على طول.
سأل بحاجب مرفوع:
-هي لسه هتقعد في المستشفى كتير؟ هي تعابه ولا ايه؟
بنفس اللحظة خرجت الطبيبة فالتفت لها فارس ناظرا لها بغضب وسألها بصوت حاد:
-طمنيني.
اقبلت عليه مبتسمة وطمأنته:

-هي بخير والحمد لله، وممكن تخرج بكره كمان، بس هخليها انهارده تحت الملاحظة كده عشان أتأكد إن مفيش أي أثر للتسمم.
صر على أسنانه ووقف ندا لها وهو يوبخها:
-طبعا التقصير اللي حصل منك ده انا مش هتهاون فيه يا دكتوره، لأنك مش شايفة شغلك صح.
تعجبت الطبيبة من هجومه عليها، وعندما حاولت دينا التحدث للدفاع عنها قاطعها قائلا:
-انا عارف إن ملهاش دعوه بالحمل وانه بسببنا، بس ياسمين كانت لسه عندها من قريب وغيرت لها الوسيلة والحمل ده لو حصل بعد تغيير الوسيلة فهي المسؤلة قدامي.
عقبت دينا وكأن ردها سيهدأ النــ,,ـــــار الثائرة منه:

-الحمل كان دخل في شهرين يا فارس.
صر أكثر على أسنانه وهو يصيح بصرامة:
-تبقى الدكتوره مبتفهمش حاجه لما الحمل قرب على شهرين، وهي بدل ما تكتشفه راحت تغير لها الوسيلة من كام يوم.
ظلت الطبيبة صامتة تسمع توبيخها بنفسها لا تستطيع الرد حتى هدر بدينا آمرا:
-الدكتوره دي تصفي حسابها وتسيب المستشفى فورا.
ابتلعت دينا ريقها وهي تحاول أن تثنيه عن غضبه:
-بس يا حبيبي الدكتوره عملت اللي عليها و…
قاطعها هاتفا بغضب:

-دي مش كفؤ أنها تشتغل في مستشفى استثماري المرضى بيدفعوا فيها آلاف مؤلفة، لما تهمل بالشكل ده مع أصحاب المستشفى أومال بتعمل ايه مع المرضى العاديين.
همت دينا بالتحدث، ولكن الطبيبة لم تتمالك نفسها من توبيخها اللاذع من قبله؛ فنطقت بصوت مرتفع نسبيا تدافع عن نفسها بعصبية:
-وسيلة ايه وحمل ايه اللي مكتشفتوش ده يا فارس بيه؟ أنا عرفت بالحمل من فتره وطلبت من مدام ياسمين انها تنزله وهي رفضت وصممت على ده، حتى أخت حضرتك كانت معاها هي ومدام شيرين.

ابتلع الجميع بوجل وهم ينظرون لملامحه القاتمة ووجه الذي تحول لونه لحمرة غريبة بلمح البصر وارتعدوا جميعا لصوته الذي خرج غليظ وشرــ,,ـــــس:
-أنتي بتقولي ايه؟
رددت حديثها مؤكدة على كل حرف به وهى تضيف:
-مدام ياسمين مقتنعتش أبداً إن الحمل ده هيكون غلط عليها وأنه بكل اﻷحوال مش هيكمل، وقالت يمكن يكون تشخيصي غلط، بالنهاية اهو طلع صح.
لتقول بتباه غير عالمة بما يثور بداخله:
-يعني طلعت دكتوره بفهم يا فارس بيه وكلامي صح.
قضم شفته بغضب وسألها وهو يتنفس بحدة:
-أومال تحاليل ايه اللي طلبتيها منها وكان بقالها كذا يوم بتعملها؟

ردت بثقه وجمود:
-انا مطلبتش منها حاجه وحتى مشفتهاش من آخر مره كانت هنا مع حضرتك.
التفت ينظر ﻷخته التي حاولت أن تختبئ خلف دينا؛ فسحبها من ذراعها بقسوة جعلت دينا تصيح به:
-براحه يا فارس البنت حامل.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى