
تنهدت وهي تضيف: -نفسي فارس يرتاح من المشاكل، أنا خايفه عليه أوي على طول تعبان خصوصا الفترة الأخيرة ضغطه بقى بيعلى دايما ونظره ضعف وتركيزه قل ودي أعراض وحشه اوي مع ذلك بيقاوح ومش عايز يريح نفسه. ردت تؤازرها: -فارس كبير عيله يا ياسمين وكبير العيلة مش بيرتاح، بس انتي حاولي تخففي عنه على قد ما تقدري وكل فتره كده خديه وابعدوا زي ما عملتوا قبل كده عشان يقدر يكمل.
هزت رأسها باستحسان وهي تخبرها: -هو حاجز للحج السنه دي ومُصر ياخدني معاه. تعجبت وهي تسألها: -وهو حد يطول يسافر الحج؟ وضحت وجهة نظرها: -أنا فاهمة فارس كويس، هو عايزني معاه عشان اتحجب واتكلم معايا في الموضوع كذا مره بس انا حاسه اني مش مستعدة لسه للموضوع ده. اراحت نرمين رأسها على ظهر الأريكة وقالت: -والله انا موضوع الحجاب ده شايفه اننا اتأخرنا فيه اوي يا ياسمين، ما تيجي نشجع بعض ونلبسه سوا.
بللت شفتيها وهي تهم بانهاء الحوار معها: -بقولك ايه، روحي شوفي طنط هدى بدل ما تقولك ياسمين عطلتك ونبقى نشوف الموضوع ده بعدين. ❈-❈-❈ عاد من الصلاة دالفا ڤيلته ماشيا على قدميه فوجد أمجد أمامه ينظر له باحترام وسأله بتوتر: -باشا، هو حضرتك خرجت امتى؟ أجابه بصوت حاد: -وقت الصلاه ومكانش فيه فرد أمن واحد واقف ع البوابه، طبعا الهرجلة دي مش بتحصل إلا في غياب زين ولو انت مش قادر تشيل مكانه يوم أجازته عرفني وأنا اجيب اللي يقدر يشيل.
ارتبك وابتلع ريقه وهو يستمع لتوبيخ رب عمله الحاد: -بالوضع ده ترجع جارد خاص لمراتي وأشوف حد اكفأ منك يتناوب على الشغل مع زين. ظل مطرقا رأسه ولم يرفع بصره صوب فارس الذي أكمل توبيخه: -خصم ليك ولكل الجاردات اللي عندهم مداومه انهارده. أومأ باحترام فاضاف فارس: -جهز ورق الخصم وحطه على مكتب زين عشان يمضيه لما يرجع من اجازته، وشوف شغلك كويس بدل ما تضطرني اعاملك معامله مش هتعجبك يا أمجد.
تركه وتحرك للداخل فوجد زوجته لا تزال بالحديقة؛ فجلس بجوارها ليجدها شاردة لم تشعر بمجيئه فتنحنح ساعلا بصوت قوي لتنتبه له فسألها بقلق: -مالك يا سلطانه؟ ردت بضيق: -زعلانه أوي على وضع نرمين يا فارس، عارف انها عيزاك ترجع لها حقها من مالك وأخوه الندل ده. رفع شفته للجانب بامتعاض وهو يتحدث بحدة: -It’s about time. حركت رأسها متضايقة وهي تخبره: -أنا عارفه أنك شايف انها اتأخرت بس نرمو معذوره برده اللي حصل مش سهل.
وافقها وهو يضيف: -بس استنت كتير اوي على حقها، والحمد لله انها فاقت ورجعت لنرمين بتاعة زمان، المهم دلوقتي تسأليها إذا عيزاني اتصرف بمعرفتي ولا هي عايزه حاجه معينه! صمت لحظة وأضاف موضحا: -في العادي مش بستنى رأي حد بس انا عاطي نرمين الاستثناء ده عشانك انتي يا سلطانتي. ابتسمت فورا وجلست على قدميه تقبله بحب وتشكره: -مش عارفه اقولك ايه يا فارس، أنا بجد مش لاقيه كلمة شكر كفايه على كل حاجه عملتها عشان خاطر أهلي.
بادلها القبلة ورد وهو يخلل أصابعه بشعرها الطويل: -كله يهون عشان خاطر سلطانة قلبي اللي بقيت مقدرش ابدا اتنفس من غيرها. انهى حديثه بقبلة عميقة مؤججة للمشاعر بادلته إياها بشغف وحب لم ينضب أبدا. ❈-❈-❈ دلفت تلك الغرفة الملحقة بفيلته والتي تنتصفها طاوله مستطيلة خضراء بها العديد من الكرات أو ما تسمى بطاولة البليارد؛ فوجدته يستند على طرفها ممسكا بأحد الكرات يحركها بشكل عفوي وهو يركز بصره بالهاتف بيده الأخرى فتمتمت بتذمر:
-أنت سايبني وواقف هنا بتعمل ايه لوحد؟ انتبه لوجودها فترك ما بيده ورد: -شويه شغل كده بخلصهم. تعجبت وسألته بفضول: -شغل ايه ده؟ وهنا! في صالة البلياردو. ابتسم وهو يتحرك ناحيتها مجيبا تحقيقها: -يا ستي كان معايا تليفون ورجلي اخدتني على هنا وبعدها ركزت في الايميل اللي اتبعتلي. تعلقت برقبته فحملها وأجلسها على الطاولة فتدللت تسأله: -يعني مش بتكلم بنات من ورايا؟ ضحك عاليا وهو ينفي برأسه: -ولا بنات ولا بنين يا روحي.
انحنى مازن على الفور بطوله الفارع والذي حتى بعد ان وضعها على تلك الطاولة العالية نسبيا كان لابد عليه ان ينحنى هكذا حتى يصل لمستوى وجهها لينظر داخل عينيها مبتسما وهمس وشفتيه تتلامس مع خاصتها: -مازن الفهد مبقاش عايز ست في حياته غير چنى الفهد اللي قدرت تخليه يحبها للدرجه اللي بيها مبقتش أشوف غيرك. اسند ظهرها بيد وباليد الأخرى مسح برقة على بطنها المنتفخ وهو يكمل: -وابننا اللي جاي عايزه يشوف أبوه وأمه بأحسن صوره.
قبلها فورا قبلة عميقة ومؤججه للمشاعر بادلته اياها فلم يفكر حتى بحملها والصعود بها لغرفتهما، بل مارس حميميته معها هنا وعلى نفس طاولة اللعب والكرات تتخبط بجوارهما وكأنها تتراقص على أصوات شغفهما المتقد عشقا. ❈-❈-❈ شاردة أمامها بصورته التي رسمتها داخل عقلها، صامته لا تتحدث ولكن صخب عقلها كان وكأنها داخل مباراة لا يسمع فيها سوى أصوات التشجيع العالية؛ فكانت تفكر وتفكر، تضحك تاره وتبكي أخرى تبتسم لحظة وتدمع لحظة، تتذكر ومضات من ماضيها وهي طفلة تربت وكبرت على حبه وعشقه الذي لا ينتهي بداخلها مهما حاولت انهاءه.
اغلقت عينها وفتحتها عدة مرات وهي تجد طيفه أمامها تحاول بشتى الطرق أن تمحي صورته التي تحتل عقلها دون جدوى. ظلت تفرك عينيها مرارا وذلك الطيف يتضح لها أكثر وأكثر كلما فركتهما بقوة، وكأن عقلها أبى أن تشفى من ألم عذابه: -ازيك يا عاليا؟ الآن أصبحت تهذي أيضا بصوته الذي اخترق اذنيها، فما بالها تجن يوما بعد يوم حتى أصبحت تبصره وتسمعه وتشعر بلمساته وتشتم رائحته المسكرة! -مش عايزه تردي عليا؟
انتبهت لصوت الطبيب يعقب: -للاسف هي مبقتش ترد على حد خالص مهما حاولنا يا فارس باشا. لمعت عينيها واحمرت حدقتيها، فهل حقا هو هنا بشحمه ولحمه وليست خيالات من نسيج عقلها المريض به؟ اعتدلت بجسدها ترمقه بنظرات جامدة وهو يرد على حديث الطبيب المرافق له: -سيبهالي وأنا هعرف اخليها تتكلم. صرت على أسنانها بغل، فمن أين له بتلك الثقة على جعلها تفعل ما لا ترغب به؟ هل أصبح يتحكم بها كدمية من دمى الماريونيت تتحرك بخيوط مثبته باصابعه؟
لحظة واحدة، لماذا تمنت الآن أن تصبح دمية بالفعل تتعلق باصابعه فقط حتى تصبح بالقرب منه ولو لبعض الوقت! كم جن جنونها من عشقه الذي لا تستطيع الخلاص منه؟ جلس بجوارها بحضور الطبيب الذي رفض المغادرة وهو يؤكد: -متأسف يا فارس باشا، أنا عارف حالتها كويس ومش أمان ابدا اسيبك لوحدك من غير متابعة لأن أي كلمه مش محسوبه ممكن توقعنا في نكسه احنا في غنى عنها.
أومأ وهو يلعن بداخله تساهله الذي أصبح عيانا للجميع؛ فجعل الكثير ممن كانوا يرتعدون خوفا منه أن يتخـ,ـطوا معه الخطوط الحمراء التي وضعها لتعامله مع الجميع، ولكن الآن قد عُرف عنه بلين القلب وهو ما أصبح يبغضه أكثر من أي شيئ ولا يستطيع تغييره. سحب نفسا عميقا وطرده بحدة وهو يردد حديثه معها: -عامله ايه دلوقتي يا عاليا؟ لم تجب بل ظلت ترمقه بتلك النظرات الكارهة التي تتنافى مع ما تشعر به بداخلها لمجرد جلوسه هكذا بجوارها، ابتسم بضيق وهو يقول:
-لو مردتيش عليا همشي. لم ترد فوقف مهندما سترة بدلته واحكم ربط رابطة عنقه وتجرك للخارج ولكن صوتها أوقفه عن استكمال سيره للخارج عندما صرخت: -متمشيش. التفت بسرعة ناظرا لها ببسمة حذرة حتى لا تفهمهما خطأ ويعود يعاني معها الامرين؛ فعاد جالسا بجوارها وتكلم على مرأى ومسمع من الطبيب: -حمد الله ع السلامه، قلقت عليكي لما بلغوني ان بقالك عشر ايام متكلمتيش. تنهدت وهي تجيب باكية: -وايه فايدة الكلام ومحدش بيسمعني.
اغلق عينه وزم شفتيه فعقبت على ملامحه الواجمة: -عارفه انك جاي غصب عنك عشان الهانم بتاعتك متزعلش، بس انا خلاص تعبت ومش قادره استحمل اكتر من كده يا فارس، عشان خاطري طلعني من هنا رفض متمتا بضيق: -أخرجك عشان تعملي عمايلك دي تاني؟ صرخت بحرقة: -منا حاولت انـ,ـتحر كذا مره وكل مره بتلحقوني، طالما محدش عايزني سيبوني امـ,ـوت واروح لأمي هي اكيد عيزاني. رمقها من خلف جفنيه المحتقنين وهو يسأل بدهشة:
-وهو انتي لو مـ,ـوتي نفسك هتروحي لمامتك؟ لو نجحتي في اي مره هتدخلي النار يا عاليا فانتي بقى مستعده لعذاب الآخره عشان مش مستحمله الدنيا. ردت مؤكدة: -مش مستحمله الدنيا اللي انت مش معايا فيها يا فارس، انا تعبت اوي. بكت بقهر وانحنت بجسدها قاصده أن تضع رأسها على كتفه، ولكنه ابتعد قليلا فانتبهت لرفضه فزاد بكائها وهي تقول: -حتى انك تواسيني وتاخدني في حضنك زي زمان مبقاش متاح، يبقى اعيش ليه بس؟
أجابها وهو يرمقها بنظرة قويه: -تعيشي عشان تكفري عن ذنوبك يا عاليا عشان لما ربنا يأذن تروحيله تبقى نظيفه، فكري بعقلك شويه وسيبي مشاعرك وعواطفك اللي جابت لنا المصـ,ـايب دي كلها. تنحنح الطبيب وكأنه ينبهه انه قد تخطى حاجز الأمان بحديثه؛ فحاول فارس أن يتدراك نفسه وهتف مغايرا للحديث: -صحيح نسيت أقولك إن المحامي بتاع غسان الصباغ فتح وصيته ولقاه كتب لك نص ثروته والنص التاني كتبه لبنته أو اللي كنا فاكرينها بنته.
ابتسم وهو يخبرها: -بقيتي أغنى مني يا عاليا. ضحكت ساخـ,ـرة وهي تسأله: -وهو انت خليت حيلته حاجه؟ ما أنت اخدت كل فلوسه اللي في حسابه. غمز نافيا وهو يوضح لها: -ده طلع عنده اكتر من حساب ده غير العقارات والشركات والمصانع، الحاجه الوحيدة اللي عرفت اتفاوض بيها مع المحامي هي أسهم الشركه مقابل الفلوس اللي سحبتها من رصيده وفعلا سلمت الفلوس للانتربول وهو تمم الصفقه. سألته باهتمام: -وخساير المصنع اللي اتحـ,ـرق؟
رد وهو يبتسم لاهتمامها: -هو بنفسه كان محول لي مبلغ محترم اليوم اياه عشان الخساير دي ودلوقتي كل الاسهم رجعت لايد عيلة الفهد من تاني ومنها اسهمك يا عاليا، بس الجديد بقى إن مازن وساجد بقى لهم اسهم هم كمان ووزعت اسهم ولاد مروان بالعدل بينهم ومبقاش في مستثمرين أغراب بينا. سألته بحيرة: -ازاي؟ كل المستثمرين باعوا؟ طيب مين اللي قدر يشتري كل الاسهم دي متقوليش مازن وساجد! رد غير منتبه لذله لسانه:
-وأنا اشتريت جزء كبير وياسمين استثمرت كل فلوسها ف… صمت فور أن وجد عبراتها تنزل على وجنتيها وعقبت بصوت ضعيف: -هي خلاص بقت رسمي من عيلة الفهد، بتقول مفيش أغراب بينا بالرغم من وجودها. تمالك نفسه وهو يهدأها: -ياسمين أم ولادي يا عاليا، تبقى ازاي غريبه؟ فريده هانم مش من عيلة الفهد بس هي من اصحاب الأسهم لانها كانت متجوزه بابا الله يرحمه ، يبقى بالعقل كده أم ولاد فارس الفهد غريبه؟
نفت وهي تصر على أسنانها فحاول من جديد تغيير مجرى الحديث فسألها: -ها، ناويه تعملي ايه بالفلوس دي كلها؟ أنا لو منك افتح شركة اجهزة منزليه وأضارب في الفهد والعالمية. ضحكت وضحك معها فنظرت له بحب وغزل وهي تعقب: -وأنا مستحيل أقف قصادك يا فارس. أومأ عدة مرات بفروغ صبر ووقف مستعدا للرحيل فلحقت به تتعلق بذراعه تتوسله: -خليك معايا شويه. ارتبك من تعلقها به بهذا الشكل وانزل راحتيها بهدوء وهو يخبرها:
-معلش يا عاليا مشغول أوي اليومين الدول، بس اكيد هجيلك تاني. تحرك فتبعته من جديد ترجوه: -متتاخرش عليا زي كل مره يا فارس، أنا مليش غيرك. التفت مبتسما لها وأومأ فهرعت ناحيته تحتضنه وتتعلق برقبته وهو يمسكها من ذراعيها محاولا فك حصارهما عن عنقه، ولكنه استسلم بالنهاية لذلك العناق وهي تبكي وتحدثه برجاء: -متحاسبنيش على غلطاتي اللي كانت بسبب حبي ليك، أو أقصد جنوني بيك يا فارس عشان أنا مش بحبك أنا مجنونه بيك.
أنزل ذراعيها المحاوطة لعنقه ووضع راحته خلف رأسها وقربه منه وقبلها من جبينها، وعندما هم بالابتعاد قفزت من جديد تتعلق به وهي تدفع ثغرها بثغره تقبله قبلات متتاليه قوية وهي ملتصقة به ولم تتركه حتى بعد محاولاته البائسة الابتعاد عن ملمس شـ,ـفتيها. همس وهي لا تزال متعلقه به وواضعة رأسها على صدره: -ميصحش كده يا عاليا إحنا مش لوحدنا. رفعت وجهها تنظر له بحب وبسمتها تتسع لاذنيها قائلة بجرأة ودون حرج:
-كان نفسي اوي من زمان أبوسك ولو سألوني نفسك في ايه وآخر نفس بيخرج من جسمك هقول لهم اني ابوسك تاني. لم يجد لا رد ولا مهرب مما هو فيه فابتسم وابعدها بقوة انامله عن صدره واتجه للخارج برفقة الطبيب بعد أن لحق به وحدثه بعملية: -طبعا زي ما حضرتك شايف إن مدام عاليا حالتها بتسوء اكتر وأكتر فأنا شايف انك تحاول تنفذ لها شوية من طلباتها عشان بس نبعد شوية عن محاولات الانتـ,ـحار المتكرره.




